تنازع البنى الإعرابية بين المعية والحالية: قراءة تفكيكية لجدلية “الحجب البنيوي” وحل عُقد التقدير المصنوع

تنازع البنى الإعرابية بين المعية والحالية: قراءة تفكيكية لجدلية “الحجب البنيوي” وحل عُقد التقدير المصنوع

تتشابك القواعد النحوية في اللسان العربي متأثرةً بنزوع النحاة نحو قسر البنى التعبيرية داخل قوالب صورية مطردة، وهو ما تجلى في حظرهم لوقوع المفعول معه جملةً اسمية مرسلة. ويسعى هذا المقال إلى تفكيك المسار الذي تولدت منه فرضية “واو الحال” ككائن بديل نبت على أنقاض إلغاء شق المعية الجملية في الصياغة العربية. كما يكشف البحث عن آلية يسيرة لتبادل الأحكام الإعرابية كفيلة بإنهاء الاضطراب النظري، وتخليص المحققين من إشكالات التمحيص والتقدير التكلفي.

أولاً: آلية الحجب وصناعة واو الحال البديلة

حين استقر رأي جمهور النحاة من البصريين على منع وقوع المفعول معه على صورة جملة مركبة في نحو قولنا: “جاء زيد والشمس طالعة”، واجهوا واواً لفظية تفيد المصاحبة والاقتران باعترافهم الدلالي التداولي، فما كان منهم إلا أن عرجوا فوراً على أقرب الأبواب النحوية شبهاً بفضلة المنصوبات؛ وهو باب “الحال”[1]. والواقع التاريخي للصناعة يشير إلى أنهم لو أنصفوا الفطرة اللغوية، وأجازوا إعراب هذه الجملة ونحوها مفعولاً معه -وهو المطابق لمعناها النفسي والسياقي- لما وجدوا أنفسهم مضطرين البتة إلى ابتداع كائن نحوي جديد يسمى بـ “واو الحال” لتسليطه على البنية الاسمية[1].

إن القول بـ “واو الحال” الداخلة على الجمل الاسمية كان ثمرة قسرية مباشرة لإلغاء “المفعول معه الجملة”؛ أي إن إثبات الحالية في هذا الموضع قام أساساً على كفن إلغاء المعية، والعكس صحيح تماماً في منطق البناء النظري[2]. والتحقيق يكشف أن الذي حجب عقول النحاة عن قبول مذهب المعية في الجمل هو عقيدتهم المسبقة بوجود أداة مستقلة تختص بالدخول على الجمل الاسمية تسمى واو الحال؛ فكلما صادفوا جملة وقعت بعد واو تفيد الجمع والاقتران الزمني بادروا إلى وصمها بالحالية، مجردين بذلك بنية اللسان العربي من معنى المعية الشامل، فلم يتبق في مصنفاتهم سوى “المفعول معه المفرد” (نحو: استوى الماء والخشبة)، زاعمين أن المعية الجملية لم ترد في كلام العرب، بينما الحقيقة أنها وردت وشاعت، بيد أن الصناعة حجبها وسترتها بستار الحال المصنوع[2][3].

ثانياً: تفكيك المعضلتين بآلية “تبادل الأقفال” النحوية

إن هذا المنع المزدوج (منع المفعول معه الجملة، وإثبات واو الحال القسرية) ولّد معضلتين بنيويتين عانى منهما النحو العربي أشد العناء عبر عصور التدوين، وتفرعت منهما إشكالات ومآخذ جمة أثقلت حواشي الشروح[4]. وأقول بأعلى درجات الثقة العلمية: إن تلك الإشكالات لم تُحل حلاً جذرياً برغم الترسانة الهائلة من التأويلات والمقدرات الكلفوية التي وُظفت لإصلاحها، بل إن تلك التأويلات نفسها تحولت بمرور الزمن إلى مشكلات معرفية جديدة تحتاج إلى فك وتفسير[4][5].

وحكم حل هاتين المعضلتين اللتين أفسدتا اطراد القواعد -على الرغم من استحكام عقدتيهما في الأذهان- جد يسير إذا تحررنا من قوالب التعصب الصوري؛ فهما يشبهان قفلين لبابين مختلفين، عُمد في الصناعة إلى وضع مفتاح أحدهما في قفل الباب الآخر، فاستحال فتح البابين بالطرق العادية، وأصبح المفسر أمام خيارين: إما تركهما مغلقين مستعصيين على الفهم البلاغي، أو فتحهما بكسر القوالب النحوية وفي كلا الأمرين مأخذ[5]. والحل الأوحد الكفيل بالسلامة واليسر هو آلية “تبادل الأحكام”؛ بحيث تأخذ إحدى القضيتين حكم الأخرى لتنحل عقدتها تلقائياً، وتنقاد القضية المقابلة للحل دون أدنى عناء:

القلب من الجهة الأولى: لو قلبنا حكم الجمهور وقُلنا بجواز مجيء المفعول معه جملةً، لأعربنا الجملة الاسمية في (جاء زيد والشمس طالعة) مفعولاً معه صريحاً، وعندئذ تسقط وتُلغى “واو الحال” من المنظومة النحوية دون حاجة للتدخل اللفظي لإلغائها، لأن مسوغ وجودها قد انتفى زوالاً[6].

القلب من الجهة الثانية: لو عكسنا النظر فأعربنا الواو “واو معية” تابعة لمعناها الفطري المصاحب، لتمكنا مباشرة من إعراب الجملة الاسمية بعدها مفعولاً معه، فيثبت المفعول معه الجملة في القياس دون وجوب استصدار إجازة صناعية خاصة له[6].

ثالثاً: مخرج “صدر الأفاضل” وإعادة الاعتبار للمعية

بناءً على هذا التلازم الوجودي بين إلغاء المعية وظهور الحالية، حيث يستحيل إثباتهما معاً في موقع تركيبي واحد لكون وجود أحدهما منوطاً بإعدام الآخر، يتضح لنا التخريج الذكي والنادر الذي نُسب إلى الإمام “صدر الأفاضل” القاسم بن الحسين الخوارزمي[7]. فقد تفطن هذا العالم المحقق إلى معضلة جمل الحال التي تخلو من ضمير يربطها بصاحب الحال (نحو: جاء زيد والناس نائمون)، ورأى أن تجريد الجملة من العائد يقطع صلتها بالوصف الحتّي، فعمد كما نُقل عنه إلى إبطال وإلغاء “واو الحال” في هذا الموضع تحديداً، منتصراً لإثبات مجيء المفعول معه الجملة لحل هذا الإشكال البنيوي المستعصي[7][8]. وهذا المخرج يثبت أن فكرة المعية الجملية لم تكن ترفاً ذهنياً، بل ضرورة إعرابية لجأ إليها جهابذة النحو لتصحيح انحراف القياس البصري الجامد.

 

———————————–

[1] المبرد، المقتضب، 4/ 220؛ الزجاجي، كتاب الجمل، ص 145؛ الرضي الاستراباذي، شرح كافية ابن الحاجب، 2/ 115.

[2] ابن السراج، الأصول في النحو، 1/ 210؛ ابن جني، الخصائص، 3/ 88؛ السيرافي، شرح كتاب سيبويه، 3/ 192.

[3] ابن الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف، مَسألة المفعول معه، 1/ 230؛ ابن يعيش، شرح المفصل، 2/ 112.

[4] عبد القاهر الجرجاني، المقتصد في شرح الإيضاح، 1/ 490؛ السيوطي، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، 1/ 455.

[5] ابن مالك، شرح التسهيل، 2/ 342؛ الأشموني، شرح الأشموني على الألفية، 2/ 180.

[6] ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، 2/ 340؛ الأزهري، التصريح على التوضيح، 1/ 412.

[7] صدر الأفاضل الخوارزمي، شرح المفصل (مخطوط)، ورقة 88؛ ياقوت الحموي، معجم الأدباء، 5/ 210.

[8] الخضري، حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، 1/ 215؛ وينظر: عباس حسن، النحو الوافي، 2/ 310.

ترك تعليق