(مـا) الشرطية المفردة

(مـا) الشرطية المفردة

تُستعمل (ما) الشرطية لغير الآدميين؛ نحو:

 ما تَصنَعْ أَصْنَعْ. فإن قلت: ما يأتني آته، وأنت تريد بذلك الناس، لم يَصلح؛ ذلك أن هذه الأداة وُضِعت في الأصل للدلالة على ما لا يعقل، ثم ضُمِّنت معنى الشرط لإبهامها[1]. ولها الصدارة في الكلام، ويَعمَل فيها ما بعدها من الأفعال.

وقد اختُلِفَ في عامل الجزم في شرطها وجوابها[2]، وهو خلافٌ يطول في كتب النحو حول نظرية العامل والمعمول، ونكتفي بالقول هنا بأن شرط (ما) وجوابها يقعان مجزومين، سواء أكان الجازم لهما (ما) أم غيرها.

الفرق بين (ما) الشرطية و(ما) الموصولة

تختلف (ما) الشرطية عن (ما) الموصولة في أمرين رئيسيين:

1)     العمل: الشرطية تجزم فعلين (عاملة جازمة)، بينما الموصولة لا تجزم. وعليه، لا يلتبسان إذا ظهرت علامة الجزم (مثل: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ ﴾ [البقرة: 197]).

2)     الزمان: الفعل الماضي مع (ما) الشرطية يؤول إلى الاستقبال، بينما مع الموصولة يكون على أصله للزمن الماضي. ومع ذلك، فإن خروج الفعل الماضي إلى الاستقبال ليس مقتصراً على الشرط، بل هو أمر عام في العربية يقع حتى مع الموصولة؛ كقوله تعالى: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليْلِ وَالنَّهَارِ [الأنعام: 13]، وقوله: ﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثَى [ليل: 3] حيث يستمر الخلق إلى قيام الساعة.

ويحدث الالتباس بينهما إذا غابت علامة الجزم أو الإعراب الظاهرة؛ كقوله تعالى: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيئَةٍ فَمِن نفْسِكَ [النساء: 79].

يرى الزجاج أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الخلق، ومعنى الآية على العموم والشمول سواء أُعربت موصولة أم شرطية[3].

ذهب النحاس[4] ومكي[5] وابن الأنباري[6] إلى أنها موصولة؛ لأنها نزلت في شيء بعينه.

بينما استبعد العكبري ذلك؛ لأن الموصولية تخصص المصيب بالماضي، بينما المعنى على العموم والاستغراق لكل ما يصيب الإنسان[7].

وفي آية سورة النحل ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ [النحل: 53]، أجاز الفراء وجهي الشرط (بتقدير فعل شرط مضمر) والموصولية، ورجح آخرون الموصولية[8][9]. أما في آية الشورى ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30]، فقد قطع الزم [10][11][12][13][14][15][16] خشري بالشرطية عند وجود الفاء وبالموصولية بحذفها، وهو ما احتج به السهيلي وابن القيم في سورة الكافرون ﴿ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ [الكافرون: 4] بدلالتها على العموم[17][18].

دلالة الزمان في الشرط والصلة

الأسلوب الخبري هو الأصل في (ما) الموصولة، بينما الشرطية تكون في أسلوب شرطي. وإذا أراد العرب تقوية ربط الخبر بالمبتدأ، جعلوا العلاقة بينهما شرطية مجزومين أو مقترنين بالفاء (مثل: ﴿ قُلْ إِن الْمَوْتَ الذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ [الجمعة: 8])[21][22].

وقد أسهب ابن قيم الجوزية في الرد على النحاة الذين يوجبون كون الشرط مستقبلاً مطلقاً، مستشهداً بآيات ورد فيها الشرط ماضياً لفظاً ومعنى؛ مثل: ﴿ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [المائدة: 116]، وآيات القميص في سورة يوسف، رافضاً أي تحريف لكلام الله انتصاراً لقاعدة نحوية[19][20].

أمثلة وتطبيقات إعرابية من القرآن الكريم

في سورة آل عمران (الآية 81): ﴿ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ، قرأ الجمهور بفتح اللام وكسرها. عند الفتح تحتمل الشرطية (في محل نصب مفعول ثانٍ) أو الموصولية. ولما كان تقدير الضمير العائد في الجملة المعطوفة عسيراً ومستبعداً عند البصريين، رجح المحققون كونها (شرطية) لالتئامها مع سياق الميثاق[23][24].

في سورة التوبة (الآية 7): ﴿ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ، تُعرب (ما) شرطية ظرفية؛ أي: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم[25].

في سورة النساء (الآية 24): ﴿ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ، الوجه الظاهر أنها شرطية زمانية عائدة على جنس النساء، والضمائر تعود تارة على الجنس (مفرد مذكر غير عاقل) وتارة على أعيانهن وأشخاصهن (جمع مؤنث)، والتقدير: فأي جنس استمتعتم به من النساء فآتوهن أجورهن[26].

 

—————————–

[1] المبرد، المقتضب، ج 2، ص 52؛ الزبيدي، كتاب الواضح، ص 135؛ ابن يعيش، شرح المفصل، ج 4، ص 5؛ ابن آجروم، شذور الذهب، ص 334؛ الزركشي، البرهان، ج 4، ص 402.

[2] العكبري، البغداديات، ص 270؛ الرضي، شرح الرضي على الكافية، ج 4، ص 91-92.

[3] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 2، ص 79-80.

[4] النحاس، إعراب القرآن، ج 1، ص 436-437.

[5] مكي بن أبي طالب، مشكل إعراب القرآن، ج 1، ص 204.

[6] ابن الأنباري، البيان في غريب إعراب القرآن، ج 1، ص 261.

[7] العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 1، ص 374-375.

[8] الفراء، معاني القرآن, ج 1, ص 104-105.

[9] ابن الشجري، الأمالي الشجرية، ج 2، ص 236؛ العكبري، التبيان، ج 2، ص 798؛ ابن هشام، مغني اللبيب، ج 1، ص 302.

[10] ابن مجاهد، كتاب السبعة في القراءات، ص 581.

[11] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 4، ص 399.

[12] النحاس، إعراب القرآن، ج 3، ص 61-62.

[13] مكي، مشكل إعراب القرآن، ج 2، ص 646.

[14] ابن الأنباري، البيان، ج 2، ص 349.

[15] العكبري، التبيان، ج 2، ص 1133.

[16] الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 225.

[17] السهيلي، الروض الأنف، ج 3، ص 325-326.

[18] ابن قيم الجوزية، التفسير القيم، ص 527.

[19] ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، ج 1، ص 45-46.

[20] فاضل السامرائي، فعل الشرط، دلالته وزمنه، مجلة الضاد، ص 108-112.

[21] سيبويه، الكتاب، ج 3، ص 102.

[22] ابن هشام، مغني اللبيب، ج 1، ص 303.

[23] الفراء، معاني القرآن، ج 1، ص 225؛ ابن مجاهد، السبعة, ص 213.

[24] الأخفش، معاني القرآن، ج 1، ص 209؛ الطبري، جامع البيان، ج 6، ص 553؛ الزجاج، المعاني، ج 1، ص 436-437; ابن خالويه، الحجة, ص 112; ابن جني، سر صناعة الإعراب, ج 1، ص 399; النحاس، مشكل, ج 1، ص 165-166; ابن الأنباري، البيان, ج 1، ص 209-210.

[25] ابن المهبلي، نظم الفرائد وحصر الشرائد، ص 255.

[26] ابن هشام، مغني اللبيب، ج 1، ص 302.

 

ترك تعليق