النكرة التامة (التعجبية)

النكرة التامة (التعجبية)

وردت (ما) التعجبية في القرآن الكريم بصيغة (ما أفعله) في موضعين أساسيين هما:

قوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [البقرة: 175].

قوله تعالى: ﴿ قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس: 17].

وجاءت قراءة سعيد بن جبير الشاذة (ما أَغَرَّكَ بِرَبِّكَ) بدلاً من القراءة المجمع عليها ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ [الانفطار: 6] لتؤكد هذا الملمح الأسلوبي[1].

مفهوم التعجب وتوجيهه في النص القرآني

عُرِف التعجب لغةً بأنه استعظام زيادة في وصف الفاعل، ويكون فيما خَفِيَ سببُه، و«إذا ظهر السبب بطل العجب»[2]. ولما كان التعجب بالمعنى المباشر مستحيلاً في حق الله عز وجل – إذ لا يخفى عليه شيء – فإن ما ورد في القرآن منسوباً إليه تعالى يُصرف إلى المخاطَبين؛ فالمعنى في آية البقرة هو تعجيب المؤمنين من جرأة الكفار، وفي آية عبس هو بيان استحقاق الإنسان للتعجب من فرط كفره[3].

المذاهب النحوية في إعراب صيغة (ما أفعله)

توزعت آراء النحاة حول إعراب صيغة (ما أحسنَ عبدَ الله) على ثلاثة مذاهب رئيسية:

 إعراب صيغة (ما أفعله)

مذهب الأخفش (الثاني):

• نكرة تامة مبتدأ.      

• فعل وفاعل مستتر.    

• مفعول به.    

مذهب الأخفش (الأول)       

(ما): موصول بمعنى (الذي).  

• الفعل بعدها صلة الموصول.

• الخبر محذوف تقديره عظيم.  

مذهب سيبويه والجمهور:

(ما): نكرة موصوفة: (ما)  

• الجملة الفعلية في محل: (أحسن)

• رفع صفة للنكرة: (عبد الله)

مذهب سيبويه وجمهور النحاة[4]:

 إعراب (ما) نكرة تامة بغير صفة ولا صلة في محل رفع مبتدأ. وإعراب (أحسن) فعلاً ماضياً وفاعله مستتر يعود على (ما)، وما بعدهما في محل رفع خبر المبتدأ. والتقدير: شيء أحسن عبد الله. وقد رجّح الجمهور هذا المذهب؛ لأن التعجب يقوم على “الإبهام”، والموصولية أو الوصف تُزيل هذا الإبهام[6].

مذهب الأخفش (الموصولة)[5]:

 إعراب (ما) اسماً موصولاً بمعنى (الذي)، والجملة الفعلية صلتها، والخبر محذوف تقديره (شيء عظيم).

مذهب الأخفش (الموصوفة)[5]:

إعراب (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها في محل رفع صفة أو نعت. ويرى بعض المعاصرين أن هذا المذهب أقرب للقواعد لتكرار حذف الخبر في العربية[8].

الخلاف حول دلالة الصيغة: “التعجب” أم “الاستفهام”؟

ظهرت مدرستان في تفسير المعنى الدلالي لهذه الصيغة في القرآن الكريم:

1)   مدرسة التعظيم والإثبات (الجمهور):

يرون أن الصيغة تدل على بلوغ الصفة الغاية القصوى في التعظيم والفظاعة؛ فالمعنى: يا لهم من صابرين شديدي الصبر (عظُم صبرهم)، وليس استفهاماً[46][47].

2)   مدرسة الاستفهام والإنكار (الفراء والكوفيون):

جوّز الفراء وتبعهم الكوفيون أن تكون (ما) استفهامية مشوبة بالتعجب؛ بتقدير: ما الذي صبّرهم؟ أو ما الذي أكفره؟ أي إنكار السبب الحامل لهم على ذلك، ويكون الإنكار موجهاً لعدم وجود ما يدعو للكفر مع وضوح آيات التوحيد[9][10]. وذهب أبو عبيدة إلى جزمها بالاستفهام التقريري التوبيخي نافياً لكونها تعجباً[15][17].

الإشكال النحوي في “نصب الفاعل”

وقع النحاة في إشكال إعرابي بسبب اعتبار المنصوب في (ما أفعله) (مثل: ما أعظمَ اللهَ) مفعولاً به، مما اضطرهم لتقدير “الجعل” أو “التصيير” (أي: شيء جعل الله عظيماً)[23][25]. وقد رد البصريون على الكوفيين بأن التقدير محمول على الوصف بالتعظيم وليس تنقيصاً من ذات الله المقدسة[25][26].

ويرى باحثون معاصرون أن التكلف في هذا التقدير يقتضي العدول عنه، واعتبار (ما) أداة محضة لإنشاء التعجب، وأن المنصوب في الحقيقة هو الفاعل في المعنى والأصل[30][34]. وقد شُبِّهت هذه الصيغة بأساليب “الصفة المقطوعة” التي تتغير فيها الحركة لمخالفة المتبوع بقصد المبالغة والمدح أو الذم[40].

 

————————————–

[1] ابن جني، المحتسب، ج 2، ص 353-354؛ الزركشي، البرهان، ج 4، ص 404؛ السيوطي، الإتقان، ج 2، ص 288.

[2] ابن الخشاب، المرتجل، ص 145-146؛ ابن الخباز، الغرّة المخفية، ج 2، ص 466.

[3] العكبري، البغداديات، ص 353؛ النحاس، مشكل إعراب القرآن، ج 1، ص 117، ج 2، ص 801-802؛ ابن يعيش، شرح المفصل، ج 4، ص 5.

[4] سيبويه، الكتاب، ج 1، ص 37، 72؛ ابن السراج، الأصول في النحو، ج 1، ص 115؛ ابن يعيش، شرح المفصل، ج 7، ص 146.

[5] ابن الشجري، الأمالي الشجرية، ج 2، ص 237؛ ابن هشام، مغني اللبيب، ج 1, ص 297؛ الأشموني، حاشية الصبان، ج 3، ص 17-18.

[6] عبد القاهر الجرجاني، المقتصد، ج 1، ص 375؛ ابن إياز، قواعد المطارحة، ص 216.

[7] ابن مالك، شرح الكافية الشافية، ج 2، ص 1080-1081.

[8] عفيف دمشقية، خطى متعثرة على طريق تجديد النحو العربي، ص 18-20.

[9] الفراء، معاني القرآن، ج 1، ص 103، ج 3، ص 237.

[10] الصبان، حاشية الصبان على شرح الأشموني، ج 3، ص 17.

[11] الأخفش، معاني القرآن، ج 1، ص 155-156، ج 2، ص 528.

[12] الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 332-333، ج 3، ص 54.

[13] النحاس، إعراب القرآن، ج 3، ص 628.

[14] الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 216، ج 4، ص 734؛ أبو حيان، البحر المحيط، ج 1، ص 495.

[15] أبو عبيدة، مجاز القرآن، ج 1، ص 64.

[16] ألا: أصلها: أن لا، أُدغمت النون باللام لفظًا ورسمًا.

[17] المبرد، المقتضب، ج 4، ص 183.

[18] الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج 1، ص 272-273، ج 2، ص 91.

[19] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 36.

[20] أبو حيان، البحر المحيط، ج 1، ص 495.

[21] ابن الجوزي، زاد المسير، ج 1، ص 177؛ الشوكاني، فتح القدير، ج 1، ص 171.

[22] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 1، ص 245، ج 5، ص 284-285.

[23] ابن شقير، المحلى: وجوه النصب، ص 20; السيوطي، الأشباه والنظائر، ج 4، ص 107.

[24] الصبان، حاشية الصبان، ج 3، ص 16.

[25] المبرد، المقتضب، ج 4، ص 176; الزجاجي، مجالس العلماء، ص 125-126.

[26] ابن الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف، ج 1، ص 146-147.

[27] حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، ج 2، ص 39.

[28] الزجاجي، كتاب الجمل, ص 112; ابن الأنباري، أسرار العربية, ص 51; ابن هشام، أوضح المسالك, ج 2، ص 272.

[29] إبراهيم السامرائي، الفعل زمانه وأبنيته, ص 73; محيي الدين توفيق إبراهيم، التعجب بين البصريين والكوفيين، مجلة آداب الرافدين، ص 3-9.

[30] عباس حسن، معاني النحو, ج 4، ص 653.

[31] الزجاجي، كتاب الجمل, ص 113.

[32] الصبان، حاشية الصبان, ج 3، ص 13; الخضري، الحاشية, ج 2، ص 39.

[33] ابن السراج، الأصول في النحو, ج 1، ص 118-119.

[34] عباس حسن، النحو الوافي, ج 3، ص 276-277.

[35] الرضي، شرح الرضي على الكافية, ج 4، ص 227.

[36] أبو حيان، تذكرة النحاة, ص 466.

[37] المزني، الحروف, ص 44.

[38] السجستاني، فعلت وأفعلت, ص 94.

[39] ابن عقيل، شرح ابن عقيل, ج 1، ص 535.

[40] المصدر نفسه، ج 1، ص 255.

[41] مجلة المورد، المجلد الرابع، العدد الثاني، ص 114.

[42] ابن شقير، المحلى: وجوه النصب, ص 20.

[43] الزمخشري، الكشاف, ج 4، ص 715; ابن كثير، تفسير القرآن العظيم, ج 4، ص 471.

[44] ابن الأنباري، أسرار العربية, ص 115.

[45] السجستاني، فعلت وأفعلت, الحاشية، ص 61.

[46] ابن الأنباري، أسرار العربية, ص 117.

[47] عباس حسن، معاني النحو, ج 4، ص 662.

*****************************

ترك تعليق