الأحكام النحوية والدلالية لـ (مـا) الشرطية المفردة في الشواهد القرآنية وسياقاتها الإعرابية
الأحكام النحوية والدلالية لـ (مـا) الشرطية المفردة في
الشواهد القرآنية وسياقاتها الإعرابية
تمثل الأدوات في اللغة العربية ركيزة بنيوية
تتداخل فيها الوظيفة النحوية مع الأبعاد الدلالية والبيانية للنص الإعجازي. وتأتي (ما) الشرطية المفردة
كواحدة من أهم هذه الأدوات التي استوقفت النحاة والمفسرين؛ نظراً للحركية العالية
التي تتمتع بها في نقل الأساليب من الخبرية إلى الإنشائية، وما يترتب على ذلك من
مرونة في تراكيب الجملة العربية وتحديد دلالاتها الزمانية والمكانية.
تُستعمل (ما) الشرطية في أصل الوضع
اللغوي لغير الآدميين (لما لا يعقل)، كقولك: “ما
تصنعْ أصنعْ”. فإذا قلت: “ما يأتني آته” وأنت تقصد أناساً وعقلاء، لم
يصلح الاستعمال هنا؛ لأن هذه الأداة وُضعت أصلاً للدلالة على غير العاقل، ثم
ضُمّنت معنى الشرط لما فيها من الإبهام والشيوع. ومن أحكامها الثابتة أن لها
الصدارة في الكلام، ويَعمل فيها ما بعدها من الأفعال صعوداً أو هبوطاً في الرتبة
النحوية[1].
عامل الجزم والخلاف بين
الشرطية والموصولة
لقد احتدم الجدل في كتب النحو وضمن نظرية العامل
والمعمول حول تحديد عامل الجزم في فعل الشرط وجوابه مع (ما)[2]. ونحن هنا نتجاوز
هذا الخلاف النظري لنقرر النتيجة التطبيقية: وهي أن فعل الشرط وجوابه يقعان
مجزومين دائماً مع (ما) الشرطية، سواء أكان
الجازم لهما هو الأداة نفسها أم غيرها من العوامل المقدرة.
وثمة فروق جوهرية وضعها النحاة للتمييز بين (ما) الشرطية و(ما) الموصولة، تتلخص في
الجدول التالي:
|
وجه المقارنة |
(ما) الشرطية |
(ما) الموصولة |
|
العمل النحوي |
عاملة تجزم فعلين (الشرط والجواب) |
غير عاملة (تكتفي بصلة وعائد) |
|
الأسلوب |
أسلوب إنشائي شرطي |
أسلوب خبري أصيل |
|
الدلالة الزمانية للماضي |
تقلب دلالة الماضي إلى
المستقبل |
تبقي الماضي على ظاهره غالباً |
ويتضح عدم الالتباس بينهما إذا ظهرت علامة الجزم
واضحة في اللفظ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ
خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ [البقرة: 197]، حيث
جزمت “تفعلوا” بحذف النون و”يعلمه” بالسكون، بينما نجد
الموصولة في نحو قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ
لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: 2].
إشكالية الالتباس في
النص القرآني وتوجيه المفسرين
يحدث الالتباس الدلالي والنحوي بين الموصولية
والشرطية عندما تكون علامات الإعراب غير ظاهرة لعلة تصريفية أو بنائية. ومن ذلك
قوله تعالى في سورة النساء: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ
حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيئَةٍ فَمِن نفْسِكَ﴾ [النساء: 79].
يرى الزجاج في توجيه هذه الآية: “هذا خطاب للنبي
ﷺ يُراد به الخلق ومخاطبته عليه الصلاة والسلام تكون للناس جميعاً؛ لأنه لسانهم،
والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ
النِّسَاء…﴾ فنادى النبي وحده وشمل الخطاب الأمة، فالمعنى
في الآية: ما أصابكم من غنيمة أو خصب فمن تفضل الله، وما أصابكم من جدب أو غلبة
فمن أنفسكم”[3].
وهذا الوجه يمنح (ما) دلالة العموم والشمول،
سواء أُعربت موصولة أم شرطية. غير أن النحاس[4] ومكي[5] وابن الأنباري[6] ذهبوا
إلى أنها موصولة بمعنى (الذي) لأنها نزلت في شيء
بعينه شهدته الجماعة المسلمة، بينما رد العكبري ذلك مستبعداً الموصولية؛ لأنها
تقتضي تخصيص الماضي، في حين أن السياق القرآني يقتضي التعميم لكل ما أصاب ويصيب
الإنسان[7].
ذات الخلاف جرى في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ
نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: 53]؛ إذ أجاز
الفراء الشرطية بتقدير فعل محذوف (ما يكن بكم من نعمة)، كما أجاز الموصولية
بربط الخبر بالفاء تشبيهاً لها بالشرط كما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ
الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾[8]، بينما رجح محققون
آخرون الوجه الموصولي[9].
أثر القراءات في
التوجيه النحوي والدلالة الزمنية
في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ
مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]، يظهر
أثر القراءات في توجيه الأداة؛ فقد قرأ نافع وابن عامر بغير فاء “بما
كسبت”، وهي كذلك في مصاحف المدينة والشام، وقرأ الباقون بالفاء[10]. وذكر
الزجاج أن إثبات الفاء في مصاحف أهل العراق هو الأجود في العربية[11]. ورجح
النحاس[12] ومكي[13] وابن الأنباري[14] والعكبري[15] الشرطية هنا دفعاً لخصوصية
الماضي وتعميماً للزمن، في حين قطع الزمخشري بالشرطية عند وجود الفاء والموصولية
عند حذفها[16].
وقد احتج السهيلي[17] وابن القيم[18] بكون (ما) شرطية تفيد العموم في
مواضع تشبه قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا
عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: 4].
أما القضية الدلالية الكبرى فهي خروج الفعل
الماضي مع (ما) الشرطية إلى معنى المستقبل. ويرى المحققون أن
هذا الخروج ليس حكراً على أسلوب الشرط، بل يقع في صلة الموصول لغرض الاستمرارية
والثبوت، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 13] أي:
الساكن ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
وقد رد ابن قيم الجوزية على قاعدة النحاة
المشهورة بأن “الشرط والجزاء لا يتعلقان إلا بالمستقبل” مستدلاً بقوله
تعالى: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: 116]،
مؤكداً أن الشرط هنا دخل على ماضٍ لفظاً ومعنى قطعاً، واصفاً تأويلات النحاة
بالضعف والتحريف التكلفي للنص انتصاراً للقاعدة[19]. وهو ما أيّده الدكتور فاضل
السامرائي بشواهد قرآنية عديدة تبرهن على مجيء المضي في سياق الشرط كقوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ
لِينَةٍ… فَبِإِذْنِ اللهِ﴾[20].
الفروق الأسلوبية
والسياقات الخاصة
إن الفرق الجوهري يتلخص في أن الموصولية أصلها
الإخبار، بينما الشرطية أسلوب لتقوية الربط بين المبتدأ والخبر، ولذلك تدخل الفاء
الرابطة في جوابها كعلامة فارقة[21][22]. ومن الشواهد الدقيقة قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن
كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: 81]، حيث أدت قراءات فتح اللام
وكسرها إلى فتح باب إعراب (ما) بين موصولة مرفوعة
المحل أو شرطية منصوبة المحل وهو الأقوى لملاءمته سياق أخذ المواثيق[23][24].
أخيراً، يذكر النحاة أن (ما) الشرطية قد تتضمن
المعنى الظرفي الزماني إذا دخلت على فعل لازم، كقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ
لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ [التوبة: 7] أي: مدة
استقامتهم لكم[25]، وهو وجه جرى تطبيقه أيضاً في آية النساء: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم
بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ بين الشرطية الزمانية
والموصولية[26].
___________________
[1] المقتضب للمبرد 2/ 52، والواضح للزبيدي ص135، وشرح المفصل لابن
يعيش 4/ 5، وشرح شذور الذهب ص334، والبرهان للزركشي 4/ 402.
[2] المسائل البغداديات لأبي علي الفارسي ص270، وشرح الرضي على
كافية ابن الحاجب 4/ 91-92.
[3] معاني القرآن وإعرابه للزجاج 2/ 79-80.
[4] إعراب القرآن للنحاس 1/ 436-437.
[5] مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب 1/ 204.
[6] البيان في غريب إعراب القرآن لأبي البركات الأنباري 1/ 261.
[7] التبيان في إعراب القرآن للعكبري 1/ 374-375.
[8] معاني القرآن للفراء 1/ 104-105.
[9] الأمالي الشجرية 2/ 236، ومغني اللبيب لابن هشام 1/ 302.
[10] كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد ص581.
[11] معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4/ 399.
[12] إعراب القرآن للنحاس 3/ 61-62.
[13] مشكل إعراب القرآن لمكي 2/ 646.
[14] البيان للأنباري 2/ 349.
[15] التبيان للعكبري 2/ 1133.
[16] الكشاف للزمخشري 4/ 225.
[17] الروض الأنف للسهيلي 3/ 325-326.
[18] التفسير القيم لابن القيم ص527.
[19] بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية 1/ 45-46.
[20] ينظر: د. فاضل السامرائي، بحث “فعل الشرط دلالته
وزمنه”، مجلة الضاد، ص 108-112.
[21] كتاب سيبويه 3/ 102.
[22] مغني اللبيب لابن هشام 1/ 303.
[23] معاني القرآن للفراء 1/ 225، والسبعة لابن مجاهد ص213.
[24] معاني القرآن للأخفش 1/ 209، وجامع البيان للطبري 6/ 553، وسر
صناعة الإعراب لابن جني 1/ 399.
[25] نظم الفرائد وحصر الشرائد لابن المهبلي ص255.
[26] مغني اللبيب لابن هشام 1/ 302.
