مراجعة استدراكية: أخطاء وتغاضيات دائرة المعارف الإسلامية (الأعداد 2 إلى 5)

مراجعة استدراكية:

أخطاء وتغاضيات دائرة المعارف الإسلامية (الأعداد 2 إلى 5)

تناول هذا النقد العلمي -المنشور في مجلة التمدن الإسلامي عام 1354هـ- الإشكالات المنهجية والعلمية التي وقعت فيها “دائرة المعارف الإسلامية” في مجلداتها الأولى (الأعداد من 2 إلى 5)، والتي غلب على تراجمها طابع الأعلام المشتهرين بالبنوة (ابن فلان). وقدّم الكاتب جملة من الاستدراكـات والتصحيحات التاريخية والفقهية، يمكن تلخيص أبرزها في النقاط الآتية:

أولاً: ملاحظات عامة حولهجْـر المصادر

الافتقار للتدقيق:

 لاحظ الباحث أن الأعداد الأولى للدائرة اقتصرت على تراجم مجتزأة، مؤكداً أن الباحث الجاد لا يكتفي بما سطرته الدائرة، بل لابد له من الرجوع إلى المصادر الأصلية لتجنب الوقوع في الأخطاء أو تلقي الكلام على عواهنه.

إهمال المادة القرآنية:

 أهملت الدائرة البحث عن لفظة (الابن) على إطلاقها، في حين أن القرآن الكريم قد حفل بمفردات (الابن، الأبناء، بنين) في مواضع عدة (كسورة هود في قصة نوح، وسورة يوسف، والقصص، والمؤمنون، والنساء)، متضمنة أحكام الميراث والوصايا وحلائل الأبناء، وهو ما كان يجب استيفاؤه.

ثانياً: تصحيحات الأعلام والمواضع

1)  الأبناء وعشائرهم (ص 66)

ورد في الدائرة ذكر (سعد بن منات)، والتصحيح: مناة بتاء مربوطة.

ذكرت الدائرة أسماء مشتهرة بالبنوة لدى الإفرنج (كافسنا لابن سينا، وأفروس لابن رشد)، لكنها أغفلت التأصيل اللغوي والفقهي الإسلامي للفظة “الابن”.

2)  ابن أبي الدنيا (ص 72)

ورد اسم كتاب (تفرج المحج بتلويح الفرج)، والصواب: المهج.

3)  ابن أبي الرجال (ص 75 – 76)

إغفال أعلام من العائلة: ترجمت الدائرة لأحمد بن صالح (ت 1092)، وأغفلت ابن حفيده الذي يحمل نفس الاسم (أحمد بن صالح بن محمد، ت 1191) وكان مشيراً للإمام المهدي العباس بن الحسين، وله حواشٍ على الكشاف. كما أهملت شخصيات بارزة من نفس الأسرة (ذرية عمر بن الخطاب) مثل: محمد بن سليمان (أويس زمانه، ت 730)، وموسى بن سليمان، ومحمد بن صالح (ت 1224).

خطأ تاريخي: زعمت الدائرة أن (زيد بن علي) توفي عام 121هـ، والصواب أنه قُتل قتلاً.

فصل الأنساب: نبه الكاتب إلى أن “ابن أبي الرجال أبا الحسن المنجم” (المترجم له في ص 74) لا يمت بصلة لأسرة علماء اليمن المذكورين.

4)  ابن أبي رندقة الطرطوشي (ص 77)

أشارت الدائرة إلى وفاته عام 520هـ ونقلت روايات أخرى (525هـ)، ونبه الكاتب إلى ضرورة عدم الخلط بينه وبين (ابن أبي زيد القيرواني) المترجم له في الصحيفة 80.

5)  ابن أبي العوجاء (ص 81)

خطأ في النسب: ورد في الدائرة أنه “خال معن بن صاعدة”، والصواب: ابن زائدة.

عزله من الكوفة: خالفت الدائرة ما ورد في تاريخ الطبري، إذ لا يوجد نص قاطع في الطبري أن محمد بن سليمان عُزل إثر قتله مباشرة، بل أورد رواية تفيد بأن المنصور عزم على عزله ثم تراجع بعد شفاعة عيسى بن علي، ورواية أخرى تشير لعزله لأمور قبيحة.

شبهة الوضع وحساب الأهلة: نفت الدائرة ما رُمي به ابن أبي العوجاء من وضع أربعة آلاف حديث إلا في سياق تبرير موقفه عند القتل. ودافعت عن طريقة الجعفريين في إثبات الأهلة، مؤكدين أنها تعتمد التحرّي الدقيق ولا تعتمد على حسابات تخالف الشريعة.

6)  ابن الأثير (ص 82 – 84)

أغفلت الدائرة -في سياق ترجمتها للإخوة الثلاثة- شخصية بارزة حملت الكنية نفسها، وهو مجد الدين محمد بن الأثير (من وزراء بغداد في عهد المغول، قُتل ودُفن بمدرسته عام 685هـ).

7)  ابن إسحاق صاحب السيرة (ص 88)

التوثيق: ضعفه ابن النديم، لكن الجمهور وثقوه وأثنوا على علمه، وقدّمه الخطيب البغدادي على غيره لسِنه وعلوّ إسناده، مبيناً أن سبب الخلاف بينه وبين الإمام مالك كان حسداً مهنياً (أنا بيطار كتبه) وليس بسبب تأليفه.

رواية السيرة: أغفلت الدائرة رواية (سلمة بن الفضل) عن ابن إسحاق، وهي الأفضل.

كتاب حروب البسوس: نبه الكاتب إلى جزء طُبع في بغداد (1928م) ونُسب لابن إسحاق تحت عنوان “تاريخ الحروب العربية”، مشككاً في صحة نسبة المخطوط المعتمد للكتاب.

موضع بلد “بقية” (ص 101): وُلد في (وانا)، والصواب الأقرب: وان.

8)  ابن تيمية (ص 112 وما بعدها)

شبهة التجسيم: رمت الدائرة ابن تيمية بالتشيُّع لمذهب التجسيم بناءً على رواية ابن بطوطة، وهو اتهام باطل فنّده خصومه بآثاره.

إغفال أشقائه ووالده: أغفلت الدائرة الإشارة إلى شقيقيه (عبدالرحمن وعبدالله) اللذين رافقاه المحنة وماتا في السجن، فضلاً عن والده شهاب الدين عبدالحليم (خطيب حران) وبعض أعلام الأسرة الآخرين الذين حملوا نفس الكنية (مثل عبدالحليم بن محمد صاحب الذخيرة، وشرف الدين أبو البركات).

خلاصة النقد:

 أظهرت المراجعة أن “دائرة المعارف الإسلامية” في مجلداتها الأولى قد اعتمدت على مصادر ثانوية أحياناً، ونقلت روايات مرجوحة، وأهملت استقراء التراجم والأنساب الدقيقة لأعلام “بني فلان”، مما استوجب تصحيحاً وتدقيقاً من علماء ومؤرخي ذلك العصر لحفظ دقة التراث الإسلامي.

ترك تعليق