أزمة الهوية و”الأمية الراجعة”: قراءة في دلالات السقوط اللغوي للمعلم المعاصر
أزمة الهوية و”الأمية الراجعة”: قراءة في
دلالات السقوط اللغوي للمعلم المعاصر
يقف التعليم في عالمنا العربي المعاصر أمام
معضلة بنيوية خطيرة تتجاوز ضعف الإمكانات المادية إلى أزمة حقيقية في الكفاءة
والمعرفة. وتتجلى هذه الأزمة بأبهى صورها الفاجعة عندما يمس التدهور المعرفي
واللغوي الفئة المنوط بها حراسة الهوية وبناء العقول، ونعني بها فئة المعلمين
الذين تحولت “الأمية الراجعة” لديهم من مجرد عارض ثقافي إلى ظاهرة
مؤسسية تهدد الأمن القومي اللغوي للأمة بأسرها.
إن المتأمل في واقعنا التعليمي المعاصر يصطدم بنتاج
رقمي مرعب؛ ففي أغسطس من عام 2008م، فجّرت وزارة التربية والتعليم المصرية قنبلة
مدوية أحدثت صدمة في الأوساط الثقافية والتربوية، وذلك عندما أعلنت نتائج اختبارات
“كادر المعلمين”. الصدمة لم تكن في مجرد رسوب عابر، بل في أرقام دلالية
مخيفة: إذ تقدم للاختبار نحو (60) ألف معلم، رسبوا جميعاً في مادة اللغة العربية! ولم يتوقف الأمر عند حدود
لغة الضاد، بل امتدت الكارثة لتشمل التخصصات العلمية الأساسية، حيث بلغت نسبة
الرسوب في الرياضيات والعلوم (60%)، بينما رسب في الجانب
التربوي (40%) من المتقدمين[1].
هذه النتيجة الصاعقة ليست معزولة عن سياقها
العربي الإقليمي، بل هي مرآة كاشفة لما لو أجري في عواصم عربية أخرى لربما جاءت
النتائج متشابهة أو أشد قتامة؛ فالظواهر السلوكية والمعرفية في المدارس والجامعات
تزودنا بيقين قاطع أن الخلل عام وليس خاصاً ببلد دون آخر.
مفهوم “الأمية الراجعة”
وتآكل المعرفة
وقبل أربعة عقود من هذا الحدث، وتحديداً في
فترات ازدهار المجلة الثقافية الشهيرة (العربي) الكويتية، كتب رئيس
تحريرها الأسبق د. أحمد زكي -يرحمه الله- مقالاً استشرافياً يحمل رؤية عميقة
لمستقبل الكفاءات في الوطن العربي. اقترح فيه ضرورة إخضاع المهندسين والأطباء وكل
ذوي التخصصات الحيوية لاختبارات دورية كل عشر سنوات. واستند في ذلك إلى فلسفة
علمية مفادها أن العلوم تتطور بشكل متسارع، وما لم يواكب المتخصص هذا السيل الجارف
من التحديث، فإن معارفه ستتعرض لحالة من التآكل المعرفي التلقائي، شبهها بسقوط أوراق
الشجر وتناثرها في الخريف بفعل حتمية العوامل الجوية[2].
وقد صاغ د. أحمد زكي من واقع خبرته ومراقبته
للمتعلمين مصطلحاً بالغ الدقة هو “الأمية الراجعة”؛
مشيراً إلى أن الكثير من الخريجين، بمجرد أن تطأ أقدامهم خارج أسوار الجامعة
ويحصلون على الشهادة الكرتونية، تنقطع صلتهم بالكتاب كلياً. هذا الانقطاع يجعل
المعارف المخزونة تتبخر تدريجياً، ليعود الشخص إلى حظيرة الأمية مجدداً بعد أن كان
متعلمًا، تماماً كما تعاود الحمى جسد المريض الذي ظن أنه شفي منها[3].
مرونة المؤسسات وضياع
ثغرة التعليم
لقد فطنت المؤسسات والشركات في القطاعين العام
والخاص مبكراً إلى هذا التدني الملحوظ في التحصيل العلمي لخريجي الجامعات
والمعاهد، حتى بين الخريجين الجدد. ولذلك، طورت هذه المؤسسات خطوط دفاع أسلوبية
لحماية جودة مخرجاتها، فلم تعد تقبل موظفاً بناءً على شهادته فقط، بل فرضت شروطاً
صارمة تشمل:
الاختبار الكتابي: لقياس المكنة العلمية الحقيقية ومدى ملاءمتها
للوظيفة.
المقابلة الشفوية: للاستيثاق من القدرات السمعية والبصرية، وقوة
الشخصية، والمنطق، وسرعة البديهة[4].
ولكن، إذا كانت الشركات قادرة على حماية نفسها
بهذه الاختبارات، فما بالنا بالمنظومة التعليمية؟ إن دور المعلم في المجتمع
المعاصر حاسم ولا غنى عنه؛ فهو اللبنة الأساسية التي ترتكز عليها خطط التنمية
والنهضة، وهو المقوّم الأساسي للمنتجات النهائية للتعليم. وعندما يثبت بالاختبار
القاطع أن معلم اللغة العربية عاجز عن اجتياز اختبار كفاءة في لغته الأم، فإننا
نكون أمام مصيبة وجودية تضرب هويتنا في مقتل. فكيف لطالب في المرحلة الثانوية أن
يستقيم لسانه ويفهم أسس لغته، وهو لا يرى في معلمِهِ قدوة لغوية أو مكنة نحوية
وبلاغية؟!
مسؤولية غائبة وتشخيص
قاصر
إن الساحة الثقافية العربية لا تكاد تخلو من
مؤتمرات عامة أو ندوات متخصصة، رسمية وأهلية، كلها تنادي بضرورة الاهتمام بلغة
الضاد، وتلقى فيها البحوث الرصينة والمطولة. غير أن المأخذ الأساسي على هذه
الفعاليات -كما يرى الكثير من المراقبين والمتابعين لما ينشر في الصحف السيارة
والمواقع الإلكترونية- أنها تكتفي دائماً بوصف المشكلة الخارجي والتباكي على ما
آلت إليه أحوال العربية، دون أن تملك الشجاعة لتوجيه أصابع الاتهام وتحديد
المسؤولية المباشرة وتحميلها لأهلها الحقيقيين[5]. ومن هنا يظل السؤال قائماً
ومشرعاً: مَن المسؤول الحقيقي عن هذا الوضع المأساوي والأزمة الطاحنة التي يعيشها
واقع لغتنا الشريفة اليوم؟
_____________________________
[1] ينظر: التقرير الرسمي لوزارة التربية
والتعليم المصرية حول نتائج اختبارات كادر المعلمين، القاهرة، أغسطس 2008م.
[2] ينظر: أحمد زكي، مقالات افتتحاحية في مجلة (العربي) الكويتية، أعداد
متفرقة، الكويت.
[3] المرجع نفسه، سياق الحديث عن الأمية
الوظيفية والارتداد الثقافي بعد التخرج.
[4] ينظر: إدارة الموارد البشرية وتطور نظم
التوظيف في المؤسسات الحديثة، دراسات تطبيقية، ص 112.
[5] ينظر: رصد لندوات حماية اللغة العربية في
الصحافة العربية والمواقع الإلكترونية، قراءات نقدية في آليات التشخيص.
