دور الإعراب في تنبيه المتلقي إلى الخطاب
دور الإعراب في تنبيه المتلقي إلى الخطاب
مقدمة المقال
إن اللغة العربية ليست ملكًا لأحد، وليست مقصورة على طائفة بعينها، ولكن شأنها شأن غيرها من اللغات، لها خصائص وميزات تفردها عن غيرها، وهي ليست بدعًا في ذلك، وأخصُّ سماتها “الإعراب”، وهو ليس حلية لفظية أو صوتية، أو قيدًا يغلُّ المتكلم؛ وإنما هو إبانة عن المعاني بالألفاظ، وبيان للكلام وإيضاحه، يفرق بين المعاني، ويزيل لبسها وإشكالها. ويهدف هذا المقال إلى بيان دور الإعراب في تنبيه المتلقي إلى الخطاب، من الناحية المعنوية والصوتية.
عناصر المقال
1- الإعراب: تعريفه وأهميته.
2- الإعراب والمعاني.
3- الإعراب والتنبيه الصوتي.
4- الالتفات عند الزمخشري.
5- السكاكي واعتبار حال السامع.
6- مقولة “سكّن تسلم“.
7- اللغة العربية بين الإعراب واللغات الأخرى.
أولاً: الإعراب: تعريفه وأهميته
إن اللغة العربية ليست ملكًا لأحد، وليست مقصورة على طائفة بعينها، ولكن شأنها شأن غيرها من اللغات، لها خصائص وميزات تفردها عن غيرها، وهي ليست بدعًا في ذلك، وأخصُّ سماتها “الإعراب”، وهو ليس حلية لفظية أو صوتية، أو قيدًا يغلُّ المتكلم؛ وإنما هو إبانة عن المعاني بالألفاظ [1]، وبيان للكلام وإيضاحه، يفرق بين المعاني، ويزيل لبسها وإشكالها.
ثانياً: الإعراب والمعاني
فالإعراب تغيُّر، وحركة متجددة منتظمة ليست مضطربة في جهات مختلفة، والحركة شأن الكائن الحي، واللغة العربية لغة حية، لا يمكن للمتلقي أن يتحصل على فائدة إلا إذا ربط بين مفرداتها، وعقد علاقات نسب ومصاهرة بين ألفاظها، فتتولد معانٍ أصلية، ومعانٍ زائدة عليها، تسري في الكلام مسرى الروح في البدن، بها يتفاضل البلغاء.
فلا بد إذن من اجتماع وتركيب، وإذا نحَّينا الإعراب جانبًا فأي مفردة أولى بالتقديم على تاليتها، وأيها يرفع؟ وأيها ينصب؟ وأيها يجر؟ ستكون اللغة شتاتًا مفرقًا، لا ضوابط تحكم اجتماع مفرداتها في تركيب، وستكون جميع التراكيب بقيودها المختلفة في مرتبة واحدة، فلا تتفاوت بين مقامات الكلام، ولا حاجة إلى تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره، ولا فرق بين مقتضيات الأحوال، فأي كلمة ضمت إلى أخرى أصبحت مفيدة، صالحة لجميع الأحوال والمقامات، وهذا مما لا شك في بطلانه، فـ”الألفاظ مُغلقة على معانيها حتى يكونَ الإعراب هو الذي يَفتحها، وأنَّ الأغراضَ كامنةٌ فيها حتى يكونَ هو المستخرِجَ لها، وأنه المعيار الذي لا يتبيَّن نقصان كلام ورجحانُه حتى يعرض عليه” [2]، وهذا ما يخص جانب المعاني.
ثالثاً: الإعراب والتنبيه الصوتي
أما من الناحية اللفظية الصوتية فالإعراب هو المنبه إلى حركة تصاعد المعاني، والمثير اللافت لانتباه السامع وتيقُّظه، وهذا ما نبه عليه “الزمخشري” في حديثه عن “الالتفات“، فجعل الانتقال من أسلوب إلى أسلوب أحسن تطرية وتجديدًا لنشاط السامع “وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد” [3]، وهذه أيضًا فائدة تغيُّر حركة الإعراب، فهي مثير صوتي انفعالي يوجه الذهن إلى اختلاف الصوت ومن ثمَّ يدفع إلى تأمل المعاني، والتيقظ لها، وتنشيط الأذهان، وهز القرائح.
رابعاً: السكاكي واعتبار حال السامع
وهذا ما جعل “السكاكي” يعوِّل على السامع كثيرًا في عملية الإبلاغ، فيطوي ويذكر معتبرًا حاله من العلم والجهل، ويؤكد اعتبارًا لحاله من الشك والتردد والإنكار في المقام الأول، وإذا شعر بغفلته أو سهوه عرَّض به.
خامساً: مقولة “سكّن تسلم“
أما مقولة: “سكِّن تسلم” [4] فهي حقيقة؛ لأن السامع سيسلم من يقظة الفكر، وتنبه الخاطر، فلو حاولنا نطق جملة أو جملتين كل كلمة فيها ساكنة الآخر، فإن ذلك سيكون مُمِلًّا ومدعاة إلى الانصراف عن المتكلم حتى وإن كان ذلك في اللهجة العامية، والعربية تأنف من اجتماع الساكنين؛ لثقلهما على اللسان وكَدِّه، فتُحرك الساكن، والسكون انقطاع، والإنسان مشتق من النوس وهو الحركة، وأكثر كلمات اللغة متحرك يتخللها سكون يريح اللسان، ويونق الأسماع، وهذا ما جعل “الخليل” يبني تفعيلاته على الحركة (طويلة أم قصيرة) ثم السكون، وهذا ما يمايز اللغة العربية عن غيرها من اللغات.
سادساً: اللغة العربية بين الإعراب واللغات الأخرى
وليس قدحًا فيها كما قال “توفيق الحكيم”:
“إن الإنسان في كل لغة إنسان، إلا في اللغة العربية فهو بَهْلَوان! ولما سألناه كيف ذلك؟ قال في اللغة الإنجليزية الرجل “مان”، إذا جاء فهو “مان” وإذا رأيته فهو “مان” وإذا التقيت به فهو “مان”….أما في اللغة العربية فالرجل بهلوان؛ لأنك ترفعه وتنصبه وتجره” [5]. إن ما عُدَّ عيبًا هو دليل اكتمال وحيوية ومرونة وتمايز، فالرجل في العربية يتمتع بمواهب كثيرة، وله حالات مختلفة، وفي إمكانه أن يكون في مأمن من عقاب بحسن تركيب الكلام، وسرعة بديهته، وقد يحول العقاب إلى نجاة بحسن تصرُّفه، فمتصرفات القول كثيرة، وهذا لا يعد عيبًا، أما في اللغة الأجنبية فيستعاض عن الإعراب بأفعال مساعدة تقوم مقام الإعراب، وعليه يكون الإعراب أوجز وأطرب.
——————————————–
[1] الخصائص لابن جني، ج 1 ص 35.
[2] دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، ج 1 ص 28.
[3] الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري، ج 1 ص 14.
[4] زعماء وفنانون وأدباء لكامل الشناوي، ص 131، مؤسسة هنداوي 2019م.
[5] المصدر السابق، ص 133.
