الجملة الاستفهامية في الدرس الأصولي

الجملة الاستفهامية في الدرس الأصولي

 مقدمة المقال

تُعدّ الجملة الاستفهامية من الموضوعات المهمة في الدرس الأصولي، حيث يتكلم الأصوليون عن الاستفهام في مباحث الحكم الشرعي التكليفي، ويعدونه من الأساليب الشرعية الدالة على الحكم الشرعي. ويهدف هذا المقال إلى بيان الجملة الاستفهامية في الدرس الأصولي، وأدواتها، ووظائفها، وكيفية استنباط الأحكام منها.

 عناصر المقال

1- أدوات الاستفهام.

2- وظائف الاستفهام: طلب التصديق وطلب التصور.

3- الدلالة الوضعية والدلالة المجازية.

4- الاستفهام التقريري.

5- الاستفهام الإنكاري.

6- المعاني المجازية للاستفهام.

7- الاستفهام في مباحث الحكم الشرعي التكليفي.

8- الاستفهام في صيغ العموم.

9- الاستفهام في مسالك العلة.

10- الاستفهام في قوادح العلة.

أدوات الاستفهام

يتكلَّم النحاة والبلاغيون عن الجملة الاستفهاميَّة، عن أدوات الاستفهام، وإعرابها، ووظائفها.

 ويمكن إجمال ما ذكروه في الآتي:

◘ كل الكلمات التي تستعمل في الاستفهام أسماء ما عدا كلمتين، هما: هل والهمزة، فهما حرفان، وهذان الحرفان مبنيان لا محل لهما من الإعراب.

◘ أما أسماء الاستفهام: (مَن)، و(ما)، و(كم)، و(أيان)، و(أين)، و(أنى)، و(ماذا)، و(أي)، و(كيف). وسيأتي أنَّ لها معانيَ تخصُّها، وتُستعمَل فيها.

◘ وهذه الأسماء كلها مبنية أيضًا ما عدا كلمة واحدة وهي (أي)؛ لأنها تضاف إلى مفرد، فتقول: أيُّ رجلٍ جاء؟

ثانياً: وظائف الاستفهام: طلب التصديق وطلب التصور

وجملة الاستفهام جملة طلبية، فهي طلب الفهم كما يقولون، ومن ثَمَّ فإن للاستفهام وظيفتين: طلب التصديق، وطلب التصور.

الوظيفة الأولى: التصديق، هو الذي يسأل عن الجملة التي بعد كلمة الاستفهام: أصادقة هي أم غير صادقة؛ ولذلك يُجاب عنها بـ (نعم) أو (لا). ويستعمل في هذه الجملة حرفان: الهمزة وهل.

الوظيفة الثانية: طلب التصور؛ أي: تصور «المستفهم عنه»، ولا تسأل هنا عن صدق الجملة المستفهم عنها.

ثالثاً: الدلالة الوضعية والدلالة المجازية

وللدكتور عبدالعظيم المطعني- رحمه الله- بسط لوظائف الاستفهام، حيث ذكر أن للاستفهام دلالتين كسائر أساليب اللغة، فقال:

«الأولى: دلالة وضعية، وهي طلب الفهم، يعني أن المستفهم يطلب فهم شيء يجهله من المخاطب بالاستفهام؛ كقول السائل: أين الطريق؟ وما اسمك؟ ومتى حضرت؟ وإلى أين تسير؟ إذا كان المستفهم يجهل الطريق، واسم المسئول، وزمن حضوره والجهة التي يقصدها.

الثانية: دلالة مجازية، وضابطها: أن يكون المستفهم ليس في حاجة إلى فهم شيء من المخاطب بالاستفهام؛ بل هو ينشئ معانيَ يقتضيها المقام قاصدًا إعلام المخاطب بها، لا أن يستعلم هو من المخاطب عن شيء، ومثاله قولك لمن تراه ينهر أباه: أتنهر أباك؟! تريد أن تنكر عليه نهره أباه وتوبِّخه على ذلك…. ومزايا أسلوب الاستفهام تكمن في هذه الدلالة المجازية؛ لكثرة ما فيها من الأغراض واللطائف، وهذا ما يسميه البلاغيون بـخروج الاستفهام عن معانيه الوضعية إلى معانٍ أخرى مجازية تُفهَم من السياق ومقامات الكلام.

رابعاً: الاستفهام التقريري

وللاستفهام- بهذا الاعتبار- قسمان كبيران:

 الأول: الاستفهام التقريري:

 ويكون الاستفهام تقريريًّا إذا كان المستفهم عنه مثبتًا في المعنى، مثل قوله تعالى يخاطب الرسول الكريم: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]، وقول فرعون لموسى – عليه السلام -: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: 18]، وقولك لمن سبق منك إليه إحسان ومعروف: أأحسنت إليك؟

ومن ضوابط الاستفهام التقريري حلول (قد) محل أداة الاستفهام؛ أي: قد شرحنا لك صدرك، قد ربَّيناك فينا وليدًا، قد أحسنت إليك.

خامساً: الاستفهام الإنكاري

القسم الثاني: الاستفهام الإنكاري:

 ويكون الاستفهام إنكاريًّا في صورتين:

الأولى: أن يكون ما بعد أداة الاستفهام منفيًّا لا وجود له في الواقع.

◘ ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً﴾ [الزخرف: 45]؛ أي: لم نجعل ذلك قط، وقوله عز وجل في الرد على المشركين الذين زعموا أن الملائكة إناث: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: 19]؛ أي: لم يشهدوا خلق الله للملائكة حتى تكون شهادتهم سندًا لهم في دعواهم.

الثانية: أن يكون ما بعد أداة الاستفهام مثبتًا له وجود في الخارج؛ لكنه كان ينبغي ألَّا يكون أصلًا.

◘ ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2]، فالقول الواقع بعد الاستفهام واقع وله وجود في الخارج؛ لكنه كان ينبغي ألا يكون؛ لأن القول إذا لم يُصدِّقه عمل مخلص لله كان مذمومًا، وقوله تعالى في توبيخ المشركين: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28]، هذان هما القسمان الكبيران للاستفهام الخارج عن دلالاته الوضعية إلى دلالات مجازية تُفهَم من السياق ومقامات الكلام.

سادساً: المعاني المجازية للاستفهام

ويتولَّد عن هذين المعنيين الكبيرين: التقرير والإنكار، معانٍ أخرى تناسب المقام، وتراها كثيرة الدوران على ألسنة المفسرين لكتاب الله العزيز، مثل: التوبيخ، التقريع، التكذيب، النفي، التنديم، التحسير، التيئيس، التشويق، التسلية، التعزية، التسرية، الأمر، التعجيز، النهي، الحث، التحضيض، الاستبعاد، الامتنان، التبهيج، الزجر، التنبيه على الخطأ… إلخ، وهذه المعاني صالحة للردف على كل من التقرير والإنكار، وفي بعض المواضع يتبع التقرير الإنكار، والإنكار يتبع التقرير، ولهذا شيوع في صور الاستفهام في القرآن الحكيم.

وفي هذا يقول الإمام عبدالقاهر معقبًا على أمثلة ذكرها: (واعلم أن الهمزة فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان، وإنكار له لم كان، وتوبيخ لفاعله عليه).

سابعاً: الاستفهام في مباحث الحكم الشرعي التكليفي

يتكلَّم الأصوليون عن الاستفهام في مباحث الحكم الشرعي التكليفي؛ إذ يعدُّ من الأساليب الشرعيَّة الدالة على الحكم الشرعي، على ما سبق، حيث إنه يدلُّ على التحريم إن كان الاستفهام إنكاريًّا، أو توبيخيًّا، أو كان بمعنى النهي، ويدلُّ على الطلب- إيجابًا أو ندبًا- إن كان الاستفهام دالًّا على الحضِّ والترغيب، أو كان بمعنى الأمر.

يقول العز بن عبدالسلام:

«التوبيخ والإنكار إن تعلَّقا بفعل دلَّا على النهي عنه، وإن تعلَّقا بتَرْك دلَّا على الأمر بالمتروك».

ويقول التفتازاني تعليقًا على قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]: «… والاستفهام للتوبيخ والإنكار والاعتراض، وهو إنما يتوجه على تقدير كون الأمر للإيجاب ليستحق تاركه الذم».

قال الدكتور علي المطرودي معقبًا على كلام التفتازاني:

«فإذا كان إنكار التَرْك يدل على الوجوب، فإن إنكار الفعل يدل على التحريم؛ لأن الواجب ضده المحرم، وضد الترك الفعل…. كما أن الاستفهام الإنكاري لا يخلو من معنى التوبيخ واللوم والعتب، وقد قرَّر كثير من الأصوليين أن هذه الأمور لا تكون إلا في فعل مُحرَّم، أو تَرْك واجب».

ووجه الاستنباط هنا ظاهر، فيُقال- مثلًا – دلَّ الاستفهام على الإنكار والتوبيخ، ولا يكون ذلك إلَّا على ترك واجب، أو فعل محرم؛ كالاستدلال على وجوب السجود لآدم، كما في الآية السالفة، أو وجوب الجهاد، من قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ [النساء: 75].

ثامناً: الاستفهام في صيغ العموم

يتكلَّم الأصوليون عن الاستفهام عند ذكرهم لصيغ العموم، ومنها أسماء الاستفهام.

قال الجويني: «وألفاظه أربعة:… والأسماء المبهمة، كـ (من) فيمن يعقل، و(ما) فيما لا يعقل، و(أي) في الجمع، و(أين) في المكان، و(متى) في الزمان، و(ما) في الاستفهام والجزاء وغيره».

وتسميتها بالمبهمة؛ لأن «الاستفهام إنما يحسن مع إطلاق المحتمل من الألفاظ العاري، مما يدل على اللفظ إلى بعض محتملاته، وهذه قضية الاستفهام عن المراد بسائر الألفاظ المدعاة للعموم»، قاله القاضي الباقلاني.

ووجه الاستنباط من صيغ العموم ظاهر، يحتاج فقط لدخول المحكوم عليه تحت لفظ العموم حتى يأخذ حكمه.

تاسعاً: الاستفهام في مسالك العلة

يتكلَّم الأصوليون عن الاستفهام في مسالك العلة عند مسلك الإيماء والتنبيه، وفيه: أن يذكر الشارع مع الحكم شيئًا ما لو لم يعلل الحكم به، لكان ذكره لاغيًا، فيجب تعليل الحكم به صيانة لكلام الشارع عن اللغو.

يقول الطوفي عن مسلك الإيماء والتنبيه:

«وهو ضربان: أحدهما: أن يسأل في الواقعة عن أمر ظاهر لا يخفى عن عاقل، ثم يذكر الحكم عقيبه، فيدل على أن ذلك الأمر المسئول عنه علة الحكم المذكور.

مثاله: لما سئل عن بيع الرطب بالتمر، قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذن، فهذا «استفهام تقريري»؛ أي: على جهة التقرير؛ لكونه ينقص إذا يبس… وليس هذا من باب الاستعلام؛ إذ من المعلوم لكل عاقل أن الرطب ينقص إذا يبس لزوال الرطوبة الموجبة لزيادته وثقله..».

عاشراً: الاستفهام في قوادح العلة

يتكلَّم الأصوليون عن الاستفهام في قوادح العلَّة عند حديثهم عن قادح الاستفسار، على خلاف بينهم هل هو قادح واعتراض أم لا.

قال المرداوي:

«وَكَانَ الْإِسْنَوِيُّ يَقُول: فِي كَونه من الاعتراضات نظر؛ لِأَنَّهُ طَلِيعَة جنس الاعتراضات لَا بهَا؛ لِأَنَّهَا خدش كَلَام الْمُسْتَدلِّ، والاستفسار لَيْسَ فِيهِ خدش بل تعرف للمراد، ويتبين الْمَطْلُوب ليتوجه عَلَيْهِ السُّؤَال وَيقرب مِنْهُ حِكَايَة الْهِنْدِيِّ عَن بعض متأخِّري أهل الجدل: أَنه أنكر هَذَا السُّؤَال، وَهَذَا وَاضح؛ لِأَن غَايَته اسْتِفْهَام لَا اعْتِرَاض، وَهُوَ من الفسر، وَهُوَ لُغَة: طلب الْكَشْف والإظهار، وَمِنْه التَّفْسِير».

ترك تعليق