حذف (ما) المعطوفة

حذف (ما) المعطوفة

وردت «ما» الموصولة معطوفة على (ما) قبلها في القرآن الكريم في صيغ متعددة، وتكون صلتها إما جملة فعلية ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا[سبأ: 2])، أو منفية، أو شبه جملة ظرفية، أو جاراً ومجروراً.

وقد لُوحظ أن (ما) المعطوفة التي صلتها جار ومجرور قد تُحذف أحياناً وتُذكر أحياناً أخرى؛ كحذفها في قوله تعالى: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [لقمان: 26] مقابل إثباتها في قوله: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [طه: 6].

توجيهات العلماء لسرِّ الحذف والإثبات

تباينت آراء المفسرين والنحاة في استنباط العلة البلاغية والبيانية وراء تكرار (ما) أو حذفها في آيات التسبيح والملك:

رأي الإسكافي: يرى في قوله تعالى: ﴿ أَلا إِن لِلهِ مَا فِي Sَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [يونس: 55] أن (ما) لم تُكرَّر لعدم وجود مقتضى التوكيد، بعكس تكرارها في ﴿ لَهُ مَا فِي Sَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ [يونس: 68] حيث أُكدت لإقامة الحجة على الكفار في اتخاذ الولد.

رأي الكرماني: ذهب إلى أن تكرارها في آيات مثل ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي Sَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الجمعة: 1] يرجع إلى اختلاف تسبيح أهل السماء عن أهل الأرض في الكثرة والقلة. ورُدّ هذا بأنها حُذفت في مواضع أخرى كافتتاحية سورة الحديد والحشر رغم شمول التسبيح.

رأي الدكتور فاضل السامرائي: يرى أن (ما) تُكرَّر عندما يُراد التخصيص بذكر أهل الأرض بأمر من الأمور، وتُحذف عندما تقع في أواخر السور. لكن هذه العلة لا تطّرد في جميع الآيات، كبقاء (ما) في ختام سورة الشورى ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ .

دلالة السياق: الجمع والتوحيد مقابل التفصيل والإحاطة

بالتأمل الدقيق لأساليب القرآن الكريم، يتضح أن حذف (ما) المعطوفة أو إثباتها يخضع لسياق السورة ومقامها البياني:

1) سياق الإحاطة والشمول (إثبات “ما”):

 تُذكر (ما) المعطوفة (أي يُؤتى بالأداة الثانية) إذا كانت الآية في مقام التفصيل وإثبات الإحاطة المطلقة لعلوم الله وقدرته في كلّ مكوّن على حدة؛ ليشمل الوجود بأسره؛ كآيات سورة المجادلة وسبأ وآل عمران. ومثله قوله تعالى: ﴿ وَقُولُوا آمَنَّا بِالذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ [العنكبوت: 46] حيث أُعيد الموصول لأن المنزل على الفريقين مختلف ذواتاً.

2) سياق الضمّ والتوحيد (حذف “ما”):

تُحذف (ما) المعطوفة (ويكتفى بـ “السماوات والأرض” معطوفين تحت مظلة موصول واحد) إذا كان السياق سياق توحيد وجمع واندماج؛ كافتتاحيات السور (الحديد والحشر). فجمع أهل الأرض مع أهل السماء تحت (ما) واحدة يشير إلى التسبيح الشامل الموحد الذي لا يفصل بين العوالم، وتتساوى فيه الخلائق أمام عظمة “الأول والآخر والظاهر والباطن”.

3) مقام التعظيم والتنزيه (حذف “ما”):

في آية سورة النساء ﴿ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النساء: 170] خوطب الناس كافة، فحُذفت (ما) الثانية استغناءً عنهم بجنوده وملائكته من أهل السماوات، ليتناسب الحذف مع مقام الغِنى المطلق لله عز وجل.

المذهب النحوي في تقدير المعطوف

أجاز البصريون – ومنهم مكي – حذف (ما) المعطوفة في نحو ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي Sَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ على تقدير أنها نكرة موصوفة (تقديرها: وما في الأرض) تقوم الصفة (في الأرض) مقام الموصوف المحذوف، نظراً لأن الموصول الاسمي لا يُحذف وتبقى صلته.

بينما يرى المحققون أن تقدير (ما) الموصولة بمعنى (الذي) الجنسية هو الأقرب لروح النص القرآني؛ إذ يستقيم المعنى في إثبات ملك الله المحيط لكل شيء في السماوات والأرض دون تجزئة المعبودات أو تنكيرها.

ترك تعليق