المؤلف: أبو القاسم الزَّجَّاجي

المحقق: الدكتور مازن المبارك

 

إن قال قائل: قد ذكرت أن الافعال عبارة عن حركات الفاعلين، والحركة لا تبقى وقتين، وأصحابكم البصريون يعيبون على الكوفيين القول بالفعل الدائم لهذه العلة نفسها إن الحركة لا تبقى زمانين، وانه محال قول من قال فعل دائم وقد جعلتم أنتم أيضا الافعال ثلاثة أقسام فقلتم فعل ماض، وفعل مستقبل، وفعل في الحال. فأما الماضي والمستقبل فمعقولان. ولم ينفك فعل الحال من ان يكون في حيز الماضي أو الاستقبال، وإلا رجعتم إلى ما انكرتموه.


اقرأ أيضا: الهفوات اللسانية


قيل له: الفعل على الحقيقة ضربان كما قلنا، ماض ومستقبل، فالمستقبل ما لم يقع بعد، ولا أتى عليه زمان، ولا خرج من العدم إلى الوجود والفعل الماضي ما تقضى، وأتى عليه زمانان لا أقل من ذلك؛ زمان وجد فيه، وزمان خبرفيه عنه فأما فعل الحال فهو المنكون في حال خطاب المتكلم، فلم يخرج إلى حيز المضي والانقطاع، ولا هو في حيز المنتظر الذي لم يأت وقته، فهو المتكون في الوقت الماضي وأول الوقت المستقبل / ففعل الحال في الحقيقة مستقبل، لأنه يكون أولا أولا، فكل جزء خرح منه إلى الوجود صار في حيز المضي. فلهذه العلة جاء فعل الحال بلفظ المستقبل نحو قولك زيد يقوم الآن، ويقوم غدا، وعبد الله يركب الآن، ويركب غدا. فإن أردت أن تخلصه للاستقبال أخلت عليه السين أو سوف فقلت سيقوم زيد، وسوف يركب عبد الله، فيصير مستقبلا لا غير.

سؤال على البصريين في فعل الحال.

يقال لهم: هلا كان للفعل الحال لفظ ينفرد به من المستقبل، لا يشركه فيه غيره ليعرف بلفظه أنه للحال، كما كان للماضي لفظ يعرف به أنه ماض؟

الجواب: قالوا: لما ضارع الفعل المستقبل الأسماء بوقوعه موقعها، وسائر وجوه المضارعة المشهورة التي تذكر في مواضعها مسطر في كتبهم، قوي فأعرب وجعل بلفظ واحد يقع بمعنيين حملا له على شبه الأسماء، كما أن من الأسماء ما يقع بلفظ واحد لمعان كثيرة، من ذلك العين التي يبصر بها، وعين الماء، وعيم الركية وعين الميزان، وعين القوم وهو الربيئة، والعين حاضر من المال، والعين سحابة تنشأ من قبل القبلة، والعين نفس الشيء، والعين مصدر عنت الرجل عينا إذا أصبته بعين في أشباه لهذا كثيرة جدا معروفة في اللغة. كذلك جعل الفعل المستقبل بلفظ واحد يقع لمعنيين ليكون ملحقا بالأسماء حين ضارعها. والماضي لم يضارع الأسماء فتكون له قوتها، فبقي على حاله.

المصدر: الإيضاح في علل النحو

ترك تعليق