البنية المقطوعة والموصولة في رسم المصحف: الأحكام النحوية والدلالية لـ (كل ما) بين عموم الاستغراق وخصوص السياق
تجاذب البنيوية والدلالة في النص البلاغي: أثر (ما) الكافة في قصر
الحصر وصيانة الأثر الإعرابي
تعد الأداة “ما” الزائدة الكافة من أبرز الأدوات التي
تؤدي وظيفة مزدوجة في عبارات اللسان العربي، حيث يمتد أثرها من التغيير الهيكلي
الصرف في بنية العامل النحوي إلى إحداث تغيير دلالي جذري في سياق الجملة.
فعندما تتصل “ما” بالأحرف المشبهة بالفعل (إن وأخواتها) أو ببعض
الأفعال والظروف، فإنها تكفّها عن العمل وتزيل اختصاصها بالمبتدأ والخبر، مما يفتح
الباب لورود الجمل الفعلية بعدها. يهدف هذا المبحث إلى استقراء البعد الدلالي
والبنيوي لـ “ما” الكافة في الذكر الحكيم وكلام العرب، محققاً في سياقات
الحصر ومناقشاً الفروق الدقيقة بين الكف والإعمال.
الأثر البنيوي لـ “ما” الكافة في الصناعة النحوية
قرر النحاة أن الأصل في الحروف المشبهة بالفعل (إنَّ، أنَّ، كأنَّ، لكنَّ، ليتَ، لعلَّ) هو الاختصاص بالتحيز في الجمل الاسمية، حيث تنصب المبتدأ اسماً
لها وترفع الخبر خبراً لها[1]. غير أن دخول “ما” الحرفية الزائدة عليها
يُحدث انقلاباً بنيوياً يسمى في النحو “الكف”، وهو إبطال العمل الإعرابي
لفظاً ومحلاً بسبب زوال الاختصاص؛ إذ تصبح هذه الأحرف بعد اتصالها بـ
“ما” صالحة للدخول على الجمل الفعلية كما تدخل على الجمل الاسمية، ولهذا
أطلق عليها المتقدمون اسم “حروف التهيئة”[1].
ومن الشواهد التي استقر فيها الكف بنيوياً قوله تعالى في سورة
الأنبياء:
﴿قُلْ
إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
فقد اتصلت “ما” بـ (إنَّ) في
الموضعين، فأبطلت عملها الإعرابي، وما بعدها يعرب إعراباً عادياً بحسب موقعه من
الجملة؛ فالفعل “يوحى” فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة،
و”إلهكم” مبتدأ مرفوع، و”إله” خبره[2]. ولولا وجود
“ما” لامتنع دخول “إنّ” على الفعل المضارع، ولتغيرت حركة
“إلهكم” إلى النصب.
الأبعاد الدلالية لـ “ما” الكافة: القصر والحصر
لم يكن الكف النحوي مجرد حيلة صناعية، بل جاء لخدمة غرض بلاغي عظيم
الشأن وهو “القصر والحصر”. وقد أجمع الأصوليون والبلاغيون على أن تركيب (إِنَّمَا) يفيد
إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه بطريق منطوق اللفظ[3]. ولعل من أبرز النماذج
التي تبرز فيها القيمة الدلالية لهذا القصر:
أولاً: قوله تعالى في سورة آل عمران:
﴿إِنَّمَا
ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾
وجه المفسرون القصر هنا على أنه حصر مجازي أو إضافي، والمعنى: ما
تخويفكم في هذا السياق إلا من تزيين الشيطان وبثه الوهن في القلوب، فلا تلتفتوا
إليه[4]. و”ما” هنا كافة لـ (إنّ) عن
العمل، و”ذلكم” مبتدأ في محل رفع.
ثانياً: قوله سبحانه في قرة عين التوحيد:
﴿إِنَّمَا
اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
جاء الحصر بـ (إنما) هنا رداً على دعاوى التثليث والشرك؛ فالنص يقصر صفة الألوهية
الحقة على الذات الإلهية قصر إفراد مطلق، و”ما” كافة صانت المبتدأ
“الله” من النصب تعظيماً لمعنى الاستقلال بالابتداء[5].
ثالثاً: قوله جل وعلا في بيان طبائع البشر:
﴿إِنَّمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾
يفيد السياق قصر حقيقة الحياة الدنيا المادية على اللعب واللهو
الزائل مقارنة بالآخرة، و”ما” كافة، و”الحياة” مبتدأ مرفوع
وعلامة رفعه الضمة الظاهرة[6].
استثناء “ليت” بين الكف والإعمال وسجال الفراء والزجاج
إذا كان جمهور النحاة قد أطبقوا على أن “ما” تكف (إنَّ، أنَّ، كأنَّ، لكنَّ، لعلَّ) وجوباً، فإنهم اختلفوا في “ليتَ” إذا اتصلت بها
“ما” (ليتما)، وانقسموا إلى مذهبين[7]:
مذهب الجواز المزدوج (الجمهور): يرى سيبويه وأكثر البصريين
أن “ليت” يجوز فيها الكف والإعمال؛ فتقول: “ليتما زيدٌ قائمٌ”
برفع زيد على الإهمال والكف، وتقول: “ليتما زيداً قائمٌ” بنصب زيد على
الإعمال. والعلة النحوية في ذلك أن “ليت” تدل على التمني، والتمني معنى
لا يقع إلا في الأسماء، فلم تزل “ليت” عن اختصاصها الكلي بالأسماء عند
دخول “ما”، فجاز إبقاؤها على أصلها[7].
مذهب الكوفيين (الفراء
والكسائي): ذهب الكوفيون إلى أن “ما” إذا اتصلت بـ “ليت”
وجب كفها كأخواتها، ولا يجوز النصب بها مطلقاً، وما ورد من شواهد بالنصب يحمل على
أن “ما” زائدة مؤكدة وليست كافة[8].
وقد احتدم السجال بين الزجاج (بصري) والفراء
(كوفي) حول قراءة بعض الشواهد والآيات؛ فبينما يرى الفراء أن الكف هو
القياس المطرد طرداً للباب على وتيرة واحدة[8]، تعقبه الزجاج موضحاً أن السماع
الفصيح عن العرب أثبت الإعمال، ومنه قول الشاعر:
مقتطف الرمز
قالت ألا ليتما هذا الحَمامَ لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقدِ
حيث جاء لفظ “الحَمامَ” منصوباً بعد “ليتما”،
وهو دليل قاطع عند البصريين على عدم الكف[9].
كف الأفعال والظروف عن العمل
لم يقتصر أثر “ما” الكافة على الأحرف، بل امتد ليشمل بعض
الأفعال والظروف في لغة العرب:
كف الأفعال (قلَّ،
طالَ، كَثُرَ): إذا اتصلت “ما” بهذه الأفعال (قلّما، طالما)، فإنها
تكفها عن طلب الفاعل، وتتحول هذه الأفعال مع “ما” إلى تراكيب تفيد الزمن
أو التقليل والكثرة، وتدخل مباشرة على الأفعال؛ كقولك: “طالما نصحتك”،
فلا يطلب “طال” فاعلاً ظاهراً ولا مستتراً[11].
كف الظروف (بَعْد،
قَبْل، بَيْن): تدخل “ما” على بعض الظروف فتكفها عن إضافة ما بعدها،
كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾
حيث نابت “ما” الكافة عن الإضافة وجاء الفعل بعدها مباشرةً، وكذا
اتصالها بـ (بين) في نحو “بينما نحن عصبة”[12].
—-—————
[1] سيبويه، الكتاب، 2/ 132؛ المبرد، المقتضب،
3/ 360؛ ابن جني، الخصائص، 1/ 289.
[2]
الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، 3/ 401؛ العكبري، التبيان في إعراب القرآن، 2/ 933.
[3]
الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 254؛ الفخر الرازي، المحصول في علم الأصول، 1/ 299.
[4]
الطبري، جامع البيان، 7/ 410؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 1/ 428.
[5]
الزمخشري، الكشاف، 1/ 588؛ أبو حيان، البحر المحيط، 3/ 412.
[6]
الطبرسي، مجمع البيان، 9/ 155.
[7]
ابن الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف، المسألة 32 (إعمال
ليتما وكفها)؛ ابن عقيل، شرح ألفية ابن مالك، 1/
365.
[8]
الفراء، معاني القرآن، 2/ 114.
[9]
الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، 4/ 92؛ الشنتمري، نكت الكتاب، 1/ 412.
[10]
ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، 1/ 315.
[11]
الرضي، شرح كافية ابن الحاجب، 2/ 205؛ ابن عصفور، المقرب، ص 184.
[12]
المرادي، الجنى الداني في حروف المعاني، ص 320.
