إعمالُ اسْمِ الفَاعِلِ

أ. د. محمد عبدالله سعادة

يَعْمَلُ اسْمُ الفَاعِلِ عَمَلَ فِعْلِه مُتَعَدِّيًا ولازمًا، وهو فَرْعٌ[71] مِنَ الفِعْلِ في العَمَلِ، ونَشَأَ خلافٌ بين النحاة في عَمَلِ اسْمِ الفَاعِلِ، ومَنْشَأُ الخلافِ هو حَمْلُ اسْمِ الفَاعِلِ على الفِعْلِ لَفْظًا ومَعْنًى؛ لأن طائفةً مِنَ النحاةِ تَأْخُذُ بِجَرَيَانِ اسْمِ الفَاعِلِ على الفِعْلِ في اللَّفْظِ والمَعْنَى، وطائفةً أخرى تَأْخُذُ بِجَرَيَانِه في المَعْنَى دونَ اللَّفْظِ، وتَرَتَّبَ على هذا الخلافِ خلافٌ في الفروعِ، وأَكْثَرُ النحاةِ يُعَوِّلُونَ على المُجَاراةِ اللَّفْظِيّةِ والمَعْنَوِيَّةِ؛ قال سِيبَوَيْهِ[72]: “بابٌ مِنِ اسْمِ الفَاعِلِ الذي جَرَى مَجْرَى الفِعْلِ المُضارِعِ، وذلك قولُك: هذا ضاربٌ زيدًا غدًا، فمعناه وعَمَلُه: هذا يَضْرِبُ زيدًا غدًا”.

وقال[73]: “بابٌ صار فيه الفاعِلُ بمَنْزِلَةِ الذي فَعَلَ في المَعْنَى، وما يَعْمَلُ فيه، وذلك قولُكَ، هذا الضَّارِبُ زَيْدًا، فصار في مَعْنَى: الذي ضَرَبَ زيدًا وعَمِلَ عَمَلَه”.

وقال ابنُ يَعِيشَ[74]: “واعْلَمْ أنَّ اسمَ الفَاعِلِ الذي يَعْمَلُ عمَلَ الفِعْلِ هو الجارِي مَجْرَى الفِعْلِ في اللَّفْظِ والمَعْنَى”.

وقال الرَّضِيُّ[75]: “واسْمُ الفَاعِلِ يَعْمَلُ لمشابَهةِ الفِعْلِ لَفْظًا ومَعْنًى.

ومُقْتَضَى ذلك بُطْلَانُ عَمَلِ اسْمِ الفَاعِلِ، إذا بَطَلَتِ المُشَابَهَةُ اللَّفْظِيَّةُ والمَعْنَوِيَّةُ؛ ولذلك إذا كان اسْمُ الفَاعِلِ بمَعْنَى الماضي لا يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ؛ لعَدَمِ جَرَيَانِه على الفِعْلِ، فهو مُشْبِهٌ له مَعْنًى لا لَفْظًا، فلا تَقَولُ: هذا ضاربٌ زَيدًا أَمْسِ، بل يَجِبُ إضافتُه.

شروطُ عمل اسْمِ الفَاعِلِ:

وَضَعَ النّحْوِيُّونَ شروطًا لِعَمَلِ اسْمِ الفَاعِلِ، وهو لا يَخْلُو مِن أن يكون مَقْرونًا بأَلْ، أو مُجَرَّدًا منها، فإن كان مُجَرَّدًا مِنْ (أَلْ) عَمِلَ عَمَلَ فِعْلِه إن كان حالًا أو مستقبَلًا؛ نَحْوُ: هذا ضاربٌ زيدًا الآنَ أو غدًا، وإنما عَمِلَ كما قُلْنا لجَرَيَانِه على الفِعْلِ الذي هو بمعناه، فضاربٌ يُشْبِهُ (يَضْرِبُ) في اللَّفْظِ والمَعْنَى؛ لأن المضارعَ للحالِ أوْ الِاسْتِقْبَالِ.

قال ابْنُ السَّرَّاجِ[76]: “تَقولُ: هذا ضاربٌ زيدًا، إذا أردتَ بضاربٍ ما أنتَ فيه، أوِ المُسْتَقْبَلَ كمَعْنَى الفِعْلِ المضارِع له، فإذا قلتَ هذا ضاربُ زيدٍ، تُرِيدُ به مَعْنَى المُضِيِّ فهو بمَعْنَى غلامِ زَيْدٍ، لم يَجُزْ فيه إلا هذا؛ يَعْنِي: الإضافةَ والخَفْضَ.

شروطٌ أخرى غَيْرُ كَونِه بمَعْنَى الحال والاستقبال:

أولاً: ألّا يُوصَفَ، ولا يُصَغَّرَ، وإنما اسْتَوَى التَّصْغِيرُ مع الصِّفَة في مَنْعِ العَمَلِ؛ لأن التَّصْغِيرَ وَصْفٌ في المَعْنَى، والوَصْفُ والتَّصْغِيرُ يَخْتَصَّانِ بالِاسْمِ، فيُبْعِدانِ الوَصْفَ عنِ الفِعْلِيَّةِ، فيَضْعُفُ العَمَلُ[77]، قال ابْنُ السَّرَّاجِ[78]: “ولا يُحَقَّرُ الاسْمُ إذا كان بمَعْنَى الفِعْلِ، نَحْوُ: هو ضُوَيْرِبٌ زَيْدًا، وإن كان ضاربَ زيدٍ؛ لِما مَضَى، فتَحْقِيرُه جَيِّدٌ”.

وقال الرَّضِيُّ[79]: “ويُشْتَرَطُ في اسْمِ الفَاعِلِ والمَفْعُولِ ألّا يَكونا مُصَغَّرَينِ، ولا مَوْصُوفَينِ؛ لأن التَّصْغِيرَ والوصْفَ يُخْرِجَانِه عن تَأْوِيلِه بالفِعْلِ”.

ويُعَلِّلُ السُّيُوطِيُّ عَدَمَ إعمالِ اسْمِ الفَاعِلِ المُصَغَّرِ عندَ الْبَصْرِيِّينَ، فقال[80]: “فلا يَجُوزُ: هذا ضُوَيْرِِبٌ زيدًا؛ لعدمِ وُرُودِه، ولدخولِ ما هو مِنْ خَوَاصِّ الاسْمِ عليه، فَبَعُدَ عن شَبَهِ المضارِع بتَغْيِيرِ بِنْيَتِه التي هي عُمْدَةُ الشَّبَهِ.

وأجاز الْكِسَائِيُّ[81] إعمالَ اسْمِ الفَاعِلِ المُصَغَّرِ والمَوْصُوفِ، وحَكَى عن بعضِهم: “أَظُنُّنِي مُرْتَحِلًا وسُوَيِّرًا فَرْسَخًا”، ولا حُجَّةَ له في ذلك؛ لأن (فَرْسَخًا) ظَرْفٌ يَكْتَفِي برائحةِ الفِعْلِ، والظَّرْفُ يُتَوَسَّعُ فيه.

وأَرَى أن الْكِسَائِيَّ صَرَّحَ بعَمَلِ اسْمِ الفَاعِلِ المُصَغَّرِ؛ لأن اسمَ الفَاعِلِ المُكَسَّرَ يَعْمَلُ مِثْلَ: “هؤلاءِ ضَوَارِبٌ زَيدًا”، والتَّصْغِيرُ والتَّكْسِيرُ مِن خَواصِّ الأسماء، وهما يَرُدَّانِ الأشياءَ إلى أُصولها؛ ولذا لَمَحَ الْكِسَائِيُّ هذه الصِّلَةَ بينَهما، فأجاز عَمَلَه[82].

والفَرَّاءُ[83] مَذْهَبُه مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ: وهو أن المُصَغَّرَ لا يَعْمَلُ، فلا تَقُولُ: هذا ضُوَيْربٌ زيدًا، بل يَجِبُ الإضافةُ، أمّا الكُوفِيُّونَ – غَيْرَ الفَرَّاءِ – فنَسَبَ في “الهَمْعِ” إعمالَ المُصَغَّرِ إليهم، قال السُّيُوطِيُّ[84]: “وقال الْكُوفِيُّونَ إلا الفَرَّاءَ، ووافَقَهمُ النَّحَّاسُ: يَعْمَلُ مُصَغَّرًا، بِناءً على مَذْهَبِهم أن المُعْتَبَرَ شَبَهُهُ الفِعْلَ في المَعْنَى لا الصُّورَةِ.

وأَجَازَ ابْنُ هِشَامٍ[85] وَصْفَ اسْمِ الفَاعِلِ بعدَ العَمَلِ، فَجَوَّزَ أن يَكونَ (يَبْتَغُونَ) مِن قَولِه تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ [المائدة: 2] – نَعْتًا لآمِّينَ، ورَدَّ على أبِي البَقَاءِ مَنْعَه ذلك.

 قال ابنُ عُصْفُورٍ[86]: “إنْ وُصِفَ اسْمُ الفَاعِلِ بعدَ العَمَلِ عَمِلَ، مثلُ: هذا ضارِبٌ زَيدًا عاقلٌ، وإن وُصِفَ اسْمُ الفَاعِلِ قبلَ العَمَلِ لا يَجُوزُ عملُه، فلا يُقالُ: هذا ضاربٌ عاقلٌ زَيدًا”. وأَجَازَ الْكِسَائِيُّ إعمالَه إذا وُصِفَ قبلَ العَمَلِ. واحْتَجَّ بقولِ الشَّاعِرِ[87].

إذا فَاقِدٌ[88] خَطْبَاءُ[89] فَرْخَيْنِ[90] رَجَّعَتْ[91]        ذَكَرْتُ    سُلَيْمَى    في     الخَلِيطِ     المُزَايلِ[92]

لأن (فَرْخَينِ) معمولٌ لفاقدٍ الموصوفِ بِـ (خَطْبَاءُ)، وأُجِيبَ بأنه مَنْصُوبٌ بِإِضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ (فَاقِدٌ)، تَقْدِيرُه: فَقَدَتْ فَرْخَيْنِ؛ لأنَّ “فَاقِدٌ”[93] صفةٌ غَيْرُ جارِيةٍ على الفِعْلِ في التَّأْنِيثِ، واسْمُ الفَاعِلِ إذا لم يَجْرِ على الفِعْلِ في تذكيرِه وتأنيثِه لا يَعْمَلُ.

ثانيًا: ألّا يَكونَ بمَعْنَى الماضِي؛ وذلك لعَدَمِ تَحَقُّقِ المُجَاراةِ اللَّفْظِيَّةِ، فهو يُشْبِهُ الفِعْلَ في المَعْنَى فَقَطْ؛ قال ابنُ يَعِيشَ[94]: “وقد بَيَّنْتُ ألَّا مُضَارَعةَ بين الماضي واسْمِ الفَاعِلِ إن كان في معناه، فَلَمَّا لم يَكُن بينَهما مُضارعَةُ ما بَيْنَه وبينَ الفِعْلِ إن أُرِيدَ به الحالُ أوْ الِاسْتِقْبالُ، لم يُعْمِلُوه عَمَلَه، بل يَكونُ مضافًا إلى ما بعدَه بحُكْمِ الِاسْمِيّةِ.

وقال الرَّضِيُّ[95]: إنما اشْتُرِطَ أحدُ الزَّمَانَينِ؛ ليَتِمَّ مُشابَهةُ الفِعْلِ لَفْظًا ومَعْنًى؛ لأنه إذا كان بمَعْنَى الماضي شابَهَهُ مَعْنًى لا لَفْظًا.

وقال الشَّيْخُ خَالِدٌ[96]: “لأنه إنما عَمِلَ حَمْلًا على المضارِعِ؛ لِما بينَهما مِنَ الشَّبَهِ اللَّفْظِيِّ والْمَعْنَوِيِّ، لا الماضِي؛ لأنه لم يُشْبِهْ لَفْظَ الفِعْلِ الذي هو بمَعْناهُ، خِلافًا للْكِسَائِيِّ في إِجازةِ عَمَلِهِ بمَعْنَى الماضي”.

ولا يُقالُ إن الوَصْفَ عَمِلَ[97] ماضيًا، نَحْوُ: كان زيدٌ آكِلًا طَعَامَكَ؛ لأن الأصلَ زيدٌ آكِلٌ طعامَك، فلمّا دخلتْ (كان) قُصِدَ حِكايةُ التَّرْكِيبِ السابقِ؛ ولذا قال الشَّيْخُ الخُضَرِيُّ[98]: “وإن كان بمَعْنَى الماضي لم يَعْمَلْ إلا إذا صَحَّ وُقُوعُ المُضارِعِ مَوْقِعَهُ، نَحْوُ: كان زيدٌ ضاربًا عَمْرًا أَمْسِ؛ لصحَّةِ: كان زيدٌ يَضْرِبُ، بِخِلافِ هذا ضاربٌ زيدًا أَمْسِ؛ لعدمِ صِحَّةِ يَضْرِبُ بَدَلَه.

وأجاز الكِسَائِيُّ وابنُ مَضَاءٍ وهِشَامٌ الضَّرِيرُ أن يَعْمَلَ اسْمُ الفَاعِلِ بمَعْنَى الماضي مطلقًا؛ كما يَعْمَلُ بمَعْنَى الحال والاستقبالِ سواءً، وتَمَسَّكَ بِجَوَازِ نَحْوِ: زيدٌ مُعْطِي عَمْرٍو أَمْسِ دِرْهَمًا، وقال الجمهورُ فيه: هو منصوبٌ بفِعْلٍ مدلولٍ عليه باسْمِ الفَاعِلِ، كأنه لمّا قال: (مُعْطِي عَمْرٍو) قيل: وما أَعْطَي قال دِرْهَمًا، أي: أَعْطَاهُ دِرْهَمًا[99].

قال الفَارِسِيُّ[100]: “كان أبو بَكْرٍ يقولُ في قولهم: “هذا مُعْطِي زيدٍ الدِّرْهمَ أَمْسِ”: إنَّ الدِّرْهمَ يَنْتَصِبُ بمُضْمَرٍ يَدُلُّ عليه (مُعْطِي)، ولا يَكُونُ أَنْ يَنْتَصِبَ بـ (مُعْطِي)؛ لأنه ماضٍ”.

وذَهَبَ السِّيرَافِيُّ، والأَعْلَمُ، والشَّلَوْبِينُ إلى أن (دِرْهمًا) منصوبٌ بـ (مُعْطٍ) المذكورِ، وإن كان ماضيًا؛ لقُوَّةِ شَبَهِهِ هنا بالفِعْلِ مِن حيثُ طَلَبُه ذلك المعمولَ[101].

واحْتَجَّ الْكِسَائِيُّ[102] أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ [الكهف: 18].

ولا حُجَّةَ له فيه؛ لأنه حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، ومَعْنَى حكايةِ الحالِ الماضيةِ: أن تُقَدِّرَ نَفْسَكَ كأنكَ موجودٌ في ذلك الزمانِ، أو تُقَدِّرَ ذلك الزمانَ كأنه موجودٌ الآنَ، فالمقصودُ بحكايةِ الحالِ حكايةُ المَعَانِي الكائنةِ حِينَئِذٍ، لا الألفاظِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبَهُمْ بالمضارِعِ الدَّالِّ على الحالِ، ولم يَقُلْ “وَقَلَّبْناهُمْ” بالماضي.

وقال بعضُهم[103]: لا حاجةَ إلى تَكَلُّفِ حكايةِ الحالِ؛ لأن حالَ أهلِ الكَهْفِ مُسْتَمِرٌّ إلى الآنَ، فيَجُوزُ أن يُلاحَظَ في (باسِطٌ) الحالُ، فيكونُ عاملًا.

ويَدُلُّ على بُطْلانِ مَذْهَبِ الْكِسَائِيِّ في إعمال اسْمِ الفَاعِلِ بمَعْنَى الماضي – وَصْفُه بالْمَعْرِفَةِ في قول الشَّاعِرِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ يَعْتَذِرُ للنُّعْمَانِ[104].

لَئِنْ كُنْتَ قَدْ بُلِّغْتَ عنِّي خِيانةً **  لَمُبْلِغُكَ الوَاشِي أَغَشُّ وَأَكْذَبُ

لأن (مُبْلِغُكَ) بمَعْنَى الماضي، والواشي: صِفَتُه، ولو عَمِلَ (مُبْلِغُ) لم يَتَعَرَّفْ، بل كان نَكِرَةً؛ لأن اسمَ الفَاعِلِ بمَعْنَى الماضي إضافتُه مَحْضَةٌ، وتُفِيدُ التَّعْرِيفَ.

وَيَنْبَغِي أن يُعْلَمَ أن مَحَلَّ الخلافِ في عَمَلِ اسْمِ الفَاعِلِ الماضي المجرَّدِ مِن (أل) بالنسبةِ إلى نَصْبِه المَفْعُولَ، أمّا رَفْعُه الفاعِلَ، فإن كان ضَمِيرًا بارزًا، أو مُسْتَتِرًا رفَعَه اتفاقًا بلا خلافٍ، وإن كان ظاهرًا فذَهَبَ بعضُهم إلى أنه لا يَرْفَعُهُ، وبه قال ابْنُ جِنِّي والشَّلَوْبِينُ، وذَهَبَ قومٌ إلى أنه يَرْفَعُه، وهو ظاهرُ كلام سِيبَوَيْهِ، واختاره ابنُ عُصْفُورٍ.

وشَرْطُ عَمَلِ اسْمِ الفَاعِلِ الرفْعَ في الفَاعِلِ الظاهرِ -: الاعْتِمادُ، لا كَوْنُه بمَعْنَى الحالِ أوْ الِاسْتقبالِ؛ قال الرَّضِيُّ[105]: “إنما اشْتُرِطَ فيه الحالُ والاستقبالُ للعَمَلِ في المَفْعُول لا الفَاعِلِ؛ لأنه لا يَحْتاجُ في الرَّفْعِ إلى شَرْطِ زَمَانٍ.

أما عَمَلُ اسْمِ الفَاعِلِ النَّصْبَ، فيُشْتَرَطُ فيه اجْتِماعُ الِاعْتِمادِ وكَوْنُه بمَعْنَى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ.

قال الشَّيْخُ خالِدٌ[106]: “اشْتِراطُ الجمهورِ الاعتمادَ وكَوْنَ الوَصْفِ بمَعْنَى الحالِ والاستقبالِ إنما هو للعَمَلِ في المنصوبِ، لا لمُطْلَقِ العَمَلِ؛ بدَلِيلَينِ:

أَحَدُهما: أنه يَصِحُّ “زيدٌ قائمٌ أبوه أَمْسِ”.

والثاني: أنهم لم يَشْتَرِطُوا أن يَحْسُنَ إعْمالُه عَمَلَ الفِعْلِ إلّا في هذه المواضِعِ.

وقال: “وقد قالوا: أقائمٌ أَخَوَاكَ، وأَذَاهِبٌ إِخْوَتُكَ، وما ذاهِبٌ إِخْوَتُكَ، فأَعْمَلُوا اسمَ الفَاعِلِ لمّا تَقَدَّمَ كلامٌ أُسْنِدَ إليه، وإنْ لم يَكُنْ أَحَدَ تلكَ الأشياءِ التي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، فجعلوا هَمْزَةَ الاستفهامِ وحرفَ النَّفْيِ بمَنْزَلَةِ المَوْصُوفِ: نَحْوُ: مَرَرْتُ برجلٍ قائمٍ أَخَواهُ”.

وقال الرَّضِيُّ[107]: “اعْلَمْ أن اسمَ الفَاعِلِ والمَفْعُولِ مع مُشَابَهَتِهِما للفِعْلِ لَفْظًا ومَعْنًى لا يَجُوزُ أن يَعْمَلا في الفَاعِلِ والمَفْعُولِ ابتداءً كالفِعْلِ؛ لأنَّ طَلَبَهما لهما، والعَمَلَ فيهما على خِلافِ وَضْعِهما؛ لأنهما وُضِعا على ما ذَكَرْنا للذَّاتِ المُتَّصِفَةِ بالمَصْدَرِ، والذَّاتُ التي حالُها هكذا لا تَقْتَضِي فاعِلًا ولا مَفْعُولًا، فاشْتُرِطَ للعَمَلِ إمّا تَقْوِيتُهما بذِكْرِ ما وُضِعا مُحتاجَينِ إليه، وهو ما يُخَصِّصُهما؛ كرجلٍ ضاربٍ ومضروبٍ، وإما وُقوعُهما بعدَ حرفٍ هو بالفِعْلِ أَوْلى، كحَرْفِ الاسْتِفْهامِ والنَّفْيِ”.

ومُقْتَضَى ذلك أن اسمَ الفَاعِلِ غَيْرَ المُعْتَمِدِ لا يَعْمَلُ، هذا مَذْهَبُ جمهورِ البَصْرِيِّينَ، وأَجَازَ الكُوفِيُّونَ والأَخْفَشُ إعمالَه دونَ اعتمادٍ على شيءٍ، نَحْوُ: “قائمٌ الزيدانِ”، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةٌ عَلَيهِمْ ظِلِالُهَا [الإنسان: 14]، في قراءةِ[108] مَن رَفَعَ (دانية) فقالوا: هو مُبْتَدأٌ، وظِلَالُها فاعلُه، ورُدَّ ذلك بجواز كَوْنِ (ظلالُها) مبتَدَأً، وخَبَرِه (دانية).

واسْتدَلَّ السُّهَيْلِيُّ[109] على إبطالِ (قائمٌ زيدٌ) دونَ اعتمادٍ، فقال: ما حُكِيَ عن بعضِ النَّحْوِيِّينَ مِن قولِهم: (قائمٌ زيدٌ) أن (قائمٌ) مبتدأٌ، و(زيدٌ) فاعلٌ، فقد قدَّمْنا أن هذا باطلٌ في القِياسِ؛ لأن اسمَ الفَاعِلِ اسمٌ مَحْضٌ، واشْتِقَاقَه مِنَ الفِعْلِ لا يُوجِبُ له عَمَلَ الفِعْلِ، ولكن إنَّما يَعْمَلُ إذا تَقَدَّمَ ما يَطْلُبُ الفِعْلَ، فيَقْوَى حينَئِذٍ مَعْنَى الفِعْلِ فيه، ويُعَضِّدُ هذا مِنَ السَّماعِ أنَّهم لم يَحْكُوا عنِ العَرَبِ (قائمٌ الزيدانِ) إلا على الشَّرْطِ الذي ذَكَرْناه”.

وبَيَّنَ ابنُ يَعِيشَ سببَ اعتمادِ اسْمِ الفَاعِلِ على ما قبلَه فقال[110] “اسْمُ الفَاعِلِ محمولٌ على المضارِعِ في العَمَلِ؛ للمُشابَهةِ التي ذَكَرْناها، والفروعُ أبدًا تَنْحَطُّ عن درجاتِ الأصولِ، فلمّا كانتْ أسماءُ الفَاعِلِينَ فُروعًا على الأفعالِ كانتْ أَضْعَفَ منها في العَمَلِ، والذي يُؤَيِّدُ ذلك أنك تَقُولُ: “زيدٌ ضاربٌ عَمْرًا، وزيدٌ ضاربٌ لعمرٍو”، فتَكونُ مُخَيَّرًا بين أن تُعَدِّيَه بنَفْسِه، وبينَ أن تُعَدِّيَه بحَرْفِ الجَرِّ؛ لضَعْفِه، ولا يَجُوزُ مثلُ ذلك في الفِعْلِ؛ ولذلك مِنَ الضَّعْفِ لا يَعْمَلُ حتى يَعْتَمِدَ على كلامٍ قبلَه”.

فاسْمُ الفَاعِلِ المُتَعَدِّي بنَفْسِه يَجُوزُ أن يُعَدَّى باللامِ؛ لضَعْفِه بسببِ فَرْعِيَّتِه للفِعْلِ، وكذلك المَصْدَرُ، تَقُولُ: “أنا ضاربٌ لزيدٍ، وأَعْجَبَنِي ضَرْبُكَ لزيدٍ”[111]، ويَظْهَرُ ممّا سَبَقَ أن اعتمادَ اسْمِ الفَاعِلِ يُقَوِّي فيه جانبَ الفِعْلِيَّةِ[112].

المصدر: مجلة جامعة الإمام – عدد15 – السنة: 1416هـ – ص125-154

 

___________________________

 

[71]   شرح ابن يعيش 6/78.

[72]   الكشاف 1/102.

[73]   الكتاب 1/181.

[74]   شرح المفصل 6/68.

[75]   شرح الرضي 2/205.

[76]   الأصول 1/125.

[77]   التسهيل 136، التصريح 2/65، حاشية الصبان 2/294.

[78]   الأصول 3/62.

[79]   شرح الرضي 2/8203.

[80]   الهمع 2/95.

[81]   انظر المساعد 2/191، المغني 2/75، التصريح 2/65، الأشموني 2/294.

[82]   انظر المساعد 2/192.

[83]   المساعد 2/191.

[84]   الهمع 2/95، شرح الأشموني 2/294.

[85]   المغني 2/149.

[86]   شرح الجمل 1/554.

[87]   بشر بن أبي خازم، انظر شرح ابن الناظم 430، والأشموني 2/364، واللسان (فقد) وحاشية يس 2/66.

[88]   فاقد: تفقد ولديها.

[89]   من الخطب وهو الأمر العظيم.

[90]   ولدين.

[91]   من الترجيع (إنا لله). (وكذا في حاشية الصبان على شرح الأشموني، والصواب: ترجيع الصوت بالبكاء حزنا على فراق حبيب؛ قال طرفة ابن العبد ـ يمدح أمته لحسن صوتها:

إِذَا رَجَّعَتْ فِي صَوْتِهَا خِلْتَ صَوْتَهَا        تَجَاوُبَ  أَظْآرٍ   عَلَى   رُبَعٍ   رَدِ)

[92]   المباين.

[93]   شرح الأشموني 2/295.

[94]   شرح المفصل 1/77.

[95]   شرح الرضي 2/169.

[96]   التصريح 2/65.

[97]   حاشية الصبان 2/293.

[98]   حاشية الخضري 2/25.

[99]   انظر شرح الرضي 2/200 والمساعد 1/197 والتصريح 2/66 والبحر 6/109.

[100]   المسائل البصريات 1/540 وانظر المغني 2/162.

[101]   شرح ابن الناظم 431 والمساعد 2/98 وشرح الجمل لابن عصفور 1/552.

[102]   شرح الرضي 2/201 وحاشية الصبان 2/293.

[103]   التصريح 2/66، حاشية الخضري 2/25، وحاشية الصبان 2/293.

[104]   المساعد 2/197.

[105]   شرح الرضي 2/169، التصريح 2/66، شرح الأشموني 2/294.

[106]   التصريح 2/66.

[107]   شرح الرضي 2/199.

[108]   انظر البحر 8/396 وهي قراءة أبي حيوة والقراءة ذكرها الزَّمَخْشَرِيّ في الكشاف 4/197، وانظر شرح الرضي 1/94. وشرح ابن عصفور للجمل 1/554 وشرح الأشموني 2/294.

[109]   نتائج الفكر 425.

[110]   شرح المفصل 6/78.

[111]   انظر شرح الرضي 2/201.

[112]   انظر شرح الجمل لابن عصفور 1/553.

 

ترك تعليق