(ما) الموصولة بين جواز عودها على العاقل وامتناعه

(ما) الموصولة بين جواز عودها على العاقل وامتناعه

الأصل في «ما» الموصولة في لسان العرب – كما يقرر النحاة – أنها وُضعت لغير العاقل. غير أن شواهد الاستعمال العربي تثبت مجيئها للعاقل اتساعاً، كاستخدامهم لها عند سماع الرعد بالقول: «سبحان ما سخركن لنا»، و*«سبحان ما سبح الرعد بحمده»*[1].

وقد انسحب هذا الجواز على توجيه آيات القرآن الكريم؛ إذ أجاز النحاة والمفسرون أن تكون (ما) موصولة عائدة على العاقل في مواضع عدة، منها:

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: 3]؛ حيث تُقدّر هنا موصولة بمعنى (أو الذي ملكته أيمانكم)، أو مصدرية بتقدير (ملك أيمانكم)[2].

قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم منَ النسَاء [النساء: 22]؛ بتقدير موصولة (مَن نكحهن)، والمراد تحريم نساء الآباء، أو مصدرية بتقدير (نكاح آبائكم) لتحريم طرائق الجاهلية في النكاح[3].

قوله تعالى: ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: 3]؛ أي بالوالد والذي ولده، أو بولادته[4].

وفي سورة الكافرون: ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ ما عَبَدتمْ [الكافرون: 5]؛ أي مَن أعبده وهو الله سبحانه، أو بمعنى عبادتي[5].

وقد ساغ مجيء (ما) موصولة أو مصدرية في هذه الآيات لوجود ضمير محذوف في صلتها يَقبل التقدير.

إشكالية المصدرية وعود الضمير

أجاز جمهور النحاة والمفسرين وجهين (الموصولية والمصدرية) في قوله تعالى: ﴿ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ [النساء: 3]؛ فجعلوا التقدير: (مَن طاب لكم)، أو مصدرية ظرفية (مدة طيب النكاح)، أو مقدرة باسم الفاعل (النكاح الذي طاب)[6].

غير أن النحاس استبعد الوجه المصدرية معلّقاً بالموصولية[7]، في حين آثر أغلب النحاة وأبي حيان الأندلسي[8] المصدرية هرباً من مخالفة الأصل بجعل (ما) للعاقل. وهذا يتقاطع مع ما أصلّه المبرد (ت: 285هـ) من أن المصدرية أقيس في العربية[9] وأنها الوجه الذي عليه النحويون[10].

وهنا تبرز إشكالية نحوية دقيقة؛ فقد أجمع النحاة على امتناع كون (ما) مصدرية إذا عاد عليها الضمير[11]. ولهذا خطّأ ابن هشام الزمخشري لتجويزه مصدرية (ما) في قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ [هود: 116] لوجود ضمير عائد عليها[12]. وهو ذات المأخذ الذي يَرِد على تجويز الجمهور للمصدرية في آية النساء لوجود الضمير المستتر في (طاب).

وقد ثار جدلٌ مشابه في قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: 5]؛ حيث ضعّف بعضهم الوجه الأول لتقدُّم ذكر المخلوق على الخالق[13]، ونقل ابن جزي تضعيفه[14]. وذهب الزمخشري إلى أن المصدرية ليست بالوجه لفساد النظم بـ (فألهمها)[15].

فيما ردّ عليه أبو حيان بأن المصدرية جائزة بعود الضمير على ما يُفهم من السياق (تقدير: وبناها هو/الله)، مستشهداً بنظيرها الفصيح: «عجبت مما ضرب عمراً» أي من ضرب عمرو هو[16]. ونبّه البيضاوي (ت: 685هـ) على أن جعل (ما) مصدرية يجرّد الفعل عن فاعل[17]، وهو ما يتطلب تأويلاً لم يلتفت إليه النحاة عند إجازة المصدرية في آية النساء.

وينطبق ذات الأمر على قوله تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى في سورة الليل؛ حيث أجازوا الموصولية والمصدرية دون الإشارة لعودة الضمير المستتر في (خلق) على (ما)[18]. وقدّم أبو حيان المصدرية على الموصولية[19]، بينما نقل الزمخشري عن الكسائي تأويل (ما خلق) بمعنى (مخلوق الله) بإضمار اسم الجلالة[20].

كما وردت في سياقات أخرى كاستثنائيات[21] (الأنعام وهود)، وفي قوله: ﴿ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ [الزمر: 8] الذي وُجّهت لعودة (ما) على العاقل أو الضر، ورجّح الزمخشري عودها على الضر[22]، بينما وجّهها أبو حيان وغيره لتكون نافية أو موصولة للعاقل[23][24]، وكذلك في سورة الفرقان[25].

مسوغات مجيء (ما) للعاقل

لانقسام النحاة حيال هذا الأصل، ذهب فريق لإجازتها مطلقاً وآخر قيدها بمسوغات[26]. ومن تلك المسوغات ما نُقل في آيات النساء والمؤمنون من أن الإناث يَجرين مجرى غير العقلاء لنقصانهن[27][28][29][30][31][32]. وهو قول بعيد استُهجن نقله دون رد، لورودها مع المذكر ولله تعالى.

وقيل في سورة الكافرون إنها جاءت للعاقل لمشاكلة وتنسيق ما قبلها وما بعدها[33]، وهو ما عدّه ابن القيم ضرباً من ازدواج الكلام الفصيح[34]، كالنظائر في سورة البقرة والتوبة.

بيدَ أن المسوغ الأشمل في القرآن كان وضع النعت موضع المنعوت؛ لشمول (ما) الأجناس والصفات[35]. ويرى الزركشي أنها لا تُطلق على أشخاص العقلاء، بل على الجنس[36].

وهو ما يفسر آية النكاح بتأويل (انكحوا الموصوفة بأي صفة)[37] أو بمعنى (النوع المنكوح)[38]. وقد فصّل ابن القيم هذا المسوغ، مرجحاً إطلاق (ما) على صفات من يعقل لكونها أبلغ من (من) الدالة على الذات المجردة[39].

———————————-

[1] سيبويه، الكتاب، ج 2، ص 286؛ ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص 533؛ المبرد، المقتضب، ج 1، ص 42، ج 2، ص 296؛ المنسوب للزجاج، إعراب القرآن، ج 3، ص 922؛ ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة، ص 171؛ الهروي، الأزهية في علم الحروف، ص 95؛ القرافي، الاستغناء في أحكام الاستثناء، ص 112؛ الفوائد العجيبة (ضمن نصوص محققة)، ص 775.

[2] الفراء، معاني القرآن، ج 2، ص 254؛ الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ج 7، ص 542؛ النحاس، إعراب القرآن، ج 2، ص 414؛ النحاس، مشكل إعراب القرآن، ج 1، ص 190، 195، ج 2، ص 580.

[3] الفراء، معاني القرآن، ج 3، ص 263-264؛ أبو عبيدة، مجاز القرآن، ج 1، ص 120؛ الطبري، جامع البيان، ج 7، ص 542، ج 23، ص 200، ج 30، ص 209؛ الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 2، ص 32؛ الطبرسي، التبيان في تفسير القرآن، ج 3، ص 154؛ الرازي، مفاتيح الغيب، ج 9، ص 17; القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 5، ص 103؛ أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج 1، ص 328؛ الشوكاني، فتح القدير، ج 2، ص 441.

[4] الفراء، معاني القرآن، ج 3، ص 263-264؛ الطبري، جامع البيان، ج 30، ص 209؛ العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 2، ص 1288؛ ابن كثير، تفسير القرآن، ج 4، ص 512؛ أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج 5، ص 264.

[5] الفراء، معاني القرآن، ج 3، ص 263-264؛ الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 4، ص 346؛ المالقي، رصف المباني، ص 314؛ أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج 5, ص 288.

[6] الفراء، معاني القرآن، ج 1، ص 253-254، ج 2، ص 28، ج 3، ص 263-264؛ الطبري، جامع البيان، ج 7، ص 542، ج 30، ص 209؛ ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 312؛ الطبرسي، مجمع البيان، ج 3، ص 5؛ الرازي، مفاتيح الغيب، ج 9، ص 172; القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 5، ص 34؛ أبو حيان، البحر المحيط، ج 3، ص 162.

[7] النحاس، إعراب القرآن، ج 1، ص 393.

[8] النحاس، مشكل إعراب القرآن، ج 1، ص 90، 189، 195؛ الرازي، مفاتيح الغيب، ج 9، ص 172؛ العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 1، ص 328; القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 5، ص 12-13؛ أبو حيان، البحر المحيط، ج 3، ص 162؛ التدريب في تمثيل التقريب، ص 70؛ أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج 1، ص 314؛ الشوكاني، فتح القدير، ج 2، ص 420.

[9] المبرد، المقتضب، ج 4، ص 185، 218.

[10] المبرد، المقتضب، ج 2، ص 52.

[11] (ما) المصدرية لا يصح أن يعود عليها الضمير عند النحاة، سواء جمهورهم الذين قالوا بحرفيتها أم القلة منهم الذين قالوا باسميتها، إلا أن الفريق الثاني أوجب ذلك فقط في التقدير.

[12] الزمخشري، الكشاف، ج 2، ص 437؛ ابن هشام، مغني اللبيب، ج 1، ص 306.

[13] الفراء، معاني القرآن، ج 2، ص 416، ج 3، ص 263-264؛ الأخفش، معاني القرآن، ج 2، ص 539; إعراب ثلاثين سورة، ص 98؛ الهروي، الأزهية، ص 81؛ الطبرسي، التبيان في تفسير القرآن، ج 1، ص 357-358؛ الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 759؛ العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 2، ص 1290; ابن كثير، تفسير القرآن، ج 4, ص 515؛ أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج 5، ص 266.

[14] ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، ج 4، ص 202.

[15] الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 759.

[16] أبو حيان، البحر المحيط، ج 8، ص 478-479؛ الشوكاني، فتح القدير، ج 5، ص 448-449.

[17] البيضاوي، أنوار التنزيل، ص 800.

[18] الفراء، معاني القرآن، ج 3، ص 263-264؛ أبو عبيدة، مجاز القرآن، ج 2، ص 301؛ الطبري، جامع البيان، ج 30، ص 209؛ الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 5، ص 335; إعراب ثلاثين سورة, ص 107؛ الرازي، مفاتيح الغيب، ج 31، ص 197؛ العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 2، ص 1291؛ الشوكاني، فتح القدير، ج 5، ص 452.

[19] أبو حيان, البحر المحيط، ج 8، ص 483.

[20] الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 762.

[21] الطبري، جامع البيان، ج 15، ص 484-487؛ الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 2، ص 292؛ الزمخشري، الكشاف، ج 2، ص 65؛ العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 1، ص 270، 539، ج 2، ص 714-715; ابن قيم الجوزية، حادي الأرواح، ص 271-273؛ ابن كثير، تفسير القرآن، ج 2، ص 460.

[22] الفراء، معاني القرآن، ج 2، ص 416؛ الطبري، جامع البيان، ج 23، ص 200؛ الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 4، ص 346؛ الطبرسي، التبيان في تفسير القرآن، ج 9، ص 12.

[23] أبو حيان، البحر المحيط، ج 7، ص 418؛ عبد الخالق عضيمة، دراسات لأسلوب القرآن، القسم الأول، ج 3، ص 140.

[24] الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 116.

[25] البيان في غريب إعراب القرآن، ج 2، ص 207؛ العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج 2، ص 990.

[26] أبو حيان، البحر المحيط، ج 8، ص 478؛ ابن هشام، همع الهوامع، ج 1، ص 314-315.

[27] الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 417.

[28] الرازي، مفاتيح الغيب، ج 9، ص 172.

[29] النسفي، مدارك التنزيل، ج 1، ص 205.

[30] ابن جزي، التسهيل لعلوم التأويل، ج 1، ص 129.

[31] أبو حيان, البحر المحيط، ج 3، ص 162.

[32] أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج 2، ص 141.

[33] البيان في غريب إعراب القرآن، ج 2، ص 542؛ الطبرسي، مجمع البيان، ج 1، ص 551.

[34] ابن قيم الجوزية، التفسير القيم، ص 525-526.

[35] المبرد، المقتضب، ج 1، ص 48؛ الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج 2، ص 8؛ النحاس، إعراب القرآن، ج 1، ص 393؛ الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 759، 761، 809؛ الرازي، مفاتيح الغيب، ج 9، ص 172.

[36] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج 4، ص 399.

[37] الخضري، حاشية الخضري على ابن عقيل، ج 1، ص 73.

[38] أبو حيان, البحر المحيط، ج 3، ص 162، 208.

[39] ابن قيم الجوزية، التفسير القيم، ص 525-526؛ ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، ج 1، ص 131-134.

ترك تعليق