أدوات الشرط الجازمة لفعلين في اللغة العربية: المفهوم والبناء وأشهر الأدوات (الجزء الأول)
أدوات الشرط الجازمة لفعلين في اللغة العربية:
المفهوم والبناء وأشهر الأدوات (الجزء الأول)
مقدمة
يحظى أسلوب الشرط بمكانة متميزة بين أساليب العربية؛ لأنه يجمع بين سلامة التركيب ودقة الدلالة، ويُظهر قدرة اللغة العربية على التعبير عن العلاقات المنطقية بين الأحداث والأفعال. فاللغة لا تكتفي بذكر وقوع حدثين متتاليين، وإنما تربط بينهما بعلاقة تجعل حصول أحدهما متوقفًا على تحقق الآخر، وهو ما يمنح الكلام قوة في المعنى وإحكامًا في البناء.
وقد اعتنى علماء العربية بهذا الباب عناية كبيرة منذ البدايات الأولى لتدوين النحو، فتناولوه بالشرح والتحليل، وبيّنوا أدواته وأقسامه وأحكامه، كما أفردوا لكل أداة من أدوات الشرط خصائص تميزها عن غيرها من الأدوات. ولم يكن هذا الاهتمام نابعًا من كثرة استعمال أسلوب الشرط فحسب، وإنما من كثرة وروده في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وكلام العرب الفصحاء، حتى أصبح فهمه ضرورة لكل من يريد التمكن من علوم العربية.
وتظهر أهمية دراسة أدوات الشرط الجازمة لفعلين في أنها تمثل القسم الأكبر من أدوات الشرط، كما أنها تضم أدوات تختلف في معانيها ودلالاتها؛ فمنها ما يدل على العاقل، ومنها ما يدل على غير العاقل، ومنها ما يختص بالزمان أو المكان، ومنها ما يؤدي معنى الشرط المجرد دون أن يقترن بدلالة أخرى. وهذا التنوع يمنح اللغة العربية مرونة كبيرة في التعبير، ويجعل لكل أداة موضعًا يناسبها بحسب السياق.
ومن الأخطاء الشائعة لدى كثير من الدارسين الاقتصار على حفظ أسماء أدوات الشرط وعلامات الجزم، دون الوقوف على المعاني الدقيقة التي تميز كل أداة من الأخرى. ولهذا فإن دراسة هذا الباب ينبغي أن تقوم على فهم الوظيفة النحوية والدلالة المعنوية في آن واحد، لأن الإعراب لا ينفصل عن المعنى، ولا يمكن إدراك أسرار الأسلوب العربي إلا بالنظر إلى الجانبين معًا.
وسيعرض هذا المقال أدوات الشرط الجازمة لفعلين وفق ترتيبها المشهور عند النحويين، مع بيان مفهوم الجملة الشرطية، وأركانها، وطريقة عمل أدوات الشرط، ثم شرح الأدوات الأولى شرحًا تفصيليًا مدعومًا بالأمثلة والشواهد، مع ربط المسائل بعضها ببعض حتى تتكون لدى القارئ صورة متكاملة عن هذا الباب.
مفهوم أدوات الشرط الجازمة لفعلين
تنقسم أدوات الجزم في النحو العربي إلى قسمين رئيسيين؛ قسم يختص بجزم فعل مضارع واحد، وقسم آخر يجزم فعلين مضارعين، ويُعرف هذا القسم الثاني باسم أدوات الشرط؛ لأنها تؤدي وظيفة تتجاوز مجرد الجزم، إذ تربط بين حدثين ربطًا يجعل وقوع الثاني معلقًا على وقوع الأول، فلا يتحقق الجواب إلا إذا تحقق الشرط أولًا¹.
ومن هنا يتبين أن الجملة الشرطية ليست مجرد تركيب نحوي، وإنما هي بناء لغوي يقوم على علاقة سببية أو ارتباط منطقي بين جزأين، ولذلك كانت أدوات الشرط عنصرًا أساسيًا في هذا البناء؛ لأنها الوسيلة التي تُنشئ هذه العلاقة وتوضحها للقارئ أو السامع.
وعندما يقول المتكلم: إن تجتهد تنجح، فإن المقصود ليس الإخبار بوقوع الاجتهاد والنجاح فحسب، وإنما بيان أن النجاح مترتب على الاجتهاد، وأن تحقق الثاني مرهون بتحقق الأول. وهذا هو المعنى الذي تقوم عليه جميع أدوات الشرط الجازمة، وإن اختلفت فيما بينها في الدلالات الخاصة التي تحملها كل أداة.
أركان أسلوب الشرط
يقوم أسلوب الشرط في العربية على ثلاثة أركان متلازمة، ولا يكتمل معناه إلا باجتماعها؛ لأن كل ركن يؤدي وظيفة لا يمكن أن يقوم بها غيره.
فالركن الأول هو أداة الشرط، وهي التي تتصدر الجملة، وتربط بين الشرط وجوابه، كما تكون سببًا في جزم الفعلين المضارعين في أغلب أدوات الشرط. ولا يقتصر دورها على التأثير الإعرابي، بل تؤدي أيضًا دورًا معنويًا يتمثل في تعليق وقوع الجواب على تحقق الشرط.
أما الركن الثاني فهو جملة الشرط، وهي الجملة التي تأتي بعد الأداة مباشرة، وتشتمل على الفعل الذي يسمى فعل الشرط، وسمي بهذا الاسم لأنه يمثل الأمر الذي يتوقف عليه تحقق الحكم اللاحق. ويكون هذا الفعل مضارعًا مجزومًا إذا كانت الأداة من الأدوات الجازمة.
ويتمثل الركن الثالث في جملة جواب الشرط أو جزائه، وهي النتيجة التي تترتب على تحقق الشرط. ويُسمى الفعل الواقع فيها جواب الشرط لأنه جاء جوابًا لما قبله، كما يسمى جزاء الشرط لأن مضمونه يمثل الجزاء المترتب على تحقق الشرط.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأركان على أنها أجزاء منفصلة، بل هي عناصر متكاملة يشد بعضها بعضًا، فإذا غاب أحدها اختل البناء أو تغير المعنى، ولذلك حرص النحويون على بيان أحكام كل ركن وعلاقته بما يجاوره.
تطبيق عملي على أسلوب الشرط
من أوضح الأمثلة التي تجسد هذا البناء قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
تمثل هذه الآية نموذجًا مكتمل الأركان لأسلوب الشرط. فقد جاءت الأداة (إن) في صدر الكلام لتربط بين فعلين، ثم تلاها فعل الشرط (تنصروا)، وهو فعل مضارع مجزوم بحذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، ثم جاء جواب الشرط في قوله تعالى (ينصركم)، وهو فعل مضارع مجزوم بالسكون.
ولا يقتصر جمال هذا المثال على الجانب النحوي، بل يظهر فيه أيضًا الجانب البلاغي؛ إذ جعلت الآية الكريمة نصر الله لعباده مترتبًا على قيامهم بنصرة دينه، فارتبط السبب بالنتيجة ارتباطًا وثيقًا، وهو المعنى الذي تقوم عليه جميع أساليب الشرط في العربية.
ومن خلال هذا المثال يتضح أن أدوات الشرط لا تغير حركة الفعلين فحسب، بل تضيف إلى الكلام معنى التعليق والارتباط، وهو معنى لا يمكن أن يتحقق لو حُذفت أداة الشرط من الجملة.
الأداة الأولى: إن
تُعد أداة الشرط «إن» أصل أدوات الشرط الجازمة، ولذلك بدأ بها النحويون عند شرح هذا الباب. وهي حرف شرط جازم باتفاق أكثر علماء النحو، وظيفته أن يربط بين فعل الشرط وجوابه، وأن يجعل تحقق الجواب معلقًا على تحقق الشرط دون أن يدل بذاته على زمان أو مكان أو عاقل أو غير عاقل. ولهذا كانت «إن» أوسع أدوات الشرط استعمالًا وأعمها دلالة.
ومن أمثلة عملها قول الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة: 50]. ففي هذه الآية جاءت «إن» حرف شرط جازم، وجزمت الفعل المضارع «تصبك» لأنه فعل الشرط، وجزمت كذلك الفعل المضارع «تسؤهم» لأنه جواب الشرط وجزاؤه. وعلامة الجزم في الفعلين السكون، لأن كلا منهما فعل مضارع صحيح الآخر.
ويظهر من المثال أن وقوع جواب الشرط «تسؤهم» قد عُلِّق على وقوع فعل الشرط «تصبك»، فالحسنة إذا أصابت المؤمن ساء ذلك المنافقين. وهذا هو المعنى الجوهري الذي تؤديه «إن» في جميع استعمالاتها الشرطية، إذ تربط بين السبب والنتيجة أو بين الشرط وجوابه.
وقد وردت «إن» في مواضع كثيرة من القرآن الكريم تؤدي هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: 133]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]. ففي كل هذه الأمثلة نجد أن الفعل الأول هو فعل الشرط، والفعل الثاني هو جواب الشرط، وقد جزمتهما الأداة «إن».
الأداة الثانية: إذما
تأتي «إذما» في باب الشرط بمعنى قريب من «إن»، فهي أداة شرط جازمة تجزم فعلين مضارعين، أحدهما فعل الشرط والآخر جواب الشرط وجزاؤه. وقد اختلف النحويون في حقيقتها؛ فذهب أكثرهم إلى أنها حرف شرط جازم، لأنها لا تدل على معنى مستقل سوى تعليق الجواب على الشرط، شأنها في ذلك شأن «إن».
ومن أمثلة استعمالها قولنا: إذما تفعلْ خيرًا تُجزَ عليه. ففي هذا المثال جزمت «إذما» الفعل المضارع «تفعل» لأنه فعل الشرط، وجزمت الفعل المضارع «تجز» لأنه جواب الشرط. وعلامة الجزم في الفعلين السكون.
وتفيد «إذما» تعليق وقوع الجواب على وقوع الشرط دون دلالة خاصة على زمان أو مكان أو نوع معين من الفاعل أو المفعول. ولهذا تعد قريبة جدًا من «إن» في المعنى والاستعمال، وإن كانت أقل شيوعًا منها في الكلام العربي.
الأداة الثالثة: من
تختلف «من» عن الأداتين السابقتين في أنها اسم شرط جازم، وليست حرفًا. وهي موضوعة في الأصل للدلالة على العاقل، ثم ضُمِّنَت معنى الشرط، فأصبحت تجزم فعلين مضارعين. وتأتي مبنية على السكون في محل رفع أو نصب أو جر بحسب موقعها في الجملة.
ومن أوضح أمثلتها قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2]. ففي هذه الآية «من» اسم شرط جازم مبني على السكون، وقد جزمت الفعل المضارع «يتقِ» لأنه فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وجزمت الفعل المضارع «يجعلْ» لأنه جواب الشرط، وعلامة جزمه السكون.
وتدل «من» هنا على العاقل، لأن المقصود بها كل إنسان يتقي الله. ويظهر المعنى الشرطي واضحًا في تعليق جعل المخرج على تحقق التقوى، فالمخرج مترتب على الشرط المذكور في الجملة الأولى.
ومن أمثلتها أيضًا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]. ففي هذا المثال جزمت «من» الفعل «يعملْ» لأنه فعل الشرط، وجزمت الفعل «يرَهُ» لأنه جواب الشرط، وعلامة جزم الفعل الأول السكون، وعلامة جزم الثاني حذف حرف العلة.
الأداة الرابعة: ما
تأتي «ما» اسم شرط جازم يدل في الأصل على غير العاقل، ثم ضُمِّن معنى الشرط، فأصبح يجزم فعلين مضارعين. وهي مبنية على السكون، وتستعمل في تعليق وقوع الجواب على وقوع الشرط المتعلق بالأشياء أو الأعمال أو الأفعال غير العاقلة.
ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 197]. ففي هذه الآية «ما» اسم شرط جازم مبني على السكون، وقد جزمت الفعل المضارع «تفعلوا» لأنه فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وجزمت الفعل المضارع «يعلمْه» لأنه جواب الشرط، وعلامة جزمه السكون.
وتدل «ما» هنا على غير العاقل، لأن المقصود بها أي خير يفعلونه. وقد عُلِّق علم الله بهذا الخير على وقوع فعل الخير نفسه، فكان الأسلوب الشرطي وسيلة لربط العمل بنتيجته أو أثره.
الأداة الخامسة: مهما
«مهما» اسم شرط جازم يدل غالبًا على غير العاقل، وهو قريب في معناه من «ما»، إلا أنه قد يفيد معنى العموم والتوكيد في كثير من السياقات. وهي مبنية على السكون، وتجزم فعلين مضارعين: فعل الشرط وجواب الشرط.
ومن أمثلتها قولنا: مهما تُنفقْ في الخير يُخلفْه الله. ففي هذا المثال جزمت «مهما» الفعل المضارع «تنفقْ» لأنه فعل الشرط، وجزمت الفعل المضارع «يُخلفْه» لأنه جواب الشرط. وعلامة الجزم في الفعلين السكون.
ويظهر من المثال أن «مهما» تدل على عموم الشيء المنفق، أي أيَّ شيء تنفقه في الخير فإن الله يخلفه عليك. ولهذا كانت أداة مناسبة للدلالة على الشمول والاتساع في المعنى.
الأداة السادسة: أي
تتميز «أي» بأنها اسم شرط جازم معرب، بخلاف أكثر أدوات الشرط الأخرى التي تكون مبنية. وهي تستمد معناها من المضاف إليه؛ فقد تدل على العاقل إذا أضيفت إلى ما يدل على العاقل، وقد تدل على غير العاقل أو الزمان أو المكان بحسب السياق.
فإذا قلنا: أيُّ طالبٍ يجتهدْ ينجحْ، كانت «أي» هنا مضافة إلى «طالب»، فهي تدل على العاقل، وقد جزمت الفعلين «يجتهدْ» و«ينجحْ». وإذا قلنا: أيَّ يومٍ تسافرْ أرافقْك، دلت على الزمان، وجزمت الفعلين «تسافرْ» و«أرافقْك».
وهذا التنوع يجعل «أي» من أكثر أدوات الشرط مرونة في الاستعمال، لأنها لا تلتزم معنى واحدًا، بل تتحدد دلالتها بحسب ما تضاف إليه.
الخاتمة:
يتضح من هذا العرض أن أدوات الشرط الجازمة الأولى تجمع بين وظيفة نحوية تتمثل في جزم فعلين مضارعين، ووظيفة دلالية تتمثل في تعليق وقوع الجواب على وقوع الشرط. وقد رأينا أن «إن» و«إذما» تؤديان معنى الشرط المجرد، بينما تختص «من» بالعاقل، و«ما» و«مهما» بغير العاقل، وتتميز «أي» بمرونتها واتساع دلالتها بحسب المضاف إليه.
