ما الشرطية المركبة
ما الشرطية المركبة
د. عبدالجبار فتحي زيدان
المصدر: الألوكة
ذكر الخليل أن (مهما) مركبة من عنصرين:
(ما) الشرطية، و(ما) الزائدة، وذكر أن العرب ((استقبحوا أن يكرروا لفظًا واحدًا، فيقولوا: ماما فأبدلوا الهاء من الألف التي في الأولى))، وأجاز أن ((تكون مركبة من (مه) ضم إليها (ما)))[1]، وأشار الزجاج إلى هذين الوجهين، وذكر في الوجه الثاني أنه يجوز أن تكون (مهما) مركبة من (مه) بمعنى اكفُف، و(ما) الشرطية[2]، ((وحكى ابن الأنباري: مَهْمَن يُكْرِمني أُكْرِمهُ، وقال: الأصل: مَنْ مَنْ يُكْرِمني، (من) الثانية تأكيد بمنزلة (ما)، فأبدل من نون (من) الأولى هاءً، كما أبدلوا من ألف (ما) الأولى هاءً في (مهما)، وذلك لمؤاخاة (ما) (مَن) في أشياء، وإن افترقا في شيء واحد، فكُره اجتماع (من) مرتين كما كُره ذلك في (ما)) [3].
فهذان وجهان في ماهيتها وتركيبها، وهناك وجه ثالث وهو أن تكون (مهما) اسمًا مفردًا غير مركب، ومعناه العموم؛ لأن الأصل عدم التركيب[4]، وذهب فريق من النحاة إلى أنها كلمة غير مركبة على وزن (فعلى)، فحقها على هذا أن تكتب بالياء[5]؛ أي: الألف المقصورة لا الطويلة، وقيل: إنها حرف، ومنهم من ذكر أنها وردت بمعنى الظرف في كلام العرب، أو بمعنى الاستفهام[6].
وعند البحث في الفرق بين (مهما) و(ما):
نجد (مهما) خالصة لمعنى الجزاء[7]، ولا يدخل عليها حرف جر، ولا يضاف إليها، فلا يقال: على مهما تكن أَكن، ولا جهة مهما تقصد اقصد، ولا تزاد بعدها (ما)، فلا نقول: مهما ما يفعل أفعل[8].
(مهما) في القرآن الكريم
ووردت (مهما) في القرآن الكريم في موضع واحدٍ، وهو قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ ﴾ [الأعراف: 132].
ويبدو أن (مهما) هنا مثل (ما) في أنها أداة شرط، إلا أنه زِيد في مبناها لتقوية معنى الشرط فيها وتوكيده، وهذا واضحٌ من سياق الآية، فقد استُعملت تعبيرًا عن شدة إصرار فرعون وحاشيته على عدم الإيمان بما جاء به موسى عليه السلام من آيات بيِّنات، حتى إنهم لم يتركوا لأنفسهم عذرًا لإمهالهم، لذلك ورد بعدها قوله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ [الأعراف: 133].
————————–
[1] ) الكتاب 3/ 59-60، والأمالي الشجرية 2/ 246-247.
[2] ) معاني القرآن وإعرابه للزجاج 2/ 369، والبغداديات ص313، والكشاف 2/ 146، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/ 371، وشرح المفصل لابن يعيش 4/ 8، وشرح الرضي على الكافية 4/ 87-88، وارتشاف الضرب 2/ 547-548.
[3] ) مشكل إعراب القرآن 1/ 299، وابن الانباري: هو أبو بكر بن الأنباري (ت 328هـ).
[4] ) شرح الرضي على الكافية 4/ 89.
[5] ) شرح الرضي على الكافية 4/ 87-88، وشرح المفصل لابن يعيش 7/ 42.
[6] ) الجنى الداني ص550-552، ومغني اللبيب 1/ 330-332.
[7] ) التبيان في تفسير القرآن 4/ 519، وشرح الرضي على الكافية 4/ 88-89.
[8] ) ارتشاف الضرب 2/ 548، وكشف المشكل في النحو للحيدرة اليمني 1/ 601.
