أدوات الشرط الجازمة لفعلين في اللغة العربية: المفهوم والبناء وأشهر الأدوات (الجزء الثاني)

أدوات الشرط الجازمة لفعلين في اللغة العربية:

المفهوم والبناء وأشهر الأدوات (الجزء الثاني)

حرف الشرط «إن» ودوره في بناء الجملة الشرطية

إذا كانت أدوات الشرط الجازمة تختلف فيما بينها من حيث الدلالة والمعنى، فإن أداة الشرط «إن» تظل الأداة التي ينطلق منها النحويون عند الحديث عن هذا الباب، حتى إن كثيرًا من المؤلفات النحوية جعلتها الأصل الذي تُقاس عليه بقية الأدوات. ويعود ذلك إلى أنها تؤدي معنى الشرط في صورته المجردة، فلا تختص بزمان معين، ولا تدل على مكان مخصوص، ولا ترتبط بالعاقل أو بغير العاقل، وإنما تجعل تحقق جواب الشرط معلقًا على تحقق فعل الشرط فحسب. ولهذا كانت أكثر أدوات الشرط دورانًا في القرآن الكريم وكلام العرب، وأكثرها استعمالًا في الأساليب الفصيحة.

وقد لاحظ علماء العربية أن «إن» تؤدي وظيفة تتجاوز مجرد الجزم؛ فهي تنشئ في ذهن المتلقي علاقة منطقية بين حدثين، بحيث لا يُفهم الثاني إلا في ضوء الأول. وهذه العلاقة هي التي تمنح الجملة الشرطية تماسكها، وتجعلها تختلف عن مجرد اجتماع جملتين مستقلتين في سياق واحد. فلو قيل: يجتهد الطالب، ينجح، لفُهم أن هناك خبرين متتابعين، أما إذا قيل: إن يجتهد الطالب ينجح، أصبح النجاح معلقًا بالاجتهاد، وأصبح أحد الحدثين سببًا في الآخر.

ومن أوضح الشواهد على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، فقد ربطت الآية بين الطاعة والهداية ربطًا مباشرًا، وجعلت الثانية نتيجة مترتبة على الأولى. ولا يقتصر أثر الأداة هنا على بيان العلاقة المعنوية، بل يظهر أيضًا في الجانب الإعرابي؛ إذ جُزم الفعل «تطيعوا» لأنه فعل الشرط، وجُزم الفعل «تهتدوا» لأنه جواب الشرط، وعلامة الجزم في الفعلين حذف النون؛ لأنهما من الأفعال الخمسة.

ويتكرر هذا الأسلوب في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ، وقوله سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ. ويكشف التأمل في هذه الآيات عن أن «إن» لا تضيف معنى زائدًا على معنى الشرط نفسه، وإنما تترك للسياق تحديد طبيعة العلاقة بين الشرط والجواب، فقد تكون علاقة سبب ونتيجة، أو وعد وجزاء، أو تحذير وعاقبة، أو غير ذلك من المعاني التي يقتضيها المقام.

ولهذا السبب رأى كثير من النحويين أن «إن» هي الأداة التي تمثل الصورة الأصلية للشرط، في حين جاءت بقية الأدوات لتضيف إلى هذا الأصل دلالات أخرى، كالدلالة على الزمان أو المكان أو الأشخاص أو الأشياء، وهو ما يفسر كثرة ورودها في النصوص العربية مقارنة بغيرها من أدوات الشرط.


أداة الشرط «إذما» وعلاقتها بأداة «إن»

تأتي «إذما» بعد «إن» في ترتيب كثير من كتب النحو، وهي من الأدوات التي قل استعمالها في العربية إذا ما قورنت بـ«إن»، إلا أن قلة الاستعمال لا تعني قلة الأهمية؛ إذ تؤدي «إذما» الوظيفة نفسها تقريبًا، فهي تربط بين فعل الشرط وجوابه، وتجزم الفعلين المضارعين، وتجعل تحقق الجواب متوقفًا على تحقق الشرط.

ويرى جمهور النحويين أن «إذما» لا تختلف عن «إن» في أصل المعنى، وإنما اختلفت عنها في شيوع الاستعمال، ولذلك نجد معظم الشواهد الواردة عليها مأخوذة من كلام العرب وشعرهم أكثر من ورودها في القرآن الكريم. وقد استعملها العرب للدلالة على الشرط المجرد، دون أن ترتبط بزمان أو مكان أو نوع معين من الفاعل، وهو ما جعلها قريبة جدًا من «إن» من الناحية الدلالية.

ومن الأمثلة المشهورة قولهم: إذما تصدقْ على المحتاج يباركِ اللهُ في مالك. ففي هذا المثال قامت «إذما» بجزم الفعل «تصدق» لأنه فعل الشرط، كما جزمت الفعل «يبارك» لأنه جواب الشرط. ولا يختلف البناء النحوي هنا عن البناء الذي تؤديه «إن»، وإنما يظل الاختلاف مقتصرًا على اختيار المتكلم للأداة.

وقد أشار بعض علماء العربية إلى أن معرفة هذه الأداة وإن كانت قليلة الاستعمال في اللغة المعاصرة، فإنها تظل ضرورية لفهم النصوص التراثية، ولا سيما كتب الأدب والشعر وكتب النحو القديمة، إذ ترد فيها على نحو لا يمكن إغفاله عند دراسة أساليب الشرط دراسة علمية متكاملة.


اسم الشرط «من» وخصوصيته في الدلالة على العاقل

تمثل «من» انتقالًا من الحروف إلى الأسماء في أدوات الشرط؛ فهي ليست حرفًا كـ«إن» و«إذما»، وإنما هي اسم شرط جازم، وتتميز بأنها تدل في أصل وضعها على العاقل. وهذه الخصيصة هي التي تمنحها مكانة متميزة بين أدوات الشرط، إذ تجعلها مرتبطة بالأشخاص دون غيرهم في أغلب استعمالاتها.

ويتضح ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، حيث جاءت «من» للدلالة على كل إنسان يتصف بالتقوى، دون تخصيص لشخص بعينه. وقد ترتب على هذا العموم أن أصبح الوعد الوارد في جواب الشرط عامًا لكل من تحقق فيه الشرط، وهو ما يعكس جانبًا من بلاغة الأسلوب القرآني في الجمع بين الإيجاز والشمول.

ومن الناحية الإعرابية، تعد «من» اسم شرط جازم مبنيًا على السكون، وتجزم فعلين مضارعين؛ الأول فعل الشرط، والثاني جواب الشرط. ففي الآية السابقة جُزم الفعل «يتقِ» بحذف حرف العلة، بينما جُزم الفعل «يجعلْ» بالسكون، لاختلاف بنية كل فعل منهما. ويبين هذا المثال أن علامة الجزم لا تكون واحدة في جميع الأفعال، وإنما تختلف باختلاف نوع الفعل وصيغته الصرفية.

ولا تقتصر دلالة «من» على مجرد الربط بين الجملتين، بل تضيف كذلك معنى العموم، لأنها لا تشير إلى شخص معين، وإنما تشمل كل من يتحقق فيه الوصف المذكور بعد الأداة. ولهذا تكثر في الآيات والأحاديث التي تقرر قواعد عامة أو أحكامًا تشمل جميع الناس، لأن المقصود منها ليس فردًا بعينه، بل كل من ينطبق عليه الشرط المذكور.

اسم الشرط «ما» ودلالته على غير العاقل

تنتقل أدوات الشرط بعد الحديث عن الأسماء الدالة على العاقل إلى الأسماء التي تدل على غير العاقل، وتأتي «ما» في مقدمة هذه الأدوات؛ فهي اسم شرط جازم يختص في الأصل بغير العاقل، ويستعمل عندما يراد تعليق وقوع الجواب على شيء أو فعل أو حدث لا يدخل في باب العاقل. ويلاحظ أن هذه الأداة تحتفظ بوظيفتها الشرطية مع بقاء معناها الأصلي، ولذلك كان استعمالها واسعًا في النصوص التي تتحدث عن الأعمال والأفعال والأشياء على سبيل العموم.

ويتجلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: 197]، إذ جاءت «ما» لتشمل كل عمل خير يصدر عن الإنسان، مهما كان صغيرًا أو كبيرًا، ظاهرًا أو خفيًا. وقد أضفى هذا الأسلوب على الآية معنى العموم والشمول، فلم يقتصر الحكم على نوع معين من أعمال الخير، بل دخل فيه كل ما يصدق عليه هذا الوصف.

ومن الناحية النحوية، تعد «ما» اسم شرط جازم مبنيًا على السكون، وقد جزمت في الآية الفعل المضارع «تفعلوا» لأنه فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، كما جزمت الفعل «يعلمْه» لأنه جواب الشرط، وعلامة جزمه السكون. ويكشف هذا المثال عن أن اختلاف علامة الجزم يرجع إلى طبيعة الفعل نفسه، لا إلى اختلاف الأداة.

ولا يقتصر استعمال «ما» على النصوص القرآنية، بل وردت كثيرًا في كلام العرب شعرًا ونثرًا، لأنها تمنح المتكلم قدرة على التعبير عن العموم دون الحاجة إلى تخصيص أو تقييد. فإذا قال القائل: ما تصنعْ من معروفٍ تجدْ أثره، فقد شمل كل صور المعروف، وجعل الجزاء مترتبًا على أي عمل يندرج تحت هذا الاسم، وهو ما يبرز مرونة هذه الأداة واتساع دلالتها.

ولهذا يرى النحويون أن «ما» تؤدي وظيفتين متلازمتين؛ فهي من جهة تؤدي أثرها الإعرابي في جزم الفعلين، ومن جهة أخرى تضيف إلى الجملة معنى الشمول الذي يميزها عن كثير من أدوات الشرط الأخرى.


«مهما» بين العموم والتوكيد

إذا كانت «ما» تدل على غير العاقل على سبيل العموم، فإن «مهما» تؤدي معنى قريبًا منها، غير أنها تضيف في كثير من السياقات معنى المبالغة في العموم أو توكيده، ولذلك عدها بعض النحويين من الأدوات التي تُشعر بأن الحكم لا يخرج عنه شيء مما يدخل في مدلولها.

ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [الأعراف: 132]. وقد استعملت «مهما» هنا للدلالة على أن فرعون وقومه أعلنوا رفضهم الإيمان مهما تكن الآية التي يأتي بها موسى عليه السلام، فكأنهم نفوا وجود أي آية يمكن أن تغير موقفهم، وهو ما أكسب الكلام قوة في المعنى وشمولًا في الدلالة.

ويلاحظ في هذا المثال أن «مهما» لم تقتصر على مجرد إنشاء علاقة شرطية، بل ساعدت على إبراز تعنت القوم وإصرارهم على الكفر، وهو ما يدل على أن اختيار أداة الشرط ليس أمرًا عارضًا، وإنما يرتبط بالسياق البلاغي والمعنى الذي يراد إيصاله إلى المتلقي.

وفي الاستعمال العربي يقال: مهما تبذلْ من جهدٍ تنلْ ثمرة عملك، فتفيد الأداة أن الجزاء مترتب على أي مقدار من الجهد، سواء أكان قليلًا أم كثيرًا، وهو ما يفسر وصفها بأنها من أدوات العموم.

ومن الجانب الإعرابي، تعمل «مهما» عمل بقية أسماء الشرط الجازمة، فتجزم فعل الشرط وجوابه، وتكون مبنية على السكون في محل يناسب موقعها من الجملة. ولا يختلف عملها الإعرابي عن عمل «ما»، وإنما يظهر الفرق بينهما في الدلالة والسياق الذي يختاره المتكلم.


اسم الشرط «أي» واتساع دلالته

تُعد «أي» من أكثر أسماء الشرط مرونة واتساعًا في الاستعمال، لأنها لا تلتزم معنى واحدًا كما هو الحال في «من» أو «ما»، وإنما تتحدد دلالتها بحسب الاسم الذي تضاف إليه. ولهذا كانت صالحة للدلالة على العاقل، وعلى غير العاقل، وعلى الزمان، وعلى المكان، بل قد تدل على غير ذلك بحسب السياق.

وهذه الخاصية جعلت «أي» تحتل منزلة متميزة بين أدوات الشرط، إذ يستطيع المتكلم أن يستخدمها في صور متعددة دون أن يخرج عن أحكامها النحوية. فإذا قال: أيُّ طالبٍ يجتهدْ ينجحْ، كانت دالة على العاقل، أما إذا قال: أيَّ كتابٍ تقرأْ تستفدْ منه، أصبحت دالة على غير العاقل، وإذا قال: أيَّ يومٍ تزُرْني أُكرمْك، تحولت إلى الدلالة على الزمان.

ويُلاحظ كذلك أن «أي» تختلف عن أكثر أدوات الشرط في كونها اسمًا معربًا، وليست مبنية. فهي تعرب بحسب موقعها من الجملة، ويظهر الإعراب عليها إذا أضيفت، في حين يبقى عملها في جزم الفعلين ثابتًا لا يتغير. وقد عد النحويون هذه السمة من أبرز الخصائص التي تنفرد بها «أي» عن بقية أسماء الشرط.

ولا يقتصر أثر هذه الأداة على الجانب النحوي، بل تمتد أهميتها إلى الجانب البلاغي أيضًا، لأنها تمنح المتكلم قدرًا كبيرًا من الحرية في التعبير، وتساعده على توجيه المعنى نحو الشخص أو الشيء أو الزمان أو المكان الذي يريد الحديث عنه، دون الحاجة إلى تغيير الأداة نفسها، وإنما يكتفي بتغيير المضاف إليه.

ومن هنا يمكن القول إن «أي» تمثل أوسع أدوات الشرط من حيث القدرة على التنوع الدلالي، ولذلك أفرد لها النحويون مباحث خاصة عند الحديث عن أسماء الشرط، وبينوا أحكام إضافتها وإعرابها وعملها، نظرًا لما تتميز به من خصائص لا تجتمع في غيرها من الأدوات.

ترك تعليق