النكرة الناقصة الموصوفة: أمثلة النكرة الموصوفة في القرآن الكريم

النكرة الناقصة الموصوفة: أمثلة النكرة الموصوفة في القرآن الكريم

فرَّق النحاة بين (ما) الموصولة و(ما) الموصوفة من حيث التسمية والموقع الإعرابي؛ ففي الأولى تُعد الجملة التي تليها صلة لا محل لها من الإعراب، وفي الثانية تُعد صفة لها محل من الإعراب[1].

ويرى النحاة أن (ما) تُستعمل في الكلام لوصف ما هو مُبهم عام، ولأن موصوفها الواجب حذفه غير محدَّد، جاز في الذهن تقديره بالنكرة أو بالمعرفة. فإذا قُدّر بالنكرة صارت (ما) نكرة موصوفة، وإذا قُدّر بالمعرفة صارت موصولة. ومع ذلك، أنكر بعض النحاة وقوع (ما) نكرة موصوفة؛ لكون (ما) وصلتها يُعدان كالاسم الواحد الذي لا يجوز الفصل بينهما[2].

(ما) مع «نعم» و«بئس»

يجمع النحاة والمفسرون على جواز مجيء (ما) نكرة موصوفة بمنزلة (شيء) في مواضع، منها اتصالها بـ (نعم) و(بئس)؛ حيث نُسب للكسائي إضمار (ما) لتقدير (بئسما ما صنعت) كتقدير (بئس الرجل عبد الله). وذهب الفراء إلى كونهما كلمة واحدة، بينما شاع بين النحاة جعلها نكرة موصوفة منصوبة على التمييز (بتقدير: بئس شيئاً)، أو معرفة بمنزلة (الشيء)[3][4].

غير أن أغلب النحاة يمنعون كون (ما) فاعلاً لـ (نعم) و(بئس) لكونهما معرفة، بينما يرى آخرون أن فاعلهما يجب أن يكون جنساً[5]. ومنهم من أجاز كون (ما) فاعلاً لـ (بئس) أو (نعم) بجعلها بمنزلة (الذي) الجنسية في آيات مثل: ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ [البقرة: 90]، و﴿ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء: 58]؛ حيث تتعين الموصولية هنا لعود الضمير في صلتها عليها[7]. أما عند حذف العائد، فيجوز إعرابها مصدرية مع تقدير المخصوص من السياق كما في قوله تعالى: ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [المائدة: 62][8].

إشكالية “النكرة الموصوفة” في السياق القرآني

كثيراً ما يُنسب القول بالنكرة الموصوفة إلى (ما) في آيات قرانية، وهو ما يردّ عليه المحققون لضعف المعنى مقارنةً بالموصولية التي تفيد العموم.

 من ذلك:

قوله تعالى: ﴿ حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: 43]؛ قُدّرت بنكرة موصوفة (شيئاً تقولونه)، ورُدّ بأن المراد العموم في كل ما يُتلى، لا شيئاً واحداً[8].

قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ [النساء: 81]؛ رُدّ تقدير (شيئاً يبيتونه) لكون المراد استيعاب كل ما يبيّتونه لا آحاداً منه[9].

قوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ [يس: 57]؛ قُدّرت بنكرة موصوفة، وهو غير مناسب لمقام الإكرام، فالمراد العموم المطلق[9].

وقد منع أبو حيان والعكبري اعتبار (ما) نكرة موصوفة في آيات مثل: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة: 3]، و﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: 4]، و﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ [البقرة: 27]؛ لضعف المعنى بعد عموم المرزوق أو المُنزَل، فالموصولية هي المحققة للعموم وللذم البليغ[10][11][12][13].

بينما نجد مواضع استقر فيها التفسير على العموم العام، كقوله تعالى: ﴿ هَذَا مَا لَدَي عَتِيدٌ [ق: 23]؛ حيث قيل إنها نكرة بمنزلة (شيء)، ولكن الحق أنها نكرة عامة تفيد استحضار كل ما وُكِّل بإحضاره دون زيادة أو نقصان[14][15].

 

————————–

[1] البغداديات، ص 261؛ ابن يعيش، شرح المفصل، ج 4، ص 302؛ الرضي، شرح الكافية، ج 3، ص 8.

[2] ابن الحاجب، الأمالي النحوية، ص 318؛ ابن هشام، همع الهوامع، ج 1، ص 316.

[3] الفراء، معاني القرآن، ج 1، ص 56-58؛ النحاس، إعراب القرآن، ج 1، ص 197-198؛ مشكل إعراب القرآن، ج 1، ص 104؛ الحلل في إصلاح الخلل، ص 351.

[4] سيبويه، الكتاب، ج 3، ص 155-156؛ الأخفش، معاني القرآن، ج 1، ص 37، 139؛ الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 1، ص 172؛ البغداديات، ص 252-253؛ مشكل إعراب القرآن، ج 1، ص 141؛ الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 523؛ الإسفراييني، لباب الإعراب، ص 96؛ الزركشي، البرهان، ج 4، ص 408.

[5] الحلل، ص 352؛ العكبري، البيان في غريب القرآن، ج 1، ص 177-178؛ ابن يعيش، شرح جمل الزجاجي، ج 1، ص 600.

[6] ابن الأثير الحلبي، جوهر الكنز، ص 288.

[7] ابن سيده، الكشف، ج 1، ص 57؛ ابن الحاجب، الإيضاح في شرح المفصل، ج 2، ص 101؛ العكبري، البيان، ج 1، ص 91، 302؛ المرادي، الجنى الداني، ص 336-337.

[8] العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 1، ص 361، 375.

[9] النحاس، مشكل إعراب القرآن، ج 2، ص 607؛ العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 2، ص 1085.

[10] أبو حيان، البحر المحيط، ج 1، ص 41.

[11] العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 1، ص 19.

[12] المصدر نفسه، ج 1، ص 44.

[13] أبو حيان، البحر المحيط، ج 1، ص 128؛ عبد الخالق عضيمة، دراسات لأسلوب القرآن، ج 3، ص 17.

[14] الأخفش، معاني القرآن، ج 1، ص 36.

[15] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 225.

 

ترك تعليق