في أروقة النحو: (ما) الموصولة بين التعريف والتنكير
في أروقة النحو: (ما) الموصولة بين التعريف والتنكير
تتصدر «ما» قائمة الأسماء الموصولة في لسان العرب، غير أن النحاة يضعون الموصول تحت مجهر الدقة؛ إذ يُعرَّف بأنه اسمٌ قاصرٌ لا يكتمل معناه بنفسه، بل يفتقر إلى جملة أو شبه جملة تاليةٍ له تُدعى «الصلة» لتوضيحه وإزالة إبهامه[1]. فإذا التحمت به الصلة، صار كغيره من الأسماء التامة المستقلة، حتى إن بعض المدارس النحوية ترى في الموصول وصلته كياناً واحداً كالاسم المفرد[2].
وحول طبيعة هذا التعريف، دارت مناقشات مبكرة بين أقطاب النحو؛ فبينما نُسب إلى الأخفش رأيٌ يذهب إلى أن الأسماء الموصولة تعرّفت بـ (أل)، وأن (ما) و(من) نائبتان مناب ما فيه الألف واللام[3]، استقر رأي جمهور النحاة على أن الموصول يكتسب تعريفه من العهد الكامن في “الصلة” لا من الألف واللام. ولهذا السبب، اعتبروا (أل) في (الذي) و(التي) زائدة وليست للتعريف، لأن التعريف لو جاء من (أل) ومن الصلة معاً، لاجتمع في الاسم تعريفان وهو أمرٌ تأباه أصول العربية[4].
الغاية من وضع الموصولات في الكلام
تضافرت شروحات أئمة النحو لتجلية السر الكامن وراء جلب (الذي) وفروعها في الكلام. فمنذ سيبويه (ت 180هـ)، أُصلت قاعدة تمنع نداء الاسم المعرف بـ (أل) مباشرة بـ (يا)، فكان لا بد من التوسل بـ (أيها) لتكون وصلة لنداء ما فيه (أل)[5].
وهذا المفهوم – أي “الوصلة” – هو ما أكده أبو بكر بن السراج (ت 316هـ) موضحاً أن (الذي) اجتُلبت لتكون جسراً يُوصل من خلاله وصف المعارف بالجمل[6]. وقد بسط الإمام ابن جني (ت 392هـ) هذه العلة ببيانٍ شافٍ، ومما قاله في سرّ صناعة الإعراب:
(إن (الذي) إنما وقع في الكلام توصلًا إلى وصف المعارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكرات… فلما أُريد وصف المعرفة بجملة، لم يمكن أن تقول: مررتُ بزيدٍ أبوه قائم، على أن تكون الجملة وصفًا لزيد؛ لأنه قد ثبَت أن الجملة نكرة، ومُحال أن تُوصَف المعرفة بالنكرة… فجاؤوا بـ(الذي) متوصِّلين به إلى وصف المعارف بالجمل، وجعلوا الجملة التي كانت صفة للنكرة صلة لـ(الذي)..)[7].
وقد سار على هذا النهج كبار النحاة من بعده؛ كأبي حيان الأندلسي، وعبدالجارجاني، والزمخشري، وابن الأنباري، وابن يعيش[8]، مؤكدين جميعاً أن الاسم الموصول وظيفته الربط بين الموصوف وصفته ليتسنى وصف المعرفة بشتى أنواع الصلات.
(الذي) و (ما): تباين في دائرة الإبهام والتعيين
حين قرر النحاة أن الأسماء الموصولة المبدوءة بـ (أل) – مثل (الذي) – وُضعت لتكون وصلة لوصف المعارف، لم يعنوا بذلك إقصاء (ما) و(من)، فالجميع أدوات للربط والوصل[9]. إلا أن التدقيق في دقائق الاستعمال يكشف عن فرْق جوهري بين الفريقين:
1- الاسم الموصول (الذي): يختص بكونه وصلة لوصف المعرفة، وهو يُعامل معاملة المعارف لفظاً ومعنى، ويُنظر إليه كمناظر لـ (أل) في دلالته، سواء أكانت (أل) عهدية تُعيّن فرداً بذاته، أم جنسية تُعرّف جنساً بأكمله[10].
2- الاسم الموصول (ما): على النقيض من ذلك، تظل (ما) اسماً مبهماً غاية في الإبهام والعموم، وهي تقع على كل شيء وعلى ما ليس بشيء. ولأنها لا تقع صفة للمعارف – إذ موصوفها لا يصح إظهاره – فإنها تُعامل معاملة “النكرة العامة”[11].
يوضح ابن الحاجب هذا المعنى في (ما) الموصولة بأنها وُضعت لتتضمن الموصوف والصفة معاً؛ فقولك: (أعجبني ما صنعته)، تقديره: أعجبني الشيء (موصوف) الذي صنعته (صفة)[12]. والضمير العائد في صلتها لا يعود عليها، بل يعود على موصوفها المحذوف المقدر بنكرة عامة غير محددة.
تطبيقات الاستعمال القرآني بين (الذي) و (ما)
تنعكس هذه الفروق الدقيقة بوضوح تام على بلاغة القرآن الكريم واختيار أدوات الوصل:
في سياق العلم (سورة البقرة):
وردت (الذي) في قوله تعالى: ﴿ بَعْدِ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ [البقرة: 120] للدلالة على “علم الدين كله” كأمر معين ومعرفة. بينما استخدمت (ما) في قوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ [البقرة: 145] للإشارة إلى “علم القبلة” الذي يمثل جزءاً متجدداً ومجملًا من تفصيلات الدين، حيث يتدرج الوحي باكتسابه[13].
في سياق السجود والشمول (سورة النحل):
في قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾ [النحل: 49]، لو أُريد تعيين أفراد معينين لاستُخدمت (الذي) العهدية. لكن مجيء (ما) يؤكد استقصاء الأنواع وشمول الخلق “فردًا فردًا” على وجه الإعمام والتفصيل المطلق. فالاسم (ما) يتساوى في دلالته على استغراق الأفراد والمخلوقات دون تقيد بمفرد أو جمع، ويفيد التهويل والتفخيم كما في قوله: ﴿ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ [طه: 78][14].
وقد يخرج السياق القرآني عن القاعدة العامة في إفراد الضمير العائد على (ما) و(من) لأغراض بلاغية دقيقة؛ كأن يُجمع العائد في صلة (ما) في قوله تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مما رَزَقْنَاهُمْ ﴾ [النحل: 56] لتأكيد انعدام العلم لدى الأصنام جميعها[15]، أو لتصوير حالة نادرة كما في مجيء العائد جمعاً مع (مَن) في سورة يونس[16].
———————————–
[1] سيبويه، الكتاب، ج 3، ص 69؛ ابن يعيش، شرح المفصل، ج 3، ص 138.
[2] ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ج 2، ص 409.
[3] ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، ج 2، ص 135.
[4] ابن يعيش، شرح المفصل، ج 2، ص 141.
[5] سيبويه، الكتاب، ج 2، ص 106.
[6] أبو بكر بن السراج، الأصول في النحو، ج 2، ص 272.
[7] ابن جني، سر صناعة الإعراب، ج 1، ص 353-354.
[8] أبو حيان، البحر المحيط، ج 1، ص 77؛ ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، ج 1، ص 129.
[9] خالد الأزهري، شرح التصريح على التوضيح، ج 1، ص 130.
[10] الرضي الأستراباذي، شرح الرضي على الكافية، ج 4، ص 252.
[11] أبو حيان، البحر المحيط، ج 4، ص 76؛ الزركشي، البرهان في علوم القرآن, ج 4، ص 399.
[12] ابن الحاجب، الأمالي النحوية، ص 318.
[13] الإسكافي، درة التأويل وغرة التنزيل، ص 25-29؛ الكرماني، أسرار التكرار في القرآن الكريم، ص 124-125.
[14] العلوي، الطراز المتضمن لأسرار البلاغة، ص 78-81.
[15] ابن ضرير، الكشف في نكت المعاني والإعراب، ج 1، ص 20.
[16] ابن هشام، سيرة ابن هشام، ج 1، ص 250.
