(ما) الاستفهامية
(ما) الاستفهامية
1) الاستفهامية المفردة
لقد صلَحت كلٌّ من (ما) و(مَن) لمعنى الاستفهام بفضل ما تتسمان به من إبهام وعموم، في حين لم تَصلح له (الذي) لأنها وُضعت لتدل على معنى المعرفة. لذا، عُرِفت (ما) الاستفهامية لغوياً بأنها اسمٌ مبهمٌ مبني، وذلك لتضمُّنها معنى الحرف، وهو همزة الاستفهام. وقد جِيءَ بها لضرب من الاختصار، إذ تأتي بمعنى: أي شيء؟ ويعمل فيها ما بعدها من الأفعال، كما تقع في جميع المواقع التي تقع فيها الأسماء[1]، بيد أن لها الصدارة في الكلام، وتُعرب دائماً بحسب تقدير جوابها[2].
أنواع الاستفهام في العربية
ينقسم الاستفهام في أساليب اللغة العربية إلى نوعين رئيسيين، هما:
الاستفهام الحقيقي (وهو الأصل): هو عبارة عن سؤال عما لا نَعلَمه لنعلمه، وهو بالتالي يحتاج إلى جواب. وهذا النوع لا يَصِح صدوره من الله سبحانه وتعالى لعلمه المحيط بكل شيء، وما ورد منه في القرآن الكريم على لسان الأنبياء أو أقوامهم إنما جاء على سبيل الحكاية والإخبار؛ كقوله تعالى: ﴿ مَا هِيَ ﴾ [البقرة: 68]، وقوله: ﴿ مَا لَوْنُهَا ﴾ [البقرة: 69]، وهو سؤال بني إسرائيل لموسى عليه السلام عن شأن البقرة، وقوله تعالى: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي ﴾ [البقرة: 133].
الاستفهام المجازي: هو معنى ثانٍ خرج فيه الاستفهام عن معناه الأصلي الحقيقي ليؤدي غرضاً بلاغياً معيناً يقصده المتكلم. فلا يُراد به هنا الاستخبار عن شيء مجهول، بل يَرِد لمعانٍ بلاغية يُفهم منها، مثل:
◘ معنى النهي: كقوله تعالى: ﴿ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴾ [النازعات: 43]؛ أي: لا تَذكُرها، على أحد التأويلات[3].
◘ معنى الإنكار: كقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى ﴾ [طه: 83]، فهو استفهامٌ خرج على وجه الإنكار لتقدُّمه[4].
◘ معنى التوبيخ: كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2].
وقد ذكر الأزهري (ت 370هـ) أن الاستفهام باستعمال (ما) من الله يأتي على وجهين: للمؤمن يكون تقريراً، وللكافر يكون تقريعاً وتوبيخاً[5].
بينما يرى أبو حيان أن الاستفهام في الآية يكون للإنكار والتوبيخ إن كان الخطاب للمنافقين، وإن كان للمؤمنين فهو للتلطف في العتب[6]. في حين يرى الزركشي أن في الآية معنى النهي[7].
◘ معنى الاستبعاد: كقوله تعالى: ﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ ﴾ [المائدة: 84]، فهو استفهام أُريد به استبعادُ عدم إيمانهم مع قيام ما يوجب الإيمان.
◘ معنى التعجب: كقوله تعالى: ﴿ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ ﴾ [النمل: 20][8].
◘ معنى التعظيم: كقوله تعالى: ﴿ الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴾ [الحاقة: 1-3]. والمراد هنا تفخيمُ شأن يوم القيامة[9]. ولم يقل: “الحاقة ما هي؟”، بل وضَع الظاهر موضع المضمر ليكون أهولَ لها[10].
وفي هذا الاستفهام تجهيل لماهية (الحاقة) لدى المخاطب، والمراد منه التعظيم والتعجب[11].
(ما) الاستفهامية الدالة على النفي
في مواضع كثيرة، تحتمل (ما) الاستفهامية معنى النفي مجازاً؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [البقرة: 85][12]، وقوله تعالى: ﴿ ما نَبْغِي هَـذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ﴾ [يوسف: 65][13]، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ﴾ [الفرقان: 77][14]، وقوله تعالى: ﴿ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ [الشعراء: 207][15]، وقوله تعالى: ﴿ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ [القمر: 5][16]، وقوله تعالى: ﴿ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ﴾ [الحاقة: 28][17]، وغيرها من الآيات.
ومردّ هذا الاحتمال هو أن (ما) في هذه الآيات استفهامية في الأصل، ثم خرجت إلى معنى النفي مجازاً. ويوضح الدكتور أحمد بدوي أن التعبير عن معنى النفي بأسلوب الاستفهام يُعد أبلغ «من النفي ابتداءً»؛ لأن الاستفهام يحمل السامع المخاطب على الإقرار بالنفي بعد رويَّة وتفكير[18].
قواعد رسمها وإعرابها
حذف ألفها في حالة الجر: تُحذف ألف (ما) الاستفهامية في حالة الجر، ويكون هذا الحذف في اللفظ والخط معاً[19]، بينما ورد إثبات الألف في كلام العرب قليلاً[20]. وقد اختلفت الأقوال في علة الحذف، أشهرها أنها حُذفت للتفريق بين الاستفهام والخبر[21]. وقد أُخذ بهذه القاعدة في خط المصحف، فحُذفت من (ما) الاستفهامية المجرورة (نحو: ﴿ فِيمَ أَنتَ ﴾ [يونس: 55] [كذا وردت الإشارة في المصدر، والمقصود التحذير من اللبس])، بينما أُثبتت إذا وردت (ما) خبرية؛ كقوله تعالى: ﴿ فِيمَا أَخَذْتُمْ ﴾ [الأنفال: 68].
مجيؤها مع لام الجر: يذكر الفراء أنه كثُر في الكلام مجيء “ما” الاستفهامية مع لام الجر المتصلة بالضمير، حتى توهَّموا أنهما حرفٌ واحد[22]. وما ورد من (مال) مفصولاً فيها حرف الجر عن المجرور جاء في أربعة مواضع قرآنية: ﴿ فَمَالِ هَؤُلاء الْقَوْمِ ﴾ [نساء: 78]، ﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ ﴾ [الكهف: 49]، ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ ﴾ [الفرقان: 7]، و﴿ فَمَالِ الذِينَ كَفَرُوا ﴾ [المعارج: 36][23]. وفي هذه المواضع، تُعرب (ما) مبتدأً، واللام ومجرورها في محل رفع خبر، وتُعرب المنصوبات بعدها (مثل: مهطعين) حالاً، أو الجمل بعدها في محل نصب حال[24].
استعمالها للعاقل وغير العاقل: الأصل في (ما) أنها تُستعمل لغير العاقل، ولكنها قد ترد للعاقل إذا أُريد بها الاستفسار عن الحقيقة أو الجنس أو النوع؛ كقوله تعالى: ﴿ وَمَا الرَّحْمَنُ ﴾ [الفرقان: 60]، أو كقول فرعون ﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 23]، حيث أراد بسؤاله “أيّ شيء ربّ العالمين؟” أو “أي أجناس الأعلام هو؟” ولو أراد ذاته لقال “مَن”[25]. أما في قوله تعالى: ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ [التين: 7]، فقد ذهب الفراء والأخفش إلى عودتها على الإنسان، ورَدّ النحاس بأن المعنى هنا “أيّ شيء يحملك على التكذيب”[26]، وهو ما تبناه جمهور النحاة؛ إذ تعود على الشيء لا على الإنسان[27].
2. الاستفهامية المركبة (ماذا)
أجاز النحاة في إعراب (ماذا) خمسة أوجه رئيسية:
1) أن تكون (ماذا) اسم استفهام مكوّناً لكلمة واحدة.
2) أن تكون (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسماً موصولاً بمنزلة “الذي” في محل رفع خبر.
3) أن تكون (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم إشارة.
4) أن تكون (ماذا) جميعها بمعنى (الذي).
5) أن تكون (ماذا) جميعها بمنزلة (شيء)[28].
وقد رجّح بعض النحاة كونها كلمة واحدة مستدلين بإثبات ألفها عند جرها[29]، وذهب بعض المحدثين إلى أنها عنصر استفهام محض لا علاقة له بالاسمية[30].
إعرابها في القرآن الكريم
في القرآن الكريم، أجاز النحاة والمفسرين أن تكون (ماذا) بمنزلة اسم واحد، أو أن تكون (ما) اسم استفهام و(ذا) بمعنى (الذي)[31]؛ كقوله تعالى: ﴿ قُلِ انْظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [يونس: 101]، وقوله: ﴿ مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ [لقمان: 11]، أي: الشيء الذي خلقوه[32].
وقد فرّق الدكتور فاضل السامرائي بين “ما” و”ماذا”، مبيناً أن (ماذا) تُفيد التنصيص على الاستفهام فيما يحتمل الاستفهام وغيره[33]. وعلى الرغم من أن النحاة أجازوا كونها بمعنى “الذي”، إلا أن سياقاتها في القرآن تدل بوضوح على الاستفهام لتقوية معناه ورفع اللبس، كما في آيات الحشر واليونس.
وتأتي (ماذا) في الاستفهام الحقيقي والمجازي؛ كاستخدامها للستهزاء ﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 26]، أو التبكيت ﴿ أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النمل: 84]، أو النفي ﴿ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا ﴾ [فاطر: 40][34].
مطابقة الجواب للسؤال
ذهب سيبويه إلى أنه عند جعل (ماذا) اسماً واحداً، يكون الجواب منصوباً (لأن “ماذا” في محل نصب مفعول به)، وعند جعل “ذا” بمعنى “الذي” يكون الجواب مرفوعاً (لأن “ما” مبتدأ)[35].
ومثاله النصب في قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ خَيْرًا ﴾ [النحل: 30] لمطابقة حال المجيبين المقرين بالوحي.
ومثاله الرفع في قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَولِينَ ﴾ [النحل: 24]، حيث عدل الكافرون عن الجواب المباشر إلى الإنكار والاستهزاء برفع الجواب[36].
—————————
[1] الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص 727؛ ابن يعيش، شرح المفصل، ج 4، ص 5؛ ابن الحاجب، الأمالي النحوية، ج 3، ص 148-149؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج 2، ص 287. (مع الإشارة لشذوذ رأي المازني عند أبي حيان في تذكرة النحاة, ص 83).
[2] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج 4، ص 402.
[3] الرضي الأستراباذي، شرح الرضي على الكافية، ج 3، ص 50.
[4] الزمخشري، الكشاف، ج 3، ص 80؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج 2، ص 352.
[5] الأزهري، تهذيب اللغة، ج 15، ص 627.
[6] أبو حيان، البحر المحيط، ج 8، ص 261.
[7] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج 2، ص 314.
[8] الصبان، حاشية الصبان على الأشموني، ج 3، ص 17.
[9] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 5، ص 213؛ ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة، ص 171.
[10] الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 598.
[11] النحاس، مشكل إعراب القرآن، ج 2، ص 753.
[12] الزجاج (م在سوباً)، إعراب القرآن، ج 3، ص 919.
[13] الفراء، معاني القرآن، ج 2، ص 49.
[14] السيوطي، معترك الأقران في إعجاز القرآن، ج 2، ص 367.
[15] السيوطي، البيان في غريب إعراب القرآن، ج 2, ص 217.
[16] الفراء، معاني القرآن، ج 3، ص 105.
[17] ابن خالويه، إعراب ثلاثين سورة، ص 222.
[18] أحمد بدوي، من بلاغة القرآن، ص 163.
[19] سيبويه، الكتاب، ج 4، ص 164-165.
[20] السيوطي، شرح شواهد المغني، ص 709.
[21] الفراء، معاني القرآن، ج 2، ص 292.
[22] الفراء، معاني القرآن، ج 1، ص 278.
[23] ابن الباذش، الإقناع من كتب القراءات، ج 1، ص 526.
[24] النحاس، مشكل إعراب القرآن، ج 1، ص 235، ج 2، ص 716، 759.
[25] الزمخشري، الكشاف، ج 3، ص 307.
[26] النحاس، إعراب القرآن، ج 3، ص 736.
[27] الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 774.
[28] سيبويه، الكتاب، ج 2، ص 416-418؛ ابن هشام، مغني اللبيب، ج 1، ص 301-302.
[29] الرضي، شرح الرضي على الكافية، ج 4، ص 51.
[30] المخزومي، النحو العربي: نقد وتوجيه، ص 271.
[31] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 1، ص 105.
[32] أبو حيان، البحر المحيط، ج 7، ص 185.
[33] فاضل السامرائي، معاني النحو، ج 4، ص 637.
[34] النسفي، مدارك التنزيل، ج 1، ص 36.
[35] سيبويه، الكتاب، ج 2، ص 416-418.
[36] الكرماني، أسرار التكرار، ص 122.
