الكامل والرجز: بحر واحد أم بحران؟

الكامل والرجز: بحر واحد أم بحران؟

الكامل والرجز:

لم يكن الاقتراب بين بحري الكامل والرجز أمرًا غائبًا عن الدرس العروضي، غير أنه ظل في كثير من الأحيان محصورًا في ملاحظات عابرة. وهذا المقال ينطلق من ملاحظة جوهرية: أن التفعيلتين “متفاعلن” و”مستفعلن” لا تفترقان إلا بتسكين الثاني المتحرك. فإذا صحّ هذا، فإن الرجز ليس بحرًا مستقلًّا، بل هو صورة من صور الكامل. ويترتب على هذا أن ما نسميه “الرجز” هو في حقيقته ضرب من أضرب الكامل. ويستند الباحث في ذلك إلى شواهد شعرية متعددة، وإلى آراء عدد من العلماء. ثم يعرض صور الكامل التام بأضربه الستة، ليكشف عن وحدة الأصل بين البحرين. وهذا ما يجعل هذا المقال مدخلًا ضروريًّا لدراسة الكامل والرجز دراسة جديدة.

توطئة: الفارق الوحيد بين الكامل والرجز

يُبنى بحر “الكامل” على “متفاعلن” ست مرات. فإذا ما زُوحفت “متفاعلن” بالإضمار؛ أي: سُكّن ثانيها المتحرك، فإنها تصبح “مستفعلن“.

وعلى هذا فإنْ وردت “مستفعلن” في بيت ما من الشعر خمس مرات، ووردت “متفاعلن” مرة واحدة، حكمنا على هذا البيت بأنه من بحر الكامل، مثل:

عَهْدِي بِهَا حِينًا وَفِيهَا أَهْلُهَا … وَلِكُلِّ دَارٍ نَقْلَةٌ وَبَدَلْ

عهدي بها حينن وفي ها أهلها … ولكل لدا رن نقلتن وبدل

مستفعلن مستفعلن مستفعلن … متفاعلن مستفعلن فعلن

/ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه/ه//ه … ///ه//ه /ه/ه//ه ///ه

فقد وردتْ “مستفعلن” في هذا البيت أربع مرات، ومع هذا نحكم عليه بأنه من بحر الكامل لوجود “متفاعلن” فيه.

أما إذا وردت “مستفعلن” ست مرات، فإنه يمكننا أن نحكم على مثل هذا البيت بأنه من بحر “الرجز” مثل:

دَارٌ لِسَلْمَى إِذْ سُلَيْمَى جَارَةٌ … قَفْرٌ تَرَى آيَاتِهَا مِثْلَ الزُّبُرِ

دارنلسل ماإذسلي ماجارتن … قفرنترا أاياتها مثلززبر

مستفعلن مستفعلن مستفعلن … مستفعلن مستفعلن مستفعلن

/ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه/ه//ه … /ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه/ه//ه

أو حكمنا عليه بأنه من بحر “الكامل” إنْ كان في القصيدة أبيات وردتْ فيها “متفاعلن”.

إلى هنا وليس في الأمر مشكلة.

 إشكالية البيت منقطع الهوية

المشكلة حينما تقع عيني على بيت منقطع الهُويّة تفاعيله كلها “مستفعلن”.

سأحكم عليه – بالطبع – بأنه من بحر “الرجز”. وحينئذٍ سيبرز لي من يعتب عليّ لائمًا متهمًا إياي بالتقصير، وينسب البيت إلى بحر “الكامل”؛ لأن القصيدة التي منها البيت تنتمي إليه.

مثال ذلك قول عنترة:

إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ خَيْرِ عَبْسٍ مَنْصِبًا … شَطْرِي وَأَحْمِي سَائِرِي بِالْمِنْصَلِ

إننمرؤن منخيرعب سنمنصبن … شطري وأح ميسائري بلمنصلي

مستفعلن مستفعلن مستفعلن … مستفعلن مستفعلن مستفعلن

/ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه/ه//ه … /ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه/ه//ه

هذا البيت يوحي لأول وهلة بأنه من بحر “الرجز”، ومع هذا نحكم عليه بأنه من بحر “الكامل”؛ لأن هناك تفعيلة جاءت في القصيدة على “متفاعلن”.

وهنا يدور في ذهني سؤال:

ألا يمكن أن يكون “الرجز” هذا ضربًا من ضروب “الكامل”؟

هل كون تفعيلة تأتي مُضمرة كافية بأن تحوّل البيت من بحر إلى بحر، بل من دائرة “المؤتلف” حيث الكامل، إلى دائرة “المجتلب” حيث الرجز؟

 الدعوة إلى مزج البحرين

ومن هنا بدأت تراودني فكرة أن أمزج البحرين كما فعل سابقون قبلي. فقد مزج الدكتور أمين السيد فعلًا بحر الهزج ووضعه صورة من الوافر، كما سبق الحديث عنه قبل ذلك. وقال بإمكان ذلك في الرجز، بل وصرّح بهذا الدكتور إبراهيم أنيس، وإن كان تصريحه لم يتعدَّ التصريح إلى الواقع.

لِمَ لا؟! وأنا أرى أن الكامل والرجز متماثلان تمامًا، ولم يتعدَّ الرجز كونه ضربًا من أضرب الكامل المتعددة.

سنحاول، والحكم سيكون في نهاية البحث.

سأتناسى ما يسمى ببحر “الرجز”، وسيدور حديثي على أنه ضرب – مجرد ضرب – من أضرب الكامل، وسوف أشير في الهامش إلى ما يفيد ذلك.

 صور الكامل التام

يأتي بحر الكامل على “متفاعلن” ست مرات، وله الصور الآتية:

1-            الكامل التام.

2-            الكامل المجزوء.

3-            الكامل المشطور.

4-            الكامل المنهوك.

 أولًا: أضرب الكامل التام

أ- الضرب الأول: تام سالم الضرب والعروض[2]، مثاله:

وَإِذَا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَنْ نَدًى … وَكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وَتَكَرُّمِي

وإذاصحو تفماأقص صرعنندى … وكماعلم تشمائلي وتكررمي

متفاعلن متفاعلن متفاعلن … متفاعلن متفاعلن متفاعلن

///ه//ه ///ه//ه ///ه//ه … ///ه//ه ///ه//ه ///ه//ه

ب- الضرب الثاني: مُضمر الضرب والعروض، وقد يأتي مضمرًا كله[3]، ومثاله:

إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ خَيْرِ عَبْسٍ مَنْصِبًا … شَطْرِي وَأَحْمِي سَائِرِي بِالْمِنْصَلِ

إننمرؤن منخير عب سنمصبن … شطري وأح مي سائري بلمنصلي

مستفعلن مستفعلن مستفعلن … مستفعلن مستفعلن مستفعلن

أو:

متْفاعلن متْفاعلن متْفاعلن … متْفاعلن متْفاعلن متْفاعلن

/ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه/ه//ه … /ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه/ه//ه

ج- الضرب الثالث: الضرب مقطوع[4]، والعروض سالمة، مثاله:

وَإِذَا دَعَوْنَكَ عَمُّهُنَّ فَإِنَّهُ … نَسَبٌ يَزِيدُكَ عِنْدَهُنَّ خَبَالاَ

وإذادعو نكعممهن نفإننهو … نسبنيزي دكعندهن نخبالا

متفاعلن متفاعلن متفاعلن … متفاعلن متفاعلن فعلاتن[5]

///ه//ه ///ه//ه ///ه//ه … ///ه//ه ///ه//ه ///ه/ه

د- الضرب الرابع: الضرب مضمر مقطوع والعروض مضمرة، والردف لازم فيه، مثاله:

الْقَلْبُ مِنْهَا مَسْتَرِيحٌ سَالِمٌ … وَالْقَلْبُ مِنِّي جَاهِدٌ مَجْهُودُ

القلبمن هامستري حنسالمن … ولقلبمن نيجاهدن مجهودو

مستفعلن مستفعلن مستفعلن … مستفعلن مستفعلن مفعولن

أو:

متْفاعلن متْفاعلن متْفاعلن … متْفاعلن متْفاعلن متْفاعلن

/ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه/ه//ه … /ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه/ه/ه

هـ- الضرب الخامس: مضمر مقطوع والعروض مقطوعة فقط، مثاله:

أَفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ … تَرْجُو النِّسَاءُ عَوَاقِبَ الأَطْهَارِ

أفبعدمق تلمالكب نـزهيرن … ترجننسا أعواقبل أطهاري

متفاعلن متفاعلن فعلاتن … مستفعلن متفاعلن مفعولن

///ه//ه ///ه//ه ///ه/ه … /ه/ه//ه ///ه//ه /ه/ه/ه

و- الضرب السادس: أحذ[6]، وفيه الصور الآتية:

(1) أحذّ وعروضه مثله: ومثاله:

لِمَنِ الدِّيَارُ عَفَا مَرَابِعُهَا … هَطَلٌ أَجَشُّ وَبَارِحٌ تَرِبُ

لمندديا رعفامرا بعها … هطلنأجش شوبارحن تربو

متفاعلن متفاعلن فعلن … متفاعلن متفاعلن فعلن[7]

///ه//ه ///ه//ه ///ه … ///ه//ه ///ه//ه ///ه

(2) الضرب أحذ مضمر والعروض حذاء فقط، مثاله:

وَلَأَنْتَ أَشْجَعُ مِنْ أُسَامَةَ إِذْ … دُعِيَتْ نَزَالِ وَلُجَّ فِي الذُّعْرِ

ولأنت أش جعمن أسا متإذ … دعيت نـزا لولج جفذ ذعري

متفاعلن متفاعلن فعلن … متفاعلن متفاعلن فعلن

///ه//ه ///ه//ه ///ه … ///ه//ه ///ه//ه ///ه

(3) الضرب أحذّ مُضمر، والعروض سالمة، مثاله:

لِمَنِ الدِّيَارُ بِرَامَتَيْنِ فَعَاقِلٍ … دَرَسَتْ وَغَيَّرَ آيَهَا القَطْرُ

لمندديا ببرامتي نفعاقلن … درست وغي يرأايهل قطرو

متفاعلن متفاعلن متفاعلن … متفاعلن متفاعلن فعلن

///ه//ه ///ه//ه ///ه//ه … ///ه//ه ///ه//ه /ه/ه

 

———————

 [1] منشور في كتابنا: “فن العروض قضايا وبحوث” (ص: 118 وما بعدها) الطبعة الثانية.

[2] الضرب الأول من الكامل.

[3] الضرب الأول من الرجز.

[4] والقطع: حذف السابع الساكن وتسكين ما قبله.

[5] بعض كتب العروض تذكر أنها متفاعلُ.

[6] والحذذ حذف الوتد المجموع من التفعيلة.

[7] بعض الكتب تذكر أنها متفا لكني أحافظ على الوزن الصرفي فعل ومن ثم أرى أنها (فعلن).

ترك تعليق