(ما) ومعنى الشيء
(ما) ومعنى الشيء
أرجع النحاة والمفسرون استخدام «ما» في بعض المواضع إلى البارئ عز وجل، كما في شواهد العرب كقولهم: “سبحان ما سخركن لنا”، و*”سبحان ما سبح الرعد بحمده”*. وينسحب الأمر على آيات الذكر الحكيم؛ كقوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ [الشمس: 5]، و﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾ [الليل: 3]، و﴿ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ [الكافرون: 3].
بيدَ أن الموجهين والمفسرين قدّروها تارةً بمنزلة (الذي)، وتارةً بمنزلة (مَن)، دون تفريق معنوي بينهما[1].
ففي قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ يذكر الزجاج أن لـ (ما) معنى (مَن) التقديرية (والسماء والذي بناها)[2]. بينما رجّح الطوسي[3]، والزمخشري[4]، وأبو السعود[5] عودتها على الله استئناساً بقراءة ابن مسعود (والذي خلق).
ولأن (الذي) تحتمل العاقل وغير العاقل بخلاف (مَن) المختصة بالعاقل، فقد فصّل مكي وأبو البركات بن الأنباري في توجيه (ما) في آيتي (السماء وما بناها) و(خلق الذكر والأنثى) لثلاثة أوجه:
1) مصدرية: (والسماء وبنائها، وخلقه الذكر والأنثى).
2) بمنزلة (مَن): (والسماء ومَن بناها، ومَن خلق…).
3) بمنزلة (الذي): (والسماء والذي بناها…) وهو ما ينطبق على آية سورة الكافرون[6].
وقد فرّق العكبري بين الوجهين الثاني والثالث في آية سورة النساء ﴿ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ [النساء: 24]، فجعل كونها بمنزلة (مَن) عائداً على النساء المحللات، وكونها بمنزلة (الذي) عائداً على تحصيل الفعل غير المحرّم[7].
عود (ما) على (الشيء) ومبهمات المعاني
يُثبت المحققون عود (ما) على مسمى “الشيء” من خلال عدة اعتبارات وتفسيرات:
1) في قوله تعالى ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ [ص: 75]: يوضح السهيلي أن مجيئها للعاقل جاء لأن الله لم يأمر إبليس بالسجود لذات آدم، بل لـ “شيء” خلقه الله تعظيماً للخالق، فيكون امتناع السجود تكبّراً على الله لا على آدم[8].
2) في سورة الكافرون ﴿ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾: يبيّن الزركشي أن استخدام (ما) دون (مَن) كان بسبب جهل الكفار بالمعبود، ولحسدهم النبي وكراهيتهم لاتباعه، بتقدير (أي شيء كان أعبده)، وهو إبهام لا يؤديه إلا لفظ (ما)[9].
3) لإبهام الآدميين: يرى المبرد جواز وقوع (ما) على الآدميين نظراً لإبهامهم، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾ [آل عمران: 35][10][11].
4) إبهام الذات الإلهية: يذهب ابن يعيش[12] وابن الحاجب[13] إلى إطلاق (ما) على البارئ عز وجل (في الشواهد وآية الكافرون) لأن ذات الله مبهمة غير معلومة الحقيقة. فالعرب تستخدم (ما) للشيء المبهم – كقولك لشبح بعيد: (ما ذاك؟) أي أي شيء ذاك؟ – فإذا تبين لك أنه إنسان قلت: (مَن ذاك؟)[13].
5) للتعظيم: يرى الزمخشري أن (ما) في ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ [البلد: 3] تنزّل منزلة (مَن) لإرادة التعظيم، ومثلها ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ [آل عمران: 36] أي أي شيء وضعت، مبيناً أنها لموضوع عظيم الشأن[14].
6) دلالة التعجب والجلالة: يؤكد السهيلي في آية الكافرون أن من جلّت عظمته وعجزت الأفهام عن كنه ذاته يُقال فيه (هو ما هو). فكأن المعنى (شيء بناها لعظيم، وما أعظمه من شيء)، لتؤذن بالتعجب من عظمة الفاعل[15].
وعليه؛ فإن إطلاق (ما) في أساليب التعظيم على البارئ لا ينبع من دلالة الأداة بحد ذاتها، بل من مقتضى الحال والواقع الذي يحصر هذا المعنى العام المطلق في العليم القدير. ومن ذلك قولهم في سورة يوسف: ﴿ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ بتقدير (إلا نفساً رحمها الله)[16].
الشمول: الجمع بين العاقل وغير العاقل
تُعد (ما) اسماً عاماً يقع على كل شيء، وقد شاع توهم اختصاصها بغير العاقل لمجيء (مَن) مختصة بالعاقل. ولهذا تُطلق (ما) على معنيين: الأول لغير العاقل (لعدم وجود أداة تخصه)، والثاني لكل جمع ضم جنس العقلاء وغير العقلاء.
من أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98]؛ حيث يذكر الزركشي أن (ما) استُعملت للعاقل لاختلاطه بغير العاقل[17]، قبل استثناء الأنبياء والملائكة في الآية اللاحقة. وتتميز (ما) في هذه السياقات بأنها تعود على الجنسين معاً دون تغليب، بعكس (مَن) التي إذا دخلت على غير العاقل لاختلاطه بالعاقل، فإنها تعود عليه على سبيل التغليب؛ كقوله تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي سَمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ [يونس: 66].
———————————-
[1] أبو عبيدة، مجاز القرآن، ج 1, ص 241، ج 2, ص 306.
[2] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 5, ص 332.
[3] الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج 10, ص 363.
[4] الزمخشري، الكشاف، ج 4, ص 761.
[5] أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج 9, ص 166.
[6] مكي القيسي، مشكل إعراب القرآن، ج 2, ص 822؛ العكبري، البيان في غريب إعراب القرآن، ج 2, ص 516، 518.
[7] العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 1, ص 346-347.
[8] السهيلي، الروض الأُنف، ج 3, ص 323-325؛ ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، ج 1, ص 132.
[9] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج 4, ص 400؛ ابن قيم الجوزية، التفسير القيم، ص 525-526.
[10] المبرد، المقتضب، ج 1, ص 42.
[11] العكبري، البيان في غريب إعراب القرآن، ج 1, ص 200؛ السلسيلي، شفاء العليل في إيضاح التسهيل، ج 1, ص 240.
[12] ابن يعيش، شرح المفصل، ج 4, ص 5.
[13] ابن الحاجب، الأمالي النحوية، ص 315-316.
[14] الزمخشري، الكشاف، ج 4, ص 754؛ الرازي، مفاتيح الغيب، ج 31, ص 180؛ ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، ج 4, ص 200.
[15] السهيلي، الروض الأُنف، ج 3, ص 323-325.
[16] الزمخشري، الكشاف، ج 2, ص 480-481.
[17] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج 4, ص 399.
