أدوات الشرط الجازمة لفعلين في النحو العربي: شرح تفصيلي وأحكامها مع الأمثلة والإعراب (الجزء الثاني)
أدوات الشرط الجازمة لفعلين في النحو العربي:
شرح تفصيلي وأحكامها مع الأمثلة والإعراب
(الجزء الثاني)
ثانيًا: أداة الشرط (إذما)
تأتي إذما في المرتبة الثانية من أدوات الشرط الجازمة التي تعمل في فعلين مضارعين، وهي من الأدوات التي تشترك مع إن في أصل معناها؛ إذ إن كلتيهما تستعملان لتعليق وقوع جواب الشرط على وقوع فعل الشرط، دون أن تدلا على زمان معين أو مكان مخصوص أو شخص بعينه. ولهذا عدها كثير من النحاة من الأدوات التي تؤدي المعنى المجرد للشرط، فلا تضيف إلى الكلام سوى بيان العلاقة بين السبب والنتيجة.
ورغم أن استعمال إذما أقل شيوعًا من إن في الاستعمال العربي، فإنها من الأدوات الفصيحة التي وردت في كلام العرب شعرًا ونثرًا، واستشهد بها علماء النحو في مصنفاتهم عند بيان أحكام أدوات الشرط.
وقد اختلف النحاة في حقيقتها؛ فذهب جمهور البصريين إلى أنها حرف شرط جازم، شأنها شأن إن، بينما رأى بعض العلماء أنها اسم، غير أن الرأي الأول هو الأشهر والأقوى؛ لأنه يوافق طبيعة استعمالها، فهي لا يظهر فيها معنى الاسمية، وإنما وظيفتها الأساسية الربط بين الشرط وجوابه.
عمل (إذما) في الجملة
إذا دخلت إذما على جملة الشرط فإنها تجزم فعلين مضارعين، أولهما فعل الشرط، وثانيهما جواب الشرط أو جزاؤه، تمامًا كما تعمل إن.
ومن أمثلة ذلك: إذما تُحسنْ إلى الناس يحبُّوك.
ففي هذا المثال:
◘ إذما: أداة شرط جازمة.
◘ تحسنْ: فعل الشرط، وهو فعل مضارع مجزوم بالسكون.
◘ يحبوك: جواب الشرط، وهو فعل مضارع مجزوم بحذف النون لأنه من الأفعال الخمسة.
ويظهر من المثال أن محبة الناس جاءت نتيجة مباشرة للإحسان إليهم، فكان الجواب مترتبًا على تحقق الشرط.
ومن الأمثلة أيضًا:
إذما تلتزمْ الصدق تنلْ ثقة الناس.
فالالتزام بالصدق هو الشرط، ونيل الثقة هو الجزاء، وقد ربطت الأداة بينهما ربطًا محكمًا.
الفرق بين (إن) و(إذما)
قد يتساءل الدارس: إذا كانت إذما تؤدي المعنى نفسه الذي تؤديه إن، فما الحاجة إليها؟
والجواب:
أن اللغة العربية تمتاز بتعدد أدواتها مع اتحاد المعنى الأصلي، مما يمنح المتكلم سعة في التعبير وتنوعًا في الأسلوب. ولهذا نجد أن إن هي الأكثر دورانًا في القرآن الكريم، بينما جاءت إذما في كلام العرب وشواهدهم، واستشهد بها النحويون لإثبات أحكامها.
ومن جهة العمل النحوي فلا يكاد يوجد فرق بين الأداتين؛ فكلتاهما تجزمان فعلين مضارعين، وتربطان بين الشرط وجوابه، ولا تدلان على زمان أو مكان أو عاقل أو غير عاقل.
وقد استشهد النحاة بقول الشاعر:
**وإنك إذما تأتِ ما أنت آمرٌ به تُلفِ مَن إياه تأمرُ آتيا.**⁵
فقد جزمت إذما الفعلين تأتِ وتلفِ، وحذف من كل منهما حرف العلة لوجود الجازم.
وهذا الشاهد يؤكد أن العرب استعملت هذه الأداة استعمالًا صحيحًا، وإن كان أقل من استعمال إن.
ثالثًا: أداة الشرط (من)
تعد من أول أسماء الشرط الجازمة، وهي تختلف عن الأداتين السابقتين في أنها ليست حرفًا، وإنما اسم شرط مبني على السكون، وضع في الأصل للدلالة على العاقل، ثم ضُمِّن معنى الشرط، فأصبح يجزم فعلين مضارعين.
ولهذا إذا أردت أن تعلق الحكم بشخص أو إنسان أو كل من يعقل، فإن من تكون الأداة المناسبة لذلك.
ويظهر هذا المعنى في كثير من النصوص الشرعية، لأن التكليف الشرعي يتعلق بالعقلاء، ولهذا وردت من في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.
عمل (من)
تجزم من فعلين مضارعين:
◘ فعل الشرط.
◘ جواب الشرط.
وتفيد أن الحكم يشمل كل من ينطبق عليه مضمون الشرط، دون تخصيص لشخص معين.
فإذا قلت: من يجتهدْ ينجحْ.
فالمعنى لا يختص بطالب معين، وإنما يشمل كل من تحقق فيه الاجتهاد.
وهذا من خصائص أسماء الشرط؛ إذ إنها تفيد العموم والشمول.
شواهد قرآنية
من أعظم الشواهد قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2].⁶
وهذه الآية من أجمع الآيات في بيان أثر التقوى.
فقد جاءت من اسم شرط جازم.
وجزمت الفعل الأول:
يتقِ، وعلامة جزمه حذف حرف العلة.
وجزمت الفعل الثاني:
يجعلْ، وعلامة جزمه السكون.
ويتبين من الآية أن جعل المخرج من الكربات ليس أمرًا عشوائيًا، بل هو ثمرة للتقوى، ولهذا جاء بأسلوب الشرط الذي يربط السبب بنتيجته.
◘ ومن الآيات أيضًا: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ [الطلاق: 11].⁷
◘ وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7].⁸
◘ وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 8].⁹
وجميع هذه الشواهد تؤكد أن من تدل على عموم العقلاء، وأن الجزاء فيها مترتب على العمل مباشرة.
لماذا خصصت (من) بالعاقل؟
الأصل في اللغة العربية أن من تستعمل لمن يعقل، سواء أكان فردًا واحدًا أم جماعة، ولهذا كانت أنسب أدوات الشرط عند الحديث عن الإنسان.
أما إذا كان المقصود شيئًا غير عاقل، فإن العرب تستعمل غالبًا ما أو مهما، كما سيأتي بيانه في المباحث التالية.
وهذا التفريق بين أدوات الشرط من دقائق العربية التي ينبغي مراعاتها؛ لأن لكل أداة مجالًا يغلب استعمالها فيه، وإن كانت قد تخرج عن أصلها في بعض الأساليب البلاغية.
ممتاز، وسأواصل بنفس المنهج، مع الحرص على أن تكون إعادة الصياغة موسعة وقريبة من حجم النص الأصلي.
رابعًا: أداة الشرط (ما)
تُعد ما من أشهر أسماء الشرط الجازمة، وهي تختلف عن أداة الشرط من في أن استعمالها الأصلي يكون لغير العاقل، ثم ضُمِّنَت معنى الشرط فأصبحت تعمل عمل أدوات الشرط الجازمة، فتجزم فعلين مضارعين، أولهما فعل الشرط، وثانيهما جواب الشرط أو جزاؤه.
وقد أكثر القرآن الكريم من استعمال هذه الأداة في المواضع التي يراد فيها الحديث عن الأعمال، أو الأشياء، أو الأفعال، أو كل ما لا يدخل في باب العقلاء، ولذلك جاءت في آيات كثيرة تبين أن الجزاء مترتب على ما يقدمه الإنسان من خير أو شر.
ويلاحظ أن ما تؤدي معنيين في آنٍ واحد؛ فهي تدل أولًا على غير العاقل، ثم تفيد ثانيًا معنى الشرط، فيصبح مضمون الجواب معلقًا على تحقق مضمون الشرط، وهو المقصود من هذا الأسلوب.
عمل (ما) في الجملة
إذا دخلت ما على الجملة الشرطية فإنها تجزم فعلين مضارعين كما هو شأن بقية أدوات الشرط.
ومن أمثلة ذلك: ما تصنعْ من خير تجدْ أثره.
ففي هذا المثال:
◘ ما: اسم شرط جازم.
◘ تصنعْ: فعل الشرط، وهو فعل مضارع مجزوم بالسكون.
◘ تجدْ: جواب الشرط، وهو فعل مضارع مجزوم بالسكون.
وقد علقت الجملة الثانية على الأولى، فكان وجود أثر الخير مترتبًا على فعل الخير نفسه.
شاهد من القرآن الكريم
قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: 20].¹⁰
وهذه الآية من أوضح الأمثلة على عمل ما الشرطية.
فقد جزمت الفعل الأول:
تقدموا، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة.
وجزمت الفعل الثاني:
تجدوه، وعلامة جزمه كذلك حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة.
ويبرز في هذه الآية معنى عظيم، وهو أن كل عمل صالح يقدمه الإنسان لنفسه، مهما بدا صغيرًا، فإنه محفوظ عند الله تعالى، وسيجد ثوابه كاملًا يوم القيامة، بل يجد ما هو خير وأعظم أجرًا مما يتصور.
ومن لطائف التعبير أن الآية لم تقيد الخير بنوع معين، وإنما جاءت بصيغة عامة لتشمل جميع أعمال البر والطاعة، فكان الشرط عامًا، والجزاء عامًا كذلك.
شواهد أخرى
◘ ومن الآيات التي جاءت فيها ما الشرطية أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 197].¹¹
◘ وقوله سبحانه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106].¹²
وفي جميع هذه الأمثلة يتضح أن جواب الشرط مترتب على تحقق الشرط، وأن أداة الشرط عملت الجزم في الفعلين.
الفرق بين (من) و(ما)
رغم أن الأداتين تعملان العمل نفسه، فإن بينهما فرقًا في الدلالة ينبغي لطالب العربية أن ينتبه إليه.
◘ فــــ(من) تستعمل في الأصل للعاقل.
◘ أما (ما) فتستعمل في الأصل لغير العاقل.
ولذلك يقال: من يجتهد ينجح.
لأن المقصود إنسان.
ويقال: ما تصنع من خير تجده.
لأن المقصود العمل أو الفعل، وهو غير عاقل.
وهذا التفريق من القواعد المهمة في باب أسماء الشرط.
خامسًا: أداة الشرط (مهما)
تأتي مهما بعد ما في ترتيب أدوات الشرط، وهي أيضًا اسم شرط جازم، يجزم فعلين مضارعين، وتدل في أصل وضعها على غير العاقل، ولذلك فهي قريبة جدًا من ما في المعنى والاستعمال.
غير أن مهما تمتاز بأنها أوسع دلالة في إفادة العموم، ولذلك يكثر استعمالها عندما يراد شمول جميع أفراد الشيء أو جميع أنواعه، دون استثناء.
وقد اعتبرها النحاة اسمًا مبنيًا على السكون، شأنها شأن أكثر أسماء الشرط، وهي تعمل الجزم في فعل الشرط وجوابه متى استوفت شروطها.
عمل (مهما)
إذا دخلت مهما على الجملة الشرطية فإنها تجزم فعلين مضارعين.
ومن أمثلة ذلك:
مهما تنفقْ في سبيل الخير يخلفْه الله عليك.
فقد جزمت:
◘ تنفقْ: فعل الشرط.
◘ يخلفْ: جواب الشرط.
وتظهر العلاقة بين الجملتين بوضوح؛ إذ جعل الله تعالى الخلف والعوض مترتبًا على الإنفاق.
ومن الأمثلة أيضًا:
مهما تبذلْ من جهد تنلْ ثمرة عملك.
فالجزاء هنا مرتبط ببذل الجهد، وهو المعنى الذي جاءت أداة الشرط لتقرره.
دلالة (مهما)
تتميز مهما بأنها تدل على العموم والشمول أكثر من ما في كثير من المواضع.
فعندما يقال: مهما تعمل من خير تؤجر عليه.
فالمقصود جميع أنواع الخير، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وخفيها.
ولهذا كانت هذه الأداة مناسبة للأساليب التي يراد منها تعميم الحكم وعدم تخصيصه بنوع دون آخر.
شاهد من كلام العرب
استشهد النحاة بقول الشاعر زهير بن أبي سلمى:
**ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ***وإن خالها تخفى على الناس تُعلَمِ.**¹³
وقد جاءت مهما هنا اسم شرط جازم، فجزمت:
◘ تكن: فعل الشرط.
◘ تعلم: جواب الشرط.
ويريد الشاعر أن أخلاق الإنسان وصفاته، مهما حاول إخفاءها، فإنها لا تلبث أن تظهر ويعرفها الناس، لأن الطباع تغلب التصنع مع مرور الزمن.
ويعد هذا البيت من أشهر الشواهد التي يوردها علماء النحو عند الحديث عن مهما الشرطية، لما اجتمع فيه من صحة الاستعمال، وجودة المعنى، وحسن السبك.
الفرق بين (ما) و(مهما)
يجتمع الاسمان في أمور كثيرة؛ فكلاهما:
◘ اسم شرط.
◘ يجزم فعلين.
◘ يدل في الأصل على غير العاقل.
غير أن مهما أقوى في إفادة العموم والشمول، ولذلك يكثر استعمالها في المواضع التي يراد فيها استغراق جميع أفراد الشيء أو جميع أنواعه.
ولهذا يرى كثير من البلاغيين أن اختيار مهما في بعض المواضع أبلغ من اختيار ما؛ لأنها تعطي السامع شعورًا بأن الحكم لا يخرج عنه شيء.
————————–
¹⁰ سورة المزمل: الآية (20).
¹¹ سورة البقرة: الآية (197).
¹² سورة البقرة: الآية (106).
¹³ ديوان زهير بن أبي سلمى، والبيت من أشهر شواهد النحاة في باب أدوات الشرط.
