‌‌باب القول في الاعراب، أحركة هو أم حرف

الإعراب دال على المعاني، وإنه حركة داخلة على الكلام بعد كمال بنائه. فهو عندنا حركة. نحو الضمة في قولك هذا جعفر، والفتحة من قولك رأيت جعفرا، والكسرة من قولك مررت بجعفر.وعند الكوفيين أن الإعراب يكون حركة وحرفا، فإذا كان حرفا قام بنفسه، وإذا كان حركة لم يوجد إلا في حرف. ثم قد يكون الإعراب سكونا وحذفا، وكذلك الجزم في الأفعال المضارعة، وحرفا.

المؤلف: أبو القاسم الزَّجَّاجي (المتوفى: ٣٣٧ هـ)

المحقق: الدكتور مازن المبارك

قد قلنا إن الإعراب دال على المعاني، وإنه حركة داخلة على الكلام بعد كمال بنائه. فهو عندنا حركة. نحو الضمة في قولك هذا جعفر، والفتحة من قولك رأيت جعفرا، والكسرة من قولك مررت بجعفر. هذا أصله ومن المجتمع عليه أن الإعراب يدخل على آخر حرف في الاسم المتمكن والفعل المضارع، وذلك الحرف هو حرف الإعراب. فلو كان الإعراب حرفا ما دخل على حرف. هذا مذهب البصريين. وعند الكوفيين أن الإعراب يكون حركة وحرفا، فإذا كان حرفا قام بنفسه، وإذا كان حركة لم يوجد إلا في حرف. ثم قد يكون الإعراب سكونا وحذفا، وكذلك الجزم في الأفعال المضارعة، وحرفا.

 

وهذا مما ذكرت لك أن الشيء قد يكون له أصل لم يسمع. وكل هذا يذكر في موضعه إن شاء الله.

 

فإن قال قائل: فأين يكون الإعراب سكونا وحذفا وحرفا؟ قيل له: يكون سكونا في الأفعال المضارعة السالمة اللامات، نحو لم يضرب ولم يذهب. وحذفا في هذه الأفعال إذا كانت معتلة اللامات، نحو لم يقض ولم يغز ولم يخش، ولكل شيء من هذا علة تذكر في موضعها إن شاء الله.

 

فإن قال قائل: فهل يكون الإعراب حرفا عند سيبويه وأصحابه في شيء من الكلام؟ قلنا له: هذا الذي ذكرناه هو الأصل وعليه أكثر مدار كلام العرب. وقد ذكرنا أن الشيء يكون له أصل يلزمه، ونحو يطرد فيه، ثم يعترض لبعضه علة تخرجه عن جمهور بابه، فلا يكون ذلك ناقصا للباب كما مثلنا فيما تقدم. وذلك موجود في سائر العلوم، حتى في علوم الديانات كما يقال بالاطلاق الصلاة واجبة على البالغين من الرجال والنساء، ثم نجد منهم من تلحقه علة تسقط عنه فرضها. وكما يقال من سرق من حرز قطع، وقد نجد القطع ساقطا عن بعضهم، ولهذا نظائر كثيرة فكذلك حكم الإعراب وحقيقته ما ذكرناه. ثم إنه عرض في بعض الكلام ضرورة دعت إلى جعل الإعراب حروفا وذلك في تثنية الأفعال المضارعة، وجمعها وفعل المؤنث المخاطب في المستقبل / وذلك في خمسة أمثلة من الفعل وهي يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين با هذه. علامة الرفع في هذه الأفعال الخمسة ثبات النون، وحذفها علامة الجزم والنصب.

 

فإن قيل: ما الذي أوجب تصبير الإعراب في هذه الأفعال حرفا وهو النون؟ قيل له ما قال سيبويه وهو أنه قال: الإعراب يدخل على آخر حرف في الكلمة، وذلك الحرف يسمى حرف الإعراب، وآخر حرف في هذه الأفعال النون. فلو جعلت النون حرف الإعراب لوجب ضمها في حال الرفع، وفتحها في حال النصب، وكان يلزم من ذلك أن تسكن في حال الجزم. ولو أسكنت وجب سقوط الألف التي قبلها والواو والياء لالتقاء الساكنين وكان يذهب ضمير الاثنين والجمع والمؤنث في حال تأخير الأفعال بعد الأسماء، ويسقط علم ذلك في تقديم الأفعال على الأسماء في لغة من يثنى ويجمع الفعل مقدما، فكان يصير الفعل كأنه للواحد ويبطل المعنى فلما امتنع ذلك جعلت النون نفسها علم الرفع، فلما صارت علم الرفع وجب حذفها في الجزم، لأن الجازم يحذف ما يثبت في الرفع، فإن كان في حال الرفع حال ساكن حذفه الجازم، نحو لم يقض ولم يغز ولم يخش، فجعلت النون محذوفة في الجزم لسكونها كما حذفت الواو والياء والألف لسكونها. وجعل النصب مضموما إلى الجزم، فحذفت النون فيه أيضا فقيل لم يفعلا ولم يفعلوا ولن يفعلوا، كما ضم النصب في تثنية الأسماء وجمعها إلى الخفض، لأن الجزم في الأفعال نظير الخفض في الأسماء.

 

فإن قال قائل: فإن النون في يفعلان وتفعلان وسائر هذه الأفعال متحركة وقد حكمت عليها بالسكون، وزعمت أن الجازم إذا دخل على حرف ساكن حذفه، فلم حذفت النون وهي متحركة؟ ولم زعمت أنها ساكنة؟
فالجواب في ذلك أنه يقال له: إن النون في هذه الأفعال مضارعة للسكون كما ذكرنا لأنها ليست بحرف إعراب، فلما سكنت وقبلها ساكن تحركت لالتقاء الساكنين. وليست الحركة فيها بلازمة استحقاقا فحكمها حكم الساكن، فلذلك حذفها الجازم.

 

فإن قال قائل: فهلا جعلت الحروف التي قبل هذه النون في الأفعال حروف الإعراب؟
فالجواب في ذلك أن الألف التي قبل هذه النون في يفعلان وتفعلان، والواو في يفعلون، والياء في تفعلين، ليست من بناء الفعل ولا تمامه، إنما هي ضمير الفاعلين علامة كما ذكرت لك، فلم يجز أن تكون حروف إعراب الفعل لذلك.

 

فإن قال قائل: فلم جاز أن يجيء إعراب الفعل المستقبل بعد الفاعل في قولك الزبدان يقومان، والزيدون يقومون وما أشبه ذلك؟ فقد جاءت علامة رفع الفعل على الفاعل وهي ثبات النون، وكذلك النصب والجزم، لأنهما بحذف النون وهي بعد الفاعل، أفيجوز أن يكون إعراب شيء موجودا في غيره وكون ذلك الشيء معربا؟
قيل له: إن الفعل لما كان لا يخلو من الفاعل ولا يستغنى عن ضرورة، ثم اتصل به مضمر صار كبعض حروفه. وصارت الجملة كلمة واحدة. فجاز لذلك وقوع الإعراب بعد ضمير الفاعل لما صارت الكلمة كلمة واحدة. والدليل على ذلك إسكان لام الفعل في قولك: فعلت، اسكنت اللام لئلا نتوالى في كلمة واحدة أربع متحركات، ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله تعالى.

 

الإيضاح في علل النحو