بين أروقة اللغة: دراسة دقيقة في مُترادفات المدح والحمد والشكر
بين أروقة اللغة: دراسة دقيقة في مُترادفات المدح والحمد والشكر
يزخر لساننا العربي بكنوز دلالية فريدة، ومما يتوقف عنده الباحثون طويلاً ظاهرة “الترادف”؛ إذ يرى جمهور اللغويين أن المترادفات هي ألفاظ تتفق في المعنى العام، لكنها تتباين في دقائقها وخصائصها. وفي هذا السياق، يبرز موقف الإمام أبي هلال العسكري في كتابه الشهير «الفروق اللغوية» حيث يقرر قاعدة ذهبية مفادها: «كلُّ اسمين يجريانِ على معنًى من المعاني في لغة واحدة، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما يقتضي خلاف ما يَقتضيه الآخر، وإلَّا كانَ فضلًا لا يُحتاجُ إليه»[1].
وهو المعنى ذاته الذي أصلّه الإمام أبو سليمان الخطابي في رسالته في إعجاز القرآن، منبهاً إلى أن ألفاظاً كـ (العلم والمعرفة) و(البخل والشح) يظنها العامة متطابقة، غير أنها عند أهل البصيرة اللغوية تتباين في خواصها[2]. وفي المقابل، ذهب فريق آخر من النحاة واللغويين إلى إنكار الترادف المطلق، معتبرين أن ما يبدو ترادفاً ليس سوى تباين في اللهجات والقبائل العربية.
ولكي نلامس هذه الدقة اللغوية بأيدينا، دعنا نتأمل آية قرآنية كريمة وبيتاً شعرياً يجلّيان هذا التباين:
يقول الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ [الفرقان: 53].
فكلمتا (عذب) و(فرات) تتفقان في أصل “العذوبة”، لكن “الفرات” يحمل دلالة المبالغة في شدة العذوبة، وكذلك الشأن بين “ملح” و”أجاج”؛ فالأجاج هو الملح شديد الملوحة. وهنا يكون التباين في الدرجة لا في أصل المعنى.
أما في الشعر، فيطالعنا قول الحطيئة:
ألَا حبَّذا هِندٌ وأرضٌ بها هِندُ ***وهِنْدٌ أتى مِنْ دُونها النَّأْيُ والبُعْدُ
فـ “النأي” هنا يحمل معنى الإعراض والصد والمشاعرة النفسية، بينما “البعد” يتجلى في أبعاده المكانية أو الزمانية أو المادية.
ومن هذا الباب، نقف اليوم أمام ثلاثية متجاورة في الظاهر، متباينة في الجوهر، وهي: (المدح، والحمد، والشكر).
أولاً: الحَمْد
هو نقيض الذم، ويُقال في العربية: حَمِدَ الرجل يحمده حمداً، فهو محمود وحميد. والحمد في اصطلاح أهل اللغة هو: الثناء باللسان على الجميل الاختياري، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا. فلك أن تحمد كريماً على سخائه، كما لك أن تحمد شجاعاً على إقدامه وشجاعته. وشرط الحمد الأساسي أنه لا يكون إلا في الصفات التي يملك الإنسان فيها إرادة واختياراً.
ثانياً: المَدْح
يتميز المدح بأنه أوسع دائرة وأشمل من الحمد؛ لأنه يتناول الصفات الاختيارية وغير الاختيارية على حد سواء. وبناءً على ذلك، يصح إطلاق المدح على الحي والميت بل والجماد أيضاً.
فالإنسان يُمدح بصفات جبلية لا دخل له فيها، كطول القامة، ووسامة الوجه، وصباحته، كما يُمدح بصفاته المكتسبة كالعلم والتعاون والبذل. ومن هنا جاءت القاعدة اللغوية التي تقول: (كلُّ حَمدٍ مدحٌ، وليس كلُّ مَدحٍ حمدًا).
وقد أضاف الإمام ابن القيم رحمه الله بعداً دقيقاً آخر للفرق بينهما، حيث أوضح أن «الحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه، فلابد فيه من اقتران الإرادة بالخير، بخلاف المدح فإنه إخبار مجرد»[3]. وبسبب هذا العموم في المدح، لا يجوز استخدامه في حق الذات الإلهية المقدسة؛ لأن صفات الله عز وجل كلها صفات كمال اختياري، والحمد أليق بها وأجلّ.
ثالثاً: الشُّكْر
أما الشكر، فله خصوصية تجعله مقصوراً على الأيادي البيضاء؛ إذ لا يُقال إلا في مقابلة نعمة سبقت من المشكور إلى الشاكر.
فالشكر لا يكون إلا على نعمة حقيقية، ويكون متجسداً في ثلاثة مواطن: القلب (محبة واعترافاً)، واللسان (ثناءً وشكراً)، والجوارح (عملاً وطاعةً).
وكما قال الشاعر القديم:
أفادتْكُمُ النَّعْماءُ مِنِّي ثلاثةً ****يَدي ولِساني والضميرَ المُحَجَّبا
وعليه، تتجلى العلاقة بين الحمد والشكر في دائرة من العموم والخصوص؛ فهما يجتمعان في الثناء باللسان على النعمة. وينفرد “الحمد” بالثناء على الجميل الاختياري حتى وإن لم يكن نعمة، بينما ينفرد “الشكر” بكونه اعترافاً بالنعمة وثناءً عليها عبر أدوات الشكر الثلاث: القلب واللسان والجوارح.
————————————-
[1] أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، تحقيق: محمد إبراهيم سليم (دار العلم والثقافة، القاهرة)، ص 45.
[2] أبو سليمان الخطابي، رسالة في إعجاز القرآن (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن)، تحقيق: محمد خلف الله أحمد ومحمد زغلول سلام (دار المعارف، مصر)، ص 27 وما بعدها.
[3] ابن القيم الجوزية، بدائع الفوائد، تحقيق: يسري السيد محمد (دار الجوزي، القاهرة)، ج 2، ص 183 (بتصرف يسير).
