(ما) ومعنى الجنس
(ما) ومعنى الجنس
تبيَّن مما تقدَّم ذكره أن النحاة والمفسرين استندوا في توجيه مجيء «ما» للعاقل في آيات الذكر الحكيم إلى أصلين: الأول هو أن (ما) وُضعت لذات ما لا يعقل، ولصفة من يعقل، والثاني أن (من) وُضعت لذات العاقل[1].
غير أن المتأمل في لسان العرب يلحظ أنهم إذا أرادوا التعبير عن صفة الموصوف، استعملوا (ما) و(من)، فجعلوا الأولى لغير العاقل أو للعموم، وخصّوا الثانية بالعاقل. أما إذا أرادوا التعبير عن ذات الموصوف – عاقلاً كان أم غير عاقل – فلجؤوا إلى (الذي) وفروعها المبدوءة بـ (أل)؛ إذ إن التعبير عن الذات يقتضي تعيينها في الكلام، إما عهدًا وإما جنسًا، ظاهرةً كانت أم مقدرة.
وعلى النقيض من ذلك تقف (ما)؛ فلما لم يُرد بوضعها التعبير عن “الذات” بل عن “صفتها”، اقتضى ذلك عدم تعيين تلك الذات، فتعيَّن حذف الموصوف، ولَزِم إعمام الصفة لتشمل كل من اتصف بها.
المفاضلة بين الموصولات في سياق “النساء”
في قوله تعالى: ﴿ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 3]، ذهب بعض المفسرين إلى أن (ما) استُخدمت لإرادة صفة من يعقل، ولو أُريدت الذات لاستُخدمت (من) بتقدير (فانكحوا من طاب لكم).
ويرد على هذا القول بأن إرادة صفة من يعقل تستوجب (من) لا (ما)؛ لأن الأخيرة لا ترد إلا لصفة غير العاقل. كما أن تقدير الذات مع (من) هنا غير مستقيم؛ إذ لا يصح أن يقال: (فانكحوا المرأة من طابت).
إن استخدام الموصولات الاسمية في الكلام محكوم بدقة دلالية:
استعمال (مَن): لو أُريد صفة الفرد لاستُخدمت (مَن) – كقوله: فانكحوا من طاب – لكون الفرد عاقلاً، ويكون المعنى تعميميًّا يشمل أي امرأة موصوفة بالطيب، مع إفراد العائد المطابق للأصل وتذكيره، أو تأنيثه جوازاً كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُن لِلهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا ﴾ [الأحزاب: 31] حيث أُفرد العائد في (يقنت) وأُنث في (تعمل) رغم توجيه الخطاب لنساء النبي مجتمعات.
استعمال (التي): لو أُرادت الآية ذات الفرد عهدًا أو جنسًا لجيء بـ (التي) – كتقدير (فانكحوا التي طابت) – وفيها معنى التعيين والإفراد، بتقدير (فانكحوا المرأة التي طابت).
استعمال (الذي): لو أُريد ذات الجنس لقالوا: (فانكحوا الذي طاب) بإفراد وتذكير للإشارة إلى الجنس المفرد المذكر.
استعمال (ما): أما مجيئها بـ (ما)، فكان للتعبير عن صفة الجنس، ولذلك جاء الضمير العائد مذكراً ولم يؤنث، لأنه لا يعود على أعيان آحاد إناث العقلاء. وهو ما نصّ عليه الإمام الطبري في توجيهه لاستعمال (ما) بدل (من) بقوله: «لأنه لم يُرد أعيان النساء وأشخاصهن»[2].
وقد استند النحاة إلى هذا الأصل اللغوي لتأصيل مسائل إعرابية؛ ففي قراءة قوله تعالى: ﴿ حافِظَاتٌ للْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ ﴾ [نساء: 34] بنصب لفظ الجلالة “الله”[3]، توجّه على أن (ما) موصولة وفاعلها ضمير مستتر يعود عليها، بتقدير (بالشيء الذي حفظ الله/حفظ أمره ودينه).
بينما استبعد الزجاج[4] ومكي القيسي[5] كونها مصدرية لامتناع تجرد (ما) من الضمير الفاعل المستتر، وعدم صحة عوده على جمع المؤنث “النساء” إلا بتأويل – أجازه العكبري في حالة واحدة – وهو عودة الضمير على معنى “جنس النساء” المفرد المذكر غير العاقل[6].
دلالة استقصاء الأجناس
استُخدمت (ما) في آية سورة النساء ﴿ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم ﴾ لبيان إرادة تعميم أجناس الطيب دون تخصيص لذات الجنس (الذي تفرضه (الذي))؛ فالمراد استقصاء الأجناس المتفرعة من النساء، من أبكار وأرامل ومطلقات وذوات قربى وأجنبيات، لتوسيع دائرة الحلال وإشعار المخاطب بها، بتقدير (فانكحوا أي جنس كان طاب لكم).
وينطبق ذات التوجيه على قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ (أي جنس ملكته أيمانكم)، وعلى قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 22] (أي جنس نكحه آباؤكم).
وقد جاء التعبير بـ (ما) هنا لاستبشاع هذا النكاح وتعظيم إثمه؛ إذ قارنها الله عز وجل بالزنا وزاد عليها وصف “المقت” – وهو الكره الشديد – في قوله: ﴿ إِنهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلًا ﴾ [النساء: 22]. وبهذا تكون (ما) واقعة في موقعها الأصلي الدال على العموم ولغير العاقل (دلالة الجنس).
——————–
[1] أبو حيان، البحر المحيط، ج 8، ص 478؛ ابن هشام، همع الهوامع، ج 1، ص 314-315.
[2] الطبري, جامع البيان في تأويل القرآن، ج 7، ص 542.
[3] معجم القراءات، ج 2، ص 130 (قراءة يزيد بن القعقاع).
[4] الزجاج، معاني القرآن، ج 2، ص 47.
[5] مكي القيسي، مشكل إعراب القرآن، ج 1، ص 197.
[6] العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 1، ص 354.
