تجاذب الدلالة والأثر النحوي: سياقات ورود (ما) الموصولة للعاقل في الذكر الحكيم وكلام العرب

تجاذب الدلالة والأثر النحوي: سياقات ورود (ما) الموصولة للعاقل في الذكر الحكيم وكلام العرب

 

تعد الأداة “ما” في اللسان العربي من أوسع الأدوات تصرفاً وأكثرها دوراناً في الأساليب النحوية، حيث تتجاذبها الحرفية والاسمية وتتنازعها دلالات التعريف والتنكير. وإذا كان المستقر في أصول النحو أن “ما” وضعت في الأصل لغير العاقل مقابلةً لـ “مَنْ” الدالة على العاقل، فإن الشواهد الفصيحة تبرز خروجها عن هذا الأصل لغايات بلاغية وسياقية دقيقة. يهدف هذا المبحث إلى استقراء مواضع مجيء “ما” دالة على العاقل في القرآن الكريم وكلام العرب، محققاً في التوجيهات الإعرابية والمواءمات الدلالية بين الاسمية المصدرية والموصولية.

الاستعمال العربي الفصيح وخروج “ما” عن الأصل

قرر علماء النحو العربي أن السمت الغالب والأصل المعتمد في استعمال “ما” الموصولة هو دلالتها على غير العاقل (الماديات والمعاني والجمادات)[1]. غير أن هذا الأصل لم يمنع لغة العرب من استخدامها في الدلالة على أولي العلم (العقلاء)، وهو استعمال فصيح حكاه أئمة اللغة في المأثور من كلامهم. ومن شواهد ذلك ما كان يُسمع عن العرب عند هبوب العواصف وسماع قعقعة الرعود، إذ يقولون: “سبحان ما سخَّركن لنا”، و”سبحان ما سبَّح الرعد بحمده”[1]. فالمراد بالتسبيح هنا هو ذات الباري جل وعلا، وهو أعدل العاقلين وأمرهم، مما يؤكد أن الإطلاق لم يكن سهواً بل جاء لغرض إبهام الذات وتفخيم الصفة.

 شواهد التوجيه النحوي في الآيات القرآنية

 

انعكس هذا الجواز النحوي على آراء المفسرين ومعربي القرآن الكريم، فجوزوا في آيات عديدة أن تكون “ما” واقعة على العاقل، وتأرجحت توجيهاتهم في الغالب بين “الموصولية الاسمية” و”المصدرية الحرفية”، ولعل من أبرز هذه المواضع:

أولاً: قوله تعالى في سورة النساء:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ

فقد وجه العلماء “ما” هنا على وجهين إعرابيين[2]:

الوجه الأول (الموصولية): أن تكون “ما” اسمًا موصولاً يعود على العاقل (وهن الإماء والجواري)، والتقدير بناءً على هذا: أو اللاتي ملكته أيمانكم، مع حذف الضمير العائد المنصوب (العائد).

الوجه الثاني (المصدرية): أن تسبك “ما” مع ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير: أو مِلْك أيمانكم، فيتحول الكلام من دلالة الذات إلى دلالة المفهوم والملكية.

ثانياً: قوله سبحانه في تحريم نساء الآباء:

﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء

وقد جرى فيها الخلاف الإعرابي والدلالي نفسه على نحوين[3]:

التوجيه الموصولي: أي لا تنكحوا النساء اللواتي نكحهن آباؤكم في الجاهلية، فـ “ما” هنا نابت مناب “مَنْ” للعاقل.

التوجيه المصدري: أي لا تنكحوا نكاح آبائكم، ويكون المقصد البلاغي هنا هو تحريم طرائق وأساليب النكاح الفاسدة التي كانت ديدناً لأهل الجاهلية، فالتحريم منصب على الفعل نفسه لا على ذات المرأة فحسب.

 

ثالثاً: سياق القسم في سورة البلد:

﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ

إذ يحتمل التوجيه أن يكون القسم بالوالد (آدم أو إبراهيم عليهما السلام) وبالذي ولده من الذرية العاقلة، فتكون موصولة للعاقل، أو يكون المقصد القسم بالوالد وولادته (مصدري)[4].

رابعاً: المحاجة في سورة الكافرون:

﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ

فالمعنى يتأرجح بين الموصولية العائدة على رب العزة سبحانه؛ أي: ولا أنتم عابدون مَنْ أعبده وهو الله، أو المصدرية؛ أي: ولا أنتم عابدون عبادتي الشاملة للتوحيد الخالص[5]. ولعل مسوغ الحمل على الموصولية والمصدرية في هذه المواضع كافَّة هو إمكانية تقدير الضمير المحذوف في الصلة أو إلغائه بالكلية.

 إشكالية عود الضمير وموقف ابن هشام والمبرد

أثار قوله تعالى:﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء

جدلاً نحوياً كبيراً بين أساطين المدرسة النحوية. فقد ذهب النحاس إلى تعيين الموصولية واستبعاد المصدرية تماماً[7]، في حين أجاز جمهور النحاة والمفسرين كأبي حيان الأندلسي الوجهين[8]، بل إن كثيراً منهم آثر المصدرية موافقةً لقول المبرد (ت: 285هـ) الذي يرى أن جعلها مصدرية “أقيس في العربية” وهو الوجه الذي عليه المحققون[9][10]؛ والعلة في ذلك أن إطلاق “ما” على العاقل يظل خلاف الأصل والأكثر.

 

بيد أن ثمة معضلة صناعية تمنع المصدرية؛ إذ إن “ما” المصدرية لا يعود عليها ضميـر بإجماع النحاة[11]، وآية النساء تحتوي على ضمير مستتر في الفعل (طاب) يعود على “ما” وهو فاعل لا يمكن إلغاؤه أو توجيهه لغيرها إلا بتكلف بليغ. ومن هنا استند ابن هشام الأنصاري إلى هذه القاعدة في تخطئة الزمخشري عندما جوَّز الأخير المصدرية في قوله تعالى:﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ

حيث قال ابن هشام: “وللزمخشري غلطة… فإنه جوز مصدرية (ما)… مع أنه قد عاد عليها الضمير” (المتمثل في شبه الجملة “فيه”)[12]. وما استقبحه ابن هشام هناك، وقع فيه جمهور النحاة في آية النكاح بطيب النساء.

 مناقشة آيات سورة الشمس والليل وسجال الزمخشري وأبي حيان

يتجلى الصراع النحوي البلاغي في قوله تعالى:

﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا

حيث يرى فريق أن التقدير: والسماء والله الذي بناها، فتكون “ما” عاقلة، بينما يرى فريق آخر أنها مصدرية والتقدير: والسماء وبنائها[13]. وقد ضعف بعض العلماء الوجه الموصولي العاقل (الذي بناها) لعلة عقدية بلاغية، وهي أن هذا التوجيه يؤدي إلى تقديم المخلوق (السماء والأرض) في اللفظ على ذكر الخالق سبحانه المتمثل في “ما”[14].

أما الزمخشري فقد رفض المصدرية متمسكاً بالموصولية لعلة السياق، إذ إن قوله بعد ذلك: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا يقتضي وجود فاعل عاقل يلهم، وجعل “ما” مصدرية يفسد النظم النحوي[15]. غير أن أبا حيان تعقبه ورد عليه محتجاً بأن الضمير المستتر في “بناها” يمكن أن يعود على الله المفهوم من سياق الكلام لا على “ما” نفسها، فضرب مثلاً بقوله: “عجبت مما ضرب عمرواً” أي عجبت من ضرب عمرو هو (أي زيد)[16].

وعلى السنن نفسه جاء قوله تعالى في سورة الليل: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى

حيث تمنع الموصولية عند البعض لعدم إظهار العائد، وصحح الكسائي (فيما نقله عنه الزمخشري) أن التقدير: وما خلقه الله، بإضمار اسم الجلالة للعلم التام بأنه لا خالق سواه، ويعرب “الذكر والأنثى” بدلاً من الضمير المحذوف[20].

 مسوغات خروج “ما” إلى العاقل عند النحاة

نظراً لكون هذا الاستعمال يمثل خروجاً عن السنن المطرد، فقد التمس النحاة مسوغات بليغة لتوجيهه، وانقسموا إلى فرق:

مسوغ المشاكلة والمطابقة: كما في سورة الكافرون، حيث جاءت “ما” للعاقل لتطابق السباك اللفظي لـ “ما تعبدون” ليجري الكلام على نسق صوتي وبلاغي واحد، وهو ما سماه ابن القيم “ازدواج الكلام في البلاغة”[34]، ونظيره: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.

إجراء الإناث مجرى غير العاقل: وهو رأي نقله الزمخشري والرازي دون تعقيب، بدعوى نقصان عقلهن[27][28]، وهو قول تبرز ركاكته بالنظر إلى أن “ما” عادت على المذكر بل وعلى ذات الله سبحانه في آيات سورة الشمس.

وضع النعت موضع المنعوت (إرادة الجنس والصفة): وهو أحسن الوجوه وأقواها عند ابن قيم الجوزية والزركشي، حيث إن “ما” تقع على الأجناس والصفات لا على الأشخاص المحددة[35][36]؛ فالمعنى في ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم أي: النكاح الموصوف بالطيب من بكارة أو ثيوبة[37]، وإطلاق “ما” لإرادة الصفة أبلغ في التعبير النحوي من استعمال “مَنْ” الدالة على الذات المجردة فحسب[39].

________________________

[1] سيبويه، الكتاب، 2/ 286؛ ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص 533؛ المبرد، المقتضب، 1/ 42.

[2] الفراء، معاني القرآن، 2/ 254؛ الطبري، جامع البيان، 7/ 542؛ النحاس، إعراب القرآن، 2/ 414.

[3] أبو عبيدة، مجاز القرآن، 1/ 120؛ الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، 2/ 32؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 5/ 103.

[4] ابن الأنباري، التبيان في إعراب القرآن، 2/ 1288؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 4/ 512.

[5] المالقي، رصف المباني في شرح حروف المعاني، ص 314؛ أبو السعود، إرشاد العقل السليم، 5/ 288.

[6] الفراء، معاني القرآن، 1/ 253؛ ابن العربي، أحكام القرآن، 1/ 312؛ أبو حيان، البحر المحيط، 3/ 162.

[7] النحاس، إعراب القرآن، 1/ 393.

[8] العكبري، مشكل إعراب القرآن، 1/ 90؛ السيوطي، التدريب في تمثيل التقريب، ص 70.

[9] المبرد، المقتضب، 4/ 185.

[10] المبرد، المقتضب، 2/ 52.

[11] هذا محل إجماع بصرف النظر عن القول بحرفيتها أو اسميتها المقدرة.

[12] الزمخشري، الكشاف، 2/ 437؛ ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، 1/ 306.

[13] الأخفش، معاني القرآن، 2/ 539؛ الهروي، الأزهية في علم الحروف، ص 81.

[14] ابن جزي الكلبي، التسهيل لعلوم التنزيل، 4/ 202.

[15] الزمخشري، الكشاف، 4/ 759.

[16] أبو حيان، البحر المحيط، 8/ 478-479؛ الشوكاني، فتح القدير، 5/ 448.

[17] البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ص 800.

[18] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، 5/ 335؛ النحاس، إعراب ثلاثين سورة، ص 107.

[19] أبو حيان، البحر المحيط، 8/ 483.

[20] الزمخشري، الكشاف، 4/ 762.

[21] الطبري، جامع البيان، 15/ 484؛ ابن قيم الجوزية، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، ص 271.

[22] الطبري، جامع البيان، 23/ 200؛ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، 9/ 12.

[23] أبو حيان، البحر المحيط، 7/ 418؛ عضيمة، دراسات لأسلوب القرآن الكريم، 1/ 3/ 140.

[24] الزمخشري، الكشاف، 4/ 116.

[25] ابن الأنباري، البيان في غريب إعراب القرآن، 2/ 207.

[26] المرادي، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، 1/ 314.

[27] الزمخشري، الكشاف، 1/ 417.

[28] الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، 9/ 172.

[29] النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، 1/ 205.

[30] ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، 1/ 129.

[31] أبو حيان، البحر المحيط، 3/ 162.

[32] أبو السعود، إرشاد العقل السليم، 2/ 141.

[33] الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1/ 551.

[34] ابن قيم الجوزية، التفسير القيم، ص 525-526.

[35] النحاس، إعراب القرآن، 1/ 393؛ الزمخشري، الكشاف، 4/ 809.

[36] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 4/ 399.

[37] الخضري، حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، 1/ 73.

[38] أبو حيان، البحر المحيط، 3/ 208.

[39] ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، 1/ 131-134.

 

ترك تعليق