حذف (ما) غير المعطوفة

حذف (ما) غير المعطوفة

ذهب الفراءُ إلى وجود «ما» محذوفة مقدرة في مواضع قرآنية عدة، مستشهداً بقراءات وتوجيهات لغوية؛ منها:

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام: 94]؛ ويُعضد الحذف عنده قراءةُ ابن مسعود رضي الله عنه: (لقد تقطع ما بينكم)[1].

قوله تعالى: ﴿ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [Khaf: 78]؛ عند نصب (بينك)، بتقدير: (هذا فراق ما بيني وبينك)[1].

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا [الإنسان: 20]؛ بتقدير: (وإذا رأيت ما ثم رأيت نعيمًا)[1].

وقد أشار ابن فارس[2] والزركشي[3] إلى هذا الحذف، في حين ردّ عليه الأخفش[4]، والزجاج[5]، والنحاس[6]، والزمخشري[7]، وغيرهم[8] بأن إسقاط الموصول وترك صلته غير جائز؛ لأنهما بمنزلة الاسم الواحد. وقد وجّه مكي النصب في (بينكم) بكونه مرفوعاً في المعنى على أنه فاعل لـ (تقطع)، وتُرك على لفظه بالنصب لأنه جرى مجرى المثل الملازم لحالته، ونُسب هذا التوجيه للأخفش[9]. وبمثل ذلك قال ابن السيد البطليوسي[10] والطبرسي[11]، ونقله أبو حيان مبيناً أن ملازمته للنصب جاءت لجريه مجرى المثل[12].

ويُجيز البصريون إضمار (ما) في (تقطّع) و(رأيت) على أن تكون نكرة موصوفة بمنزلة (شيء) لا موصولة؛ لأنهم يجيزون حذف الموصوف ولا يجيزون حذف الموصول الذي يتجوزه الكوفيون[13]. غير أن هذا التقدير (بمنزلة شيء) يُخل بالمقصود البلاغي؛ إذ المراد في آية الأنعام استيعاب كل ما بينهما لا مجرد “شيء” واحد، والمراد في آية الإنسان رؤية النعيم أينما وقع البصر وليس شيئاً بعينه.

لذا؛ يترجح في مثل هذه الآيات عدم إضمار (ما) والاكتفاء بعموم دلالة الفعل؛ وهو ما ذهب إليه الطبري في إنكار إضمارها في آية سورة الإنسان لكون الرؤية هنا غير متعدية[14]. وهو ما ذهب إليه الزمخشري[15] وأبو السعود[16]؛ إذ الفعل لا مفعول له ملفوظ ولا مقدر، بل المعنى على اتساع بصرك في الجنة ورؤيتك للملك والنعيم المطلق[16][17]. وكذلك الحال في فاعل (تقطع)[17].

بينما تكلّف بعضهم في توجيه قوله تعالى: ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: 3] بجعل (ما) نافية وتقدير موصول محذوف (والذي ما ولد) وهو تقدير مرجوح[18].

تطبيقات الإضمار والإطلاق في القرآن الكريم

يَرد تقدير حذف (ما) الموصولة لإرادة معنى المفعولية العامة في آيات تتطلب اتساعاً وشمولاً في المعنى؛ من أمثلتها:

﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة: 102]؛ أي يفرقون به ما بين المرء وزوجه من صلات.

﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: 89]؛ أي افتح ما بيننا وما بين قومنا.

﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء: 110]؛ أي الشيء الذي بين الجهر والخفوت.

﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ [الكهف: 93]؛ و﴿ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف: 96]؛ أي ما بين السدين / الشيء الذي بينهما.

﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: 10]؛ أي ما بينهما من علاقات وأخوة.

﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المعارج: 31]؛ أي ما وراء ذلك من أنكحة محرمة.

في المقابل، قد تُحذف (ما) ولا تُضمر إرادةً لمعنى الفعل وإطلاقاً للعموم والمبالغة؛ كقوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا منَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء: 1]؛ حيث حُذفت (ما) فلم يُقل (فيما حوله) للمبالغة في تعميم البركة حول المسجد الأقصى.

ويُعد الحذف في هذه المواضع – مع نية إضمارها – ضرباً من الإيجاز البليغ الذي يتفوق على الذكر إذا كان لا يُخل بالمعنى، حيث يُصار إلى ذكر (ما) فقط عند توجيه الاهتمام الخاص لمعناها وتأكيده في السِّياق.

 

——————————

[1] الفراء، معاني القرآن، ج 1، ص 345، ج 2، ص 156، ج 3، ص 218.

[2] ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة، ص 172.

[3] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج 4، ص 405.

[4] الأخفش، معاني القرآن، ج 2، ص 521.

[5] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 2، ص 273، ج 5، ص 261.

[6] النحاس، إعراب القرآن، ج 3، ص 589.

[7] الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 673.

[8] النحاس، مشكل إعراب القرآن، ج 2، ص 785-786؛ أبو حيان، تذكرة النحاة، ص 478.

[9] النحاس، مشكل إعراب القرآن، ج 1، ص 262-263.

[10] البطليوسي، الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، ج 1، ص 63.

[11] الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج 4، ص 326.

[12] أبو حيان، تذكرة النحاة، ص 386-387.

[13] العكبري، البيان في غريب إعراب القرآن، ج 1، ص 332.

[14] الطبري، جامع البيان، ج 29، ص 221.

[15] الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 673.

[16] أبو السعود، إرشاد العقل السليم, ج 9، ص 74.

[17] الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 673.

[18] أبو حيان، البحر المحيط، ج 8، ص 475.

 

ترك تعليق