جماليات الإغراب والابتكار: دراسة تحليلية شاملة في مفهوم التشبيه المستطرف عند البلاغيين والنقاد (2)

محتويات المقال (فهرس الموضوعات):

·   المقدمة: الإطار المفهومي للاستطراف لغة واصطلاحاً.

·   الاستطراف في الاصطلاح وبراعة الصنعة.

·   وسائل وطرق الاستطراف في التشبيه:

·    أولاً الغرابة.

·   إبراز المشبه المعلوم في صورة المشبه به المعدوم.

·   أن يكون المشبه به نادر الحضور في الوجود أو في الذهن.

·   شروط التأليف بين المتباعدات وقبول الأضداد.

·   ثانياً: الاستطراف والتمثيل.

·   ثالثاً: الاستطراف والتفصيل (في الهيئات الحركية والسكونية).

·   رابعًا: الاستطراف والتخييل (عند الفلاسفة والبلاغيين).

·   خامسًا: الاستطراف والجدة والابتكار.

·   الخلاصة والنتائج البحثية.

 

جماليات الإغراب والابتكار: دراسة تحليلية شاملة في مفهوم التشبيه المستطرف عند البلاغيين والنقاد

1. المقدمة: الإطار المفهومي للاستطراف لغة واصطلاحاً

يحمل مفهوم “الاستطراف” في جذره اللغوي دلالات الاستحداث والاستغراب؛ فإذا قيل عن أمر ما إنه “طريف”، فالمقصود به أنه طيب ومستجاد ومستغرب في الثمر وغيره. وتقول العرب: “طَرُفَ الشيءُ” أي صار طريفاً. وقد نقل ابن الأعرابي عن خالد بن صفوان قوله: «خير الكلام ما طرُفت معانيه، وشرُفتْ مبانيه، والتذَّته آذان سامعيه». وإذا أطرف فلان، فإنه يأتي بطُرفة، واستطرف الشيء أي عده طريفاً واستحدثه، فالطُرفة هي الأمر المستحدث المعجب[1][2].

2. الاستطراف في الاصطلاح وبراعة الصنعة

في الاصطلاح البلاغي، يُقصد بالاستطراف إنشاء المُشبَّه في صورة تُعد “طُرفة” لجدتها وغرابته، وذلك بغية التلذذ به؛ استناداً إلى القاعدة النفسية القائلة بأن لكل جديد مستحدث لذة في الأعم الأغلب، وكما يُقال: “كل جديد مستحب”[3].

كما يصح لغوياً أن يُشتق هذا المفهوم من مادة “الظَّرْف” بالظاء، بمعنى البراعة وذكاء القلب حسن المنطق وطلاقة اللسان، ولا مانع من إرادة هذا المعنى، إذ يشمل الظرف حسن الوجه والهيئة، فيكون استظراف المشبه مرادفاً لجعله مستحسناً جميلاً لكونه يظهر في وصف أمر غريب مستحدث يدل على براعة مُوجِده وشاعريته[4][5][6].

وبناءً على ذلك، فالتشبيه المستطرف هو: التشبيه الذي يلفت الانتباه بغرابته وندرة مكونات المشبه به أو نفاستها. وهو ينبع من إبراز المشبه المعلوم في صورة المشبه به المعدوم، أو جعل المشبه به نادر الحضور في الوجود أو في الذهن[7]. وقد ذهب البلاغيون القدماء إلى أن التشبيه إذا قام على عناصر متقاربة كل التقارب، كان عادياً مبْتذلاً، حيث ذكر الفارابي أن كثيراً من الناس يجعلون محاكاة الشيء بالأمر الأبعد أتم وأفضل، ويجعلون الصانع للأقاويل التي بهذه الحال أحق بالمحاكاة وأدخل في الصناعة[8]. وفي السياق ذاته، يرى عبد القاهر الجرجاني أن الصنعة والحذق والنظر يظهران في قدرة البليغ على الجمع بين أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة، ويعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة، ولا شرفت صنعة ولا ذكر بالفضيلة عمل إلا لأنهما يحتاجان لإيجاد الائتلاف في المختلفات[9].

3. وسائل وطرق الاستطراف في التشبيه:

 أولاً الغرابة

تُعد الغرابة الوسيلة الأولى من وسائل الاستطراف، ويُقصد بها حسن الجمع بين المتباعدين والتأليف بين المتضادين، بحيث يؤول التنافر المعجمي -بواسطة الخيال- إلى تكامل سياقي[10] يكون أقدر على إثارة التأمل لما فيه من حذق ولطف وظرف. وتتجلى هذه الغرابة في مسارين أساسيين هما: إبراز المشبه في صورة الممتنع، وندرة حضور المشبه به في الذهن أو الوجود.

4. إبراز المشبه المعلوم في صورة المشبه به المعدوم

يتجلى هذا المسار بوضوح في قول الشاعر:

رَأَيْتُ فَحْمًا سَرَى فِيهِ اللَّهِيبُ حَكَى ***بَحْرًا مِنَ المِسْكِ ذَا مَوْجٍ مِنَ الذَّهَبِ

في هذا البيت، يُشبّه الفحم الذي فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب. ومن الصعب أن تتمثل في خيالك صورة بحر من المسك موجه الذهب حين تنظر إلى فحم فيه جمر موقد، ولكن الشاعر استطرف المشبه هنا لإظهاره في صورة الممتنع؛ وذلك لأن المشبه به وهو البحر من المسك الذائب وأمواجه الذهب ممتنع عادة، ونادر الحضور في الذهن، وندرة الحضور موجبة لغرابة ذلك النادر، وإذا شُبّه غير النادر بالنادر المستطرف انتقلت صفة الندرة لذلك المشبه، وصار مبرزًا في صورته فينجرُّ الاستطراف إليه[11].

إذًا، فالاستطراف هنا له جهتان: إبراز المشبه في صورة المُمتنع، وإظهاره في صورة نادر الحضور، ولا منافاة بين الجهتَيْن. فالناس في واقع حياتهم لم يروا ولن يروا مثل هذا البحر العجيب الغريب الذي لا يتحقق إلا في سبحات الخيال وأضغاث الأحلام.

ومنه أيضاً قول السري الرفاء يصف شمعة:

كَأَنَّهَا نَخْلَةٌ بِلاَ سَعَفٍ

تَحْمِلُ أتْرُجَّةً مِنَ النَّارِ

فمثل هذه النخلة بهذا الوصف الطريف الغريب لا تبرزه العادة يوماً ما، ولا هي حاضرة في الوجود. ولما كان وجه الشبه في هذا التشبيه هيئة اعتبرت في الممتنع عادة، لم يقتض أن يكون الوجه أظهر وأعرف؛ لأن هذه الهيئة في المشبه أعرف إذ هو بنفسه أظهر وأقرب إدراكاً من المشبه به، ولكن لما كان المشبه به أخفى -ومعلوم أنه يلزم من خفائه خفاء وصفه- كان التشبيه أشد استطرافاً على ما تقرر في جميع الغرائب. وليس وجه الشبه هنا هو منشأ المنع عادة، بل منشأ المنع ذات المشبه به بسبب ندرة مكوناته ونفاستها أو عدم تحققها في واقع الناس[12][13].

5. أن يكون المشبه به نادر الحضور في الوجود أو في الذهن

تأخذ ندرة الحضور صورتين:

الندرة المطلقة (مُطلقًا لبُعْد تصوُّره): سواء أخْطَرْتَ المشبه ببالك أم لا، فإنه من الصعوبة بمكان أن تتمثل في خيالك صورة بحر من المسك موجه الذهب حين تنظر فحمًا فيه جمر موقد، فإذا أُحضرت هذه الصورة استُطرِفت استطراف النوادر عند مشاهدتها، واستلذت استلذاذ الفلتات لجدتها.

الندرة النسبية (عند حضور المشبه): ليست في كل الأحوال، بل عند حضور المشبه في إبان الحديث عنه، بأن يكون المشبه به مشاهدًا مُعتادًا، لكن مواطنه غير مواطن المشبه؛ لأن كلاًّ منهما من وادٍ غير وادي الآخر، فيبعد حضور أحدهما في الذهن عند حضور الآخر، لبُعد نسبته إليه، كما في قول الشاعر:

وَلَازِوَرْدِيَّةٍ تَزْهُو بِزُرْقَتِهَا بَيْنَ الرِّيَاضِ عَلَى حُمْرِ الْيَوَاقِيتِ

كَأَنَّهَا فَوْقَ قَامَاتٍ ضَعُفْنَ بِهَا أَوَائِلُ النَّارِ فِي أَطْرَافِ كِبْرِيتِ[14][15]

فهو يشبه صورة زهر البنفسج بلونها المائل إلى الزرقة، وقد أحاطت بها باقة من الورود الحمراء أقصر منها قامة، بصورة اللهب المشتعل في أوائل عود كبريت. وهذا التشبيه -في رأي عبد القاهر- بلغ حدًّا كبيرًا من الإغراب والإعجاب؛ لأن الشاعر جمع فيه بين متباعدين، وهما نبات غض يرف، ولهب نار في جسم مستولٍ عليه اليبس وبادٍ فيه الكلف[16]. فهذان الطرفان متباعدان لا يفطن لعلاقتهما إلا ذكي يقظ يستطيع استشرف العلاقات الخفية ليبرزها في نسق لغوي أخاذ.

كلاهما يستدعي إلى النفس مشاعر متباينة بل متنافرة؛ فزهرة البنفسج بنضرتها توحي بالرقة والجمال، بينما لهب الكبريت يوحي بحرارة النار والاحتراق[17]. وتتضح دقة الوصف في تقييده بـ “أوائل” و”في أطراف” الكبريت؛ لأن النار متى طال مقامها في الكبريت وتمكنت منه احمرَّت وصفت وزال ما فيها من الزرقة[18]. ولا يخفى أن صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها ندرة بحر المسك، لكن يندر حضورها عند حضور صورة البنفسج[19].

وقد بنى عبدالقاهر سر الاستطراف هنا على القاعدة النفسية: “ظهور الشيء من معدنه لا يستغرب”، وقد ظهر الشيء هنا من غير معدنه فعُدّ غريبًا. ولذلك نجد تشبيه البنفسج أغرب وأعجب من تشبيه النرجس بمداهن در حشوهن عقيق[20][21][22].

6. شروط التأليف بين المتباعدات وقبول الأضداد

على الرغم من اللذة التي تجدها النفس في بعد معاندة التشبيهات التي تجمع بين متضادين وتقرب بين متباعدين، إلا أنها لا تستسيغ دومًا كل جمع بين متباعدين، بل تشترط أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفي ظاهر الأمر شبهًا صحيحًا معقولاً، وتجد للملائمة والتأليف السوي بينهما مذهبًا وإليهما سبيلاً[23]. فإذا توافر عقليًّا الوفاق الحسن مع الخلاف البين -كأن تكون الأفعال سببًا لضدها، أو أن يكون المشبه شيئًا حقيرًا أبرز في صورة شـيء نفيس، أو أن يكون شيئًا مكروهًا بغيضًا أبرز في صورة شـيء جميل محبوب- كان ذلك أدعـى إلى الاستطراف والقبول.

  • من الأول (الأفعال سببًا لضدها): قول الشاعر:

أَعْتَقَنِي سُوءُ مَا صَنَعْتَ مِنَ الرِّقِّ فَيَا بَرْدَهَا عَلَى كَبَدِي

فَصِرْتُ عَبْدًا لِلسُّوءِ فِيكَ وَمَا أَحْسَنُ سُوءٌ قَبْلي إِلَى أَحَدِ

فهذا مما يثلج الصدر ويحرك النفس لحسن تبدي الأضداد وتآلفها؛ لأن الوفاق بين الأضداد يفتح أبواب الاتصال بين عالمين جرت العادة باعتبارهما منفصلين[24] مما يثير الاستغراب والدهشة.

  • ومن الثاني (الحقير في صورة نفيس): قول ابن المعتز يصف النار[25]:

كَأَنَّ الشِّرَارَ عَلَى نَارِنَا وَقَدْ راقَ مَنْظَرُهُ كُلَّ عَيْنِ

سُحَالَةُ تِبْرٍ إِذَا مَا عَلا فَإِمَّا هَوَتْ فَفُتَاتُ[26] اللَّجَيْنِ

وقد أخذه أبو هلال العسكري فقال[27]:

أَوْقَدْتُ بَعْدَ الهُدُوِّ نَارًا لَهَا عَلَى الطَّارِقَيْنِ عَيْنُ

شِرَارُها إِنْ عَلاَ نُضَارٌ لَكِنَّهُ إِنْ هَوَى لُجَيْنُ

فبناء التشبيه هنا اشتمل على عنصرين متضادين متغايرين، إلا أن ابن المعتز كان أكثر توفيقًا وزاد التشبيه استطرافًا باستخدام “فتات اللجين”.

  • ومن الثالث (تحسين القبيح): قول أبـي تمام في صفرة المرض[28]:

مَعْدِنُ الحُسْنِ وَالمَلاحَةِ قَدْ أَصْبَحَ لِلسُّقْمِ مَعْدِنًا وَقَرَارَا

لَم تَشِنْ وَجْهَهُ المَلِيحَ وَلَكِنْ جَعَلَتْ وَرْدَ خَدِّهِ جُلَّنَارَا

ويرتبط الأمر هنا بمدى ما يكون بين طرفيه من تباين في الجنس أو المكان، وفيما يتوافر بين أجزاء تلك الصورة من غرابة. وقد سبق عبدالقاهر الجرجاني بهذه الفكرة النُّقَّاد المحدثين في الأدب الأوربي (عزرا بوند) الذي ذكر أن الصورة تُعنَى بالجمع بين الأفكار المتباعدة والانفعالات المتباينة بهدف إحداث صدمة شعورية، وعمق هذه الفكرة تلميذه (ت. س. إليوت) عند حديثه عن فاعلية “الحس الشعري”[29]. والتشبيه المستند لأمر تبصره العيون كل يوم يفقد الطرافة، وفي هذا يقول عبدالقاهر: “العيون هي التي تحفظ صور الأشياء على النفوس، ولذلك قالوا من غاب عن العين غاب عن القلب”[30]. وعلى العكس، التشبيه القائم على أمر تقل رؤيته يُعد بديعاً مستطرفاً لاعتماده على قوة التركيز ونفاذ البصيرة[31]. ومما يجتمع فيه الندرة قول أبي طالب الرقي: «وَكَأَنَّ أَجْرَامَ النُّجُومِ لَوَامِعًا… دُرَرٌ نُثِرْنَ عَلَى بِسَاطٍ أَزْرَقِ»[32].

 ثانياً: الاستطراف والتمثيل

ومما يزيد المعاني جدة وطرافة إذا أبرزت في معرض التمثيل، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته كساها أبهة، وضاعف من قواها في تحريك النفوس، ولا سيما إذا اشتمل التشبيه التمثيلي على علة طريفة تجلي المعنى وتقربه. وللتمثيل المدى الذي لا يجارى إليه؛ لأنه يفيد صحة التشبيه، وينفي الريب، ويؤمن صاحبه تكذيب المخالف[33][34][35]. ومن أمثلة ذلك قول البحتري يمدح أبا الفضل إسماعيل بن إسحاق:

دَانٍ إِلَى أَيْدِي العُفَاةِ وَشَاسِعٌ عَنْ كُلِّ نِدٍّ فِي النّدَى وَضَرِيبِ

كَالبَدْرِ أَفرَطَ فِي العُلُوِّ وَضَوءُهُ لِلعُصبَةِ السَّارِينَ جَدُّ قَرِيبِ[36]

يدعي البحتري الجمع بين معنيين متضادين هما (دانٍ، وشاسع) في البيت الأول، ولكنه بصنعته الشاعرة وخياله المحلق أرانا المعنى في إطار بديع من التمثيل، فجعل الممدوح بمثابة البدر البعيد في مكانه القريب بضوње، فلا يسع العقل إلا أن يقر ويذعن[37][38]. إن ما يميز هذا التشبيه التلاحم، والتغيير في صياغته يفقده جماله. وجاء هذا المدح تلطفاً من الشاعر ليدخل السرور على قلب ممدوحه[39].

وقد شهد أبو تمام وعبدالقاهر للبحتري بالقدرة على رد البعيد الغريب إلى المألوف القريب، وذكر عبدالقاهر أن المعنى إذا أتاك ممثلاً فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة، وما كان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر فإذا نيل بعد الطلب كان موقعه من النفس أجل[40][41][42].

ومن هذا الضرب ما قاله أبو تمام في منزل ضنك تخيل به القنا بين الضلوع، وكذلك قول المتنبي مخاطباً سيف الدولة في اتخاذه الضرغام بازاً لصيده، وهو تشبيه يحتاج إلى معاودة القراءة وإنعام النظر لتكشف دلالاته الظاهرة والمبطنة[43][44].

ثالثاً: الاستطراف والتفصيل (في الهيئات الحركية والسكونية)

إن التشبيه بين المتباعدات لا بد أن يقوم على رابطة يقرها العقل، وإن مما يزداد به التشبيه دقة وسحرًا أن يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركات؛ كقول جبار بن جزء في الشمس: «وَالشَّمْسُ كَالْمِرْآةِ فِي كَفِّ الأَشَلِّ». يحلل عبدالقاهر هذا التشبيه مبيناً أن للشمس حركة دائمة في غاية السرعة ولنورها تموج واضطراب، ولا يتحصل هذا الشبه إلا بأن تكون المرآة في يد الأَشَل؛ لأن حركته تدور وتتَّصل ويكون فيها سرعة وقلق شديد، فيتموج نور المرآة[45][46][47].

ومما جاء من ذلك ولطف قول ابن الرومـي يصف الخباز وهو يدحو الرقاقة:

إِنْ أَنْسَ لاَ أَنْسَ خَبَّازًا مَرَرْتُ بِهِ

يَدْحُو الرُّقَاقَةَ وَشْكَ اللَّمْحِ بِالبَصَرِ

هنا استخدم الشاعر الخيال التصويري لرسْم صورة الخباز، فقدم لنا صورة تشبيهية تثير الدهشة؛ فالخباز يتناول كرة العجين فيبسطها بسرعة لتزداد استدارتها، ثم ربط الشاعر هذا المشهد بما يتشكل في صفحة الماء الساكن حين يلقي فيه بالحجر لتتوالد دوائر متتالية[48][49]. وقد اعترف العقاد ببراعة ابن الرومي في هذا النمط التصويري، معتبراً أنه ينظر إلى الأشياء بعين مصور صناع، وهو ما خطط له الجاحظ من قبل بأن الشعر ضرب من النسج وجنس من التصوير[50][51][52].

وبقدر ما تكثر التفاصيل في التشبيه تعظم قيمته البلاغية؛ ولهذا اعتبرت هيئة السكون أيضاً في التشبيه، كقول الأخيطل في وصف مصلوب:

كَأَنَّهُ عَاشِقٌ قَدْ مَدَّ صَفْحَتَهُ ***يَوْمَ الوَدَاعِ إِلَى تَوْدِيعِ مُرْتَحِلِ[53][54]

أورد المبرد هذين البيتين في “الكامل”[55]، وبين أن التصوير ينص على ابتكارية خيال الشاعر لبعد العلاقة بين العاشق والمصلوب، وكذلك الشبه بين المصلوب والشخص القائم من نومه المتمطي[56]. ويتوقف عبدالقاهر عند هذا الشرح مبيناً أن التشبيه لطف لكثرة ما فيه من التفصيل والتقييد الذي يفيد استدامة تلك الهيئة[57][58][59][60].

الرابع: الاستطراف والتخييل

لقد كشف لنا البلاغيون والفلاسفة المسلمون وهم يتحدثون عن فن الشعر، عن قيمة الدلالة الإيحائية الداخلية وأبعادها النفسية، ومدى تأثيرها في نفس المتلقـي؛ من حيث إحداث الاستجابة المطلوبة.

يقول ابن سينا: «إن الكلام المخيل تذعن له النفس فتنبسط عن أمور من غير روية وفكر واختيار، وبالجملة تنفعل له انفعالاً نفسانيًّا»[61].

وقد كشف لنا الرئيس ابن سينا عن بُعد نفسـي آخر للتخييل، حينما ذهب إلـى أن النفس تجد لذة في التخييل، كاللذة التي تجدها في الحسيات، فهـي تركن إليه لتعوض به عن إخفاقها في إشباع حاجاتها الحسيَّة، وذلك عن طريق تذكر اللذات الحسيَّة بواسطته.

قول ابن سينا: «وليس كل اللذيذات عن الحس، بل في التخييل لذات أيضًا، وإن كانت بالأحرى أن تنسب إلـى الحس، فإن الذاكرين اللذات يلتذون بها»[62]، وهذا يذكرنا بما ذهب إليه علماء النفس المحدثون من أن الإنسان قد يلجأ إلـى أحلام اليقظة، وهـي درب من دروب التخييل، لينفس به عن مشاعره المكبوتة، ويوهم نفسه بإشباع رغباته في الخيال، بعد أن أخفق في إشباعها علـى نحو الحقيقة، فيجد في أحلامه تلك لذة ومتعة[63].

ويعلل حازم القرطاجنـي إذعان النفس وانبساطها للتخييل من غير روية أو تفكُّر، فيرى أن التخييل يشغل النفس عن تفقد مواضع الكذب والمبالغة في الكلام[64]، وكل ذلك يتأكد بما يقترن به من إغراب، فإن الاستغراب والتعجب حركة للنفس – كما يقول حازم -: «إذا اقترنت بحركتها الخيالية، قوي انفعالها وتأثرها»[65].

وإذا تم ذلك فإنه حينئذ قادر علـى إحداث الاستجابة المطلوبة، ودفع المتلقـي لاتخاذ الموقف المناسب من التجربة الشعرية، فيستطيع «أن يحبب إلـى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه، لتُحْمل بذلك علـى طلبه أو الهرب منه»[66]؛ لأن الشعراء يمكنهم حمل النفوس علـى ما يريدون بتهييج مشاعرها، وإلهاب عواطفها، وبعث وجداناتها، فتنطلق إلـى الشأو المرسوم كالسهم المرسل لا يلوي علـى شـيء.

وعن صلة التخييل بالتشبيه يقول عبدالقاهر: «وينبغـي أن تعلم أن باب التشبيهات قد حظـي من هذه الطريقة بضرب من السحر لا تأتـي الصفة علـى غرابته، ولا يبلغ البيان كنه ما ناله من اللطف والظرف»[67].

يقول أبو عبدالله بن مرزق الأندلسي في علة الكتابة بالسواد في البياض:

وَلَمَّا أَنْ نَأَتْ مِنْكُم دَيَارٌ وَحَالَ البُعْدُ بَيْنَكُمُ وَبَيْنِي

بَعَثْتُ لَكُمْ سَوَادًا فِي بَيَاضٍلِأَنْظُرَكُمْ بِشَيْءٍ مِثْلِ عَيْنِي

ألست ترى أن هذا الشاعر قد استطاع أن يخدعنا بهذا التعليل البديع المخترع؟ ثم ألست تحس نغمة الحزن والكمد التي تسود الشعر وتنضح بلوعة الشاعر وتفجعه وتوجعه؟ “لأَنْظُرَكُمْ بِشَيْءٍ مِثْل عَيْنِي” ما أشجى هذه الكلمة! لقد تركزت فيها تجربة الشاعر وانتقلت إلينا كاملة غير منقوصة، فإذا نحن مثله نتشكـى نأي الديار وبُعد المزار[68].

ويقول أبو المحاسن الدمشقي في سوداء[69]:

زَعَمُوا أَنَّنِي بِجَهْلٍ تَعَشَّقْ تُكِ سَوْدَاءَ دُون بِيضِ الغَوَانِي

لَيْسَ مَعْنَى الجَمَالِ فِيكِ بِخَافٍإِنَّمَا أَنْتِ خَالُ خَدِّ الزَّمَانِ

هكذا ترى قدرة الشاعر على أن يريك الجمال في شـيء لا جمال فيه، وأن يضفي جمالاً علـى شيء ليس جميلاً في ذاته، وذلك كله على طريقة الادعاء والتخييل التي هي جوهر الشعر.

«وقد يقصد الشاعر على عادة التخييل، أن يوهم في الشيء الذي هو قاصر عن نظيره في الصفة أنه زائد عليه في استحقاقها، واستيجاب أن يجعلَ أصلاً فيها، فيصح علـى موجب دعواه وسرفه، أن يجعل الفرع أصلاً، وإن كنا رجعنا إلى التحقق، لم نجد الأمر يستقيم على ظاهر ما يوضع اللفظ عليه، ومثاله قول محمد بن وهيب يمدح المأمون: وَبَدَا الصَّبَاحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ… وَجْهُ الخَلِيفَةِ حِينَ يُمْتَدَحُ»[70].

فهذا على أنه جعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأشهر، وأتم وأكمل في النور والضياء من الصباح، فاستقام له بحكم هذه النية أن يجعل الصباح فرعًا، ووجه الخليفة أصلاً.

وهكذا جاءت المبالغة في التشبيه من المفارقة بين طرفيه سواء ألحق الناقص بالزائد أو العكس، وفـى هذه الحال يحتاج المتكلم إلـى توكيد الكلام أو الزيادة في إثباته لأن المبالغة خيال، والخيال غير متفق عليه، ولا يستساغ إلا بزيادة التوكيد، ومن هنا فإن التوكيد في الكلام الخيالـي أو التصوير ضرورة يحتمها السياق؛ للتأثير في أنفس المتلقين.

والذي يسوِّغ هذه المبالغة – وغيرها من المبالغات في الشعر – قلب التشبيه حيث يقوم هنا علـى الادعاء والتخييل، فالشاعر لا يقصد إلـى إيهام أن وجه الخليفة في ضيائه مريدًا المساواة بينهما – لوضوح الفرق بين الصبح ووجه الخليفة – وإنما يدعي علـى طريقة الشعر في التخييل أن صفة الإشراق في وجه الخليفة أكمل منها في الصبح، فصار الفرعُ أصلاً والأصل فرعًا، وهذا لا يصح عند التحقيق، وإنما يصح بمقتضـى قوانين الشعر وأعرافه، ومنطقه القائم علـى “الادعاء والتخييل”، وهذا ما يراه حازم القرطاجني معتبرًا في صناعة الشعر، لا كون الأقاويل صادقة أو كاذبة، «فقد يعد حذقًا للشاعر اقتداره علـى التمويه علـى النفس، وشدة تخيله في إيقاع الدلسة إليها في الكلام»[71]. ولما كانت النفس مطبوعة علـى ذلك «اشتد ولوعها بالتخيل، وصارت شديدة الانفعال له، حتـى إنها ربما تركت التصديق للتخيل فأطاعتْ تخيلها وألغت تصديقها»[72].

ولذلك يرى قدامة أن براعة الشعر لا تنفصل عن قدرته علـى الإفراط في وصف ممدوحيه بما يرفعهم عن مستوى البشر العاديين[73].

فمن ذلك قول المتنبي[74]:

فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ

فَإِنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ[75]

فقد ادعـى لممدوحه أنه فاق الأنام، وفاتهم إلـى حد بطل معه أن يكون بينه وبينهم مشابهة ومقاربة، بل صار كأنه أصل بنفسه وجنس برأسه.

ومما يصب في هذا القرار قول حافظ إبراهيم يمدح الإمام محمد عبده[76]:

إِمَامَ الهُدَى إِنِّي أَرَى القَوْمَ أَبْدَعُوا لَهُمْ بِدَعًا عَنْهَا الشَّرِيعَةُ تَعْزُفُ

وَبَاتُوا عَلَيْهَا جَاثِمِينَ كَأَنَّهُمْ عَلَى صَنَمٍ لِلْجَاهِلِيَّةِ عُكَّفُ

فَأَشْرِقْ عَلَى تِلْكَ النُّفُوسِ لَعَلَّهَا تَرِقُّ إِذَا أَشْرَقْتَ فِيهَا وَتَلْطُفُ

فَأَنْتَ بِهِمْ كَالشَّمْسِ بِالبَحْرِ إِنَّهَا تَرُدُّ الأُجَاجَ المِلْحَ عَذْبًا فَيُرْشَفُ

الشاعر يطلب من الإمام أن يشرق علـى هؤلاء أصحاب البدَع بعلمه ونصحه، لعل نفوسهم تتفتح، وطباعهم ترق بتأثير علمه، فإذا كانت الشمس تحول ماء البحر المالح – بفعل حرارتها – عذبًا يرتشف، فالإمام جدير بأن يبدلَ طباع هؤلاء بتأثير علْمه وأخلاقه.

والشاعر علل ما يمكن أن يحدث من تغيير لهؤلاء المنحرفين بتأثير دروس الإمام وتوجيهاته ونور علمه، بأن الشمس تحول ماء البحر الأجاج – بفعل حرارتها – عذبًا مستساغًا، وقوله: “تَرُدُّ الأُجَاجَ المِلْحَ عَذْبًا” فيه تناص مع قوله تعالـى: ﴿ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ [الفرقان: 53].

إن ما ساقه الشاعر من سبب وعلة وليد خيال خصيب، نتاج وجدان حي وعاطفة ذاكية، وقد ساق تعليله من خلال تشبيه تمثيلي رائع زاد المعنـى وضوحًا، وأكسبه تأكيدًا واستطرافًا، وأثار مكامن الاستظراف من نفس المتلقي، ودلّ علـى براعة الشاعر وحِذقه في عقد المشابهة بينحالتين ما كان يخطر بالبال تشابههما.

«والبراعة التي يمكن أن يحتسبها الذوق القديم لحافظ في هذا التشبيه قرينة الهدف من البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضـى الحال مع فصاحته، ولا شك أن المضمون الديني للتشبيه يلتقي مع طبيعة الممدوح – الشيخ محمد عبده – من حيث هو رمز ديني كبير، سواء في تجديده الفكر الديني، أو توليه منصب الإفتاء، أو إشرافه علـى الأزهر الشريف، وكلها علامات تؤكد الحضور الروحي للإمام الذي يمكن أن تتحول أعماله إلـى صحف أبرار، خصوصًا في عيني الشاعر الذي أحبه كل الحب»[77].

ويذهب ابن الأثير ومن بعده العلوي إلـى أن المتكلم يريد بتشبيهه تقرير المشبه في النفس بصورة المشبه به أو بمعناه، وأول ما يستفاد من ذلك المبالغة، فإنها لا تنفك عنه وإلا لم يكن تشبيهًا؛ لأن إفادته للمبالغة مقصده الأعظم، وبابه الأوسع، وكلَّما كانت المبالغة أكثر كان التشبيه أدخل في البلاغة وأوقع فيها[78][79][80]. وذلك مثل قول الشاعر:

وَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّ حَامِلَ كَأْسِهَا

إِذْ قَامَ يَجْلُوهَا عَلَى النُّدَمَاءِ

شَمْسُ الضُّحَى رَقَصَتْ فَنَقَّطَ وَجْهَهَا

بَدْرُ الدُّجَى بِكَوَاكِبِ الجَوْزَاءِ

فالشاعر شبه الساقـي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب بالكواكب إغراقًا ومبالغة فأحسن وأبدع؛ لأنه أضفـى علـى المعنـى قوة باستخدامه “كأن” التي تدلل علـى يقين المتكلم بما يقول.

ومما ينظم في هذا العقد قول أبي العلاء يصف شمعة[81]:

وَصَفْرَاءَ لَوْنِ التِّبْرِ مِثْلِي جَلِيدَةٌ

عَلَى نُوَبِ الأَيَّامِ وَالعِيشَةِ الضَّنْكِ

تُرِيكَ ابْتِسَامًا دَائِمًا وَتَجَلُّدًا

وَصَبْرًا عَلَى مَا نَابَهَا وَهْيَ فِي الهُلْكِ

وَلَوْ نَطَقَتْ يَوْمًا لَقَالَتْ: أَظُنُّكُمْ

تَخَالُونَ أَنِّي مِنْ حِذَارِ الرَّدَى أَبْكِي

فَلاَ تَحْسَبُوا دَمْعِي لِوَجْدٍ وَجَدْتُهُ

فَقَدْ تَدْمَعُ الأَحْدَاقُ مِنْ كَثْرَةِ الضّحْكِ

نلحظ موطن الاستطراف في هذا التشبيه في قلبه؛ لأن القريب إلى العادة أن يشبه الإنسان بالشمعة لا العكس، حيث إن صفة الاحتراق حقيقية في الشمعة، وغير حقيقية في الإنسان، بعد أن شبه المعري الشمعة بنفسه، خلع عليها صفات إنسانية، حيث جعل تساقطَ السائل منها دموعَ بكاء، غير أن هذا البكاء ناشئ عن كثرة الضحك لا عن خوف الهلاك.

لقد رسم الشاعر صورة للشمعة بالألفاظ، حتـى أظهرها في صورة رائعة مؤثرة، إذ استحالت بفعل رؤية الشاعر إلـى غادة صبور متجلدة علـى ما ينالها، فجعلها تحس وتتكلم وتعبر عمَّا بداخلها.

ومما يدعم الإحساس بجمال التشبيه ما تضمنه من مفاجآت لطيفة؛ حيث يعقد الشاعر صلة وثيقة بين أمرَيْن متباينين لا يلبث أن يريكهما متآلفين، هذا بالإضافة إلـى أن الصورة قائمة علـى التخييل بما فيها من تشخيص وحوار، وقد طوى البيت الأخير مفاجأة أخرى، وهـي التعليل الطريف الذي جاء علـى لسان الشمعة “فَقَدْ تَدْمَعُ الأَحْدَاقُ مِنْ كَثْرَةِ الضّحْكِ”, فهو بمثابة قول مأثور أو حكمة بنيتْ علـى مقابلة لطيفة استدعاها المقام فأدت الغرض وكشفتْ عن قوة البيان.

وهذا ما فعله أبو العلاء في هذه الصورة الشعرية الغانية بما اشتملتْ عليه من مفاجآت كانت مبعث الاستطراف، وعلَّة القَبُول والاسترواح.

لا شك أن الخيال هنا لعب دورًا بارزًا في صنع هذه الصور التشبيهيَّة؛ حيث كشفت الصنعة الشاعرة عن مفاجآت الشعراء للمتلقين بما يثير دهشتهم، ويستحوذ علـى إعجابهم، «والصنعة إنما تمد باعها، وينشر شعاعها، ويتسع ميدانها، وتتفرع أفنانها حيث يعتمد الاتِّساع والتخييل، وحيث قصد التلطُّف والتأويل، وهنا يجد الشاعر سبيلاً إلي أن يبدع ويزيد، ويُبدئ في اختراع الصورة ويعيد، ويصادف مضطربًا كيف شاء واسعًا، ومددًا من المعاني متتابعًا»[82].

إن عين الشاعر ليست عينًا سالبة تتلقَّـى الأشياء والأشكال كما هـي لتعكسها في صورة مِرآوية، وإنما هـي عين موجبة، عين رائية – أي: لرؤية الأشياء والتغلغل في باطنها، لا النظر إليها – فهـي تُعيد تركيب الأشياء وتشكل عناصرها من جديد، حيث تضفـي ألوانها الخاصة علـى كل شـيء تراه أو تلمسه أو تدركه في ترابطات شُعُورية دالة، وهذا ما عناه قول بعضهم: “إن الشعر مأخذ وطريقة”[83].

الخامس: الاستطراف والجدة والابتكار

اشترط البلاغيون لطرافة التشبيه أن يكونَ جديدًا مبتكرًا، ليحدث في النفس نوعًا من المفاجأة بغير المتوقع مما يثير دهشتها، ويستجلب شغفها.

وليس المقصود بالابتكار الإنشاء من عدم، أو الابتداع علـى غير مثال سابق، وإنما الابتكار «أن تتناول الفكرة التي قد تكون مألوفة للناس، فتسكب فيها من أدبك وفنك ما يجعلها تنقلب خلقًا جديدًا، يبهر العين، ويدهش العقل، أو أن تعالج الموضوع الذي كاد يبلـى بين أصابع السابقين، فإذا هو يضيء بين يديك بروح من عندك»[84].

والحقيقة «أن الفن ليس في الهيكل، إنه في تلك الأشعة الجديدة التي يستطيع الفنان أن يستخرجها من هيكل تلك الموضوعات والحوادث والوقائع»[85].

«فالفنان لا يسعـى وراء فكرة نادرة أو غريبة، بل وراء طريقة جديدة يصور بها فكرة مألوفة، فالربيع لهوراس وفاليري فكرة عادية، وموضوع مبتذل، لكن الفنان صورها بطريقة جديدة غريبة»[86].

وذلك باب من أبواب الإبداع الذي تذكر به الموهبة ويحسب لها؛ لأن مظهر المقدرة البيانية ليس فقط في تشكيل صور وتشبيهات، وكشف علاقات جديدة، وإنما يكون أيضًا في تجديد الصور الأليفة الرتيبة.

والناس من قديم يشبهون العيون في فعلها بالخمر والسيوف والنبال والسهام، لا يكادون يخرجون عن ذلك.

قول ذو الرمة[87]:

وَعَيْنَانِ قَالَ اللهُ كُونَا فَكَانَتَا

فَعُولاَنِ بِالأَلْبَابِ مَا تَفْعَلُ الخَمْرُ

ويقول أبو نواس[88]:

تَسْقِيكَ مِنْ لَحْظِهَا خَمْرًا وَمِنْ يَدِهَا

خَمْرًا فَمَا لَكَ مِنْ سُكْرَيْنِ مِنْ بُدِّ

ويقول المتنبي[89]:

رَأَيْنَ التِي لِلسِّحْرِ فِي لَحَظَاتِهَا

سُيُوفٌ ظُبَاهَا مِنْ دَمِي أَبَدًا حُمْرُ

وجاء حفني ناصف فخرج من هذه الطريقة في بعض ما نظم وكان مجددًا حقًّا حين قال:

فَهْيَ كَالكَهْرُبَاءِ تُومِي بِلَحْظٍ

فَتَدُقُّ الأَجْراسُ فِي الأَكْبَادِ

ولعل ذلك راجع إلـى تطوُّر العادات والنظُم والعُقول والأفكار وما يستجد في البيئة من مخترعات، والصور البيانية بحكم طبيعتها المرنة معرض واسع للجديد، حقل خصيب للإبداع والاختراع[90].

ومن التشبيهات التي عدَّها ابنُ رشيق منَ المبتكر الذي لم يسبق إليه ولا جاء أحد من الشعراء قبله بنظيره قول امرئ القيس[91]:

سَمَوْتُ إِلَيْهَا بَعْدَمَا نَامَ أَهْلُهَا

سُمُوَّ حَبَابِ المَاءِ حَالاً عَلَى حَالِ

فإنه أول من طرق هذا المعنى وابتكره، وسلم الشُّعَراء إليه[92]. ولكن ابن رشيق لَم يوضح لنا الجمال والابتكار في هذا التشبيه، وإنما اكتفـى بهذه الإشارة المبهمة، فالتشبيه هنا محذوف الأداة، وهذا يؤكد المعنـى ويزيد من استحسانه، لما فيه من إيجاز وخفة علـى النفس، وفـى التشبيه مناسبة الكلام لموقف التخفـي والحذر، فقد صور بطء سموه إلـى محبوبته وتخفيه عن الناس تصويرًا دقيقًا، (وصفًا وصوتًا ودلالة) يستشفها القارئ ويسمعها في قوله “سموت سمو حَباب الماء”، ناهيك عن الخفة في نطق الشطر الثانـي، فهـي تشبه خفته في الرقـي إلـى محبوبته، وكأنه صور الحركة بالألفاظ وذلك غاية الفن في البلاغة.

فإذا أضفـى إلـى ذلك استخدامه كلمات سهلة النُّطْق مع تكرارها وتكرار حرفـي السين والحاء بخاصة، وهما حرفان يتميزان بالهمْس، أدركنا براعة الشاعر في تصْوير المعنـى وجمال التشبيه وابتکاریته.

يقول جاريت: “إن الفكرة جنين حتى تصاغ في الكلمات”، وهذا يذكرنـي بقول صرّدُرّ:

إِنَّمَا المَرْءُ فَوْقَهَا هُوَ لَفْظٌ

فَإِذَا صَارَ تَحْتَهَا فَهْوُ مَعْنًى

يالله! اللفظ والمعنى معروفان، ولكن انظر إلـى صنيع الشاعر بهما، وطريقة صياغته في الربط بينهما، فهو يصوِّر الإنسان الحـي فوق الأرض – يتحرك فوقها ويسعـى -باللفظ؛ لأن اللفظ كائن حـي مشخص، يجري على اللسان ويلتقطه السمع، فيفعل بصاحبه الأعاجيب، وكذلك تصويره تحتها فانيًا بالمعنى؛ لأن المعنى لا يرى ولا يتمثل في غير اللفظ الذي هو كالجسد.

انظر كيف تهدى الشاعر إلـى هذا التصوير الجيد، وكيف توصل إلـى اقتناص وجه الشبه الذي يربط بين الطرفين مصورًا العلاقة بينهما أدق تصوير، فأصاب إصابة خبير بالمعانـي متمايز الخبرة.

ولو أنك جردت الشاعر مِن أبحره وألفاظه وقوافيه – كما يقول كروتشة – لما بقـي هناك فكرة شعرية كما يخيل إلـى بعضهم، بل لما بقـي شيء ألبتة[93].

وليس من الضروري أن يكون التجديدُ والابتكار اختراعًا محضًا لَم يسبق إليه الشاعر، فيكفـي أن يكونَ توليدًا.

ذكر ابنُ رشيق في توليد المعانـي بعضها عن بعض، وهو باب من أبواب الشعر ليس سرقة وليس اختراعًا؛ لأنه ليس أخذًا للشعر علـى وجهه فيعد سرقة، وليس منفصلاً عن دائرة الاقتداء فيسمى اختراعًا، ذكر من ذلك قول جرير يصف آذان الخيل:

يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطِيلِ النَّقْعِ دَامِيَةً

كَأَنَّ آذَانَهَا أَطْرَافُ أَقْلاَمِ

قال ابن رشيق: فقال عدي:

تُزْجِي أَغَنَّ كَأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ

قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا[94]

فولَّد بعد ذكر القلم إصابته مداد الدواة بما يقْتضيه المعنـى؛ إذ كان القرن أسود. وكأن جريرًا هو الذي سبق إلـى التشبيه بأطراف الأقلام، ولكنَّه شبه الآذان بأطراف الأقلام، وقد قالوا: إن جريرًا الذي فتق عن هذا التشبيه أُعجب إعجابًا كبيرًا بقول عدي السابق. قال جرير: أنشدنـي عدي بن الرقاع قوله: “عَرَفَ الدِّيَارَ تَوَهُّمًا فَاعْتَادَهَا” فلما بلغ إلى قوله “تُزْجِي أَغَنَّ كَأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ…” رحمته وقلت: قد وقع ما عساه يقول وهو أعربي جلف جاف؟ فلما قال: “قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا” استحالت الرحمة حسدًا”[95].

وإذا نظرنا إلـى ما ذكره ابنُ رشيق من أن بيت “عدي” كان توليدًا لبيت “جرير”، فإن إعجاب “جرير”أدخل في استشهاد البلاغيين؛ لأنَّ جريرًا شبه الآذان بالأقلام، وعدي شبه طرف الروق بأطراف الأقلام التي أصابتْ من الدواة مدادها، وكأنه لما ذكر “إبرة الروق” وهـي من الدقة بحيث يَقِل أن ينتبه الواصف إليها، وإنما يصف ويشبه الروق كما فعل جرير في تشبيه الآذان، ثم ذكر إصابة الأقلام المداد، فحقق بذلك التشابه الذي لَم يُحققه جرير، كان ذلك بابًا من البُعد والدِّقَّة؛ لأن الجمع بين إبرة الروق وأطراف الأقلام التي أصابت المداد جمع بين أمرين متباعدين جدًّا؛ لأنه أضيف إلـى اختلاف الجنس وتباعُده تلك الخصوصيات التي راعاها الشاعر في الطرفَين، عدي إذًا كان مع إصابة الشبه والتقاطه من الجنس البعيد كان مُحققًا له، ومُدَققًا فيه، ومراجعًا له[96].

قال عبدالقاهر: “فهل كانت الرحمة في الأولـى والحسد في الثانية إلا أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر وبديهة الخاطر، وفـي القريب من محلِّ الظنِّ شَبَهٌ، وحين أتم التشبيه وأداه، صادفه قد ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف، وعثر علـى خبيء مكانه غير معروف”[97].

والتشبه هنا بين قرن الظبـي الدقيق الأسود والقلم الذي علق المداد الأسود بسنه، أما سبب إحساس جرير بالرحمة والإشفاق علـى عدي أولاً، أنه أتـى في الشطر الأول من البيت بمشبه هو طرف القرن (إبرة روقه)، وهذا المشبه يستدعـي مشبهًا به بالضرورة، حتـى يكتمل التشبيه فلما قال عدي: “قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا”، أدْرك جرير بحاسته الشعرية المرهفة مبلغ إصابته، وعظيم توفيقه في اقتناص مشبه به دقيق المشابهة للمشبه، علـى الرغم من أن كلاًّ منهما من جنس مختلف غاية الاختلاف عن الآخر، فالمشبه ينتمـي إلـى البادية، والمشبه به من مفردات حياة الحضر، والبون بينهما بعيد، وقد بلغ من إعجاب جرير بذلك التشبيه أنه ودَّ – طبقًا لرواية عبدالقاهر – لو كان هو صاحبه[98].

ومما ينظم في عقد هذه التشبيهات قول عبدالله البردُّونـي في وصف المطر[99]:

وَنَقَّرَ خَطْوُ القَطِيعِ الحَصَى

كَمَا يَنْقُرُ السَّقْفَ وَقْعُ المَطَرْ

مما يلفت النظر في جمال هذه الصورة استناد الشاعر في اقتناص وجه الشبه علـى حاسة السمع، فهو يصغـي إلـى المطر عندما يتساقط علـى سطح الغرفة التي يسكنها، فيحس وقعه في سمعه كوقع الصوت المتولد عن مرور الأغنام علـى أرضٍ كثيرة الحصـى، حيث يتطاير الحصـى فيصطك بها، فهو قد رسم في مخيلته صورة لما سمع من وقع المطر، وشبه ذلك الصوت بصورة سمعية أخرى ارتسمتْ أو خزنت في ذاكرته من معطيات بيئته المكانية، وقد استطاع بذكائه وقوة حسه أن يوجد علاقة تشبيهيَّة بينهما.

إن الشاعر المبتكر هو الذي يرى الصورة غير المرئية، ويصوغها في مخيلته، والابتكار لا يستمد عناصره من المنظور فقط، بل من المتصور والمفروض أيضًا[100]. والشاعر لا يصور الواقع تصويرًا حرفيًّا، ولكنه يضفـي علـى هذا الواقع من إحساسه وخياله وتجاربه، فيعيد إبداعه علـى نحو خاص تتضح فيه تجربته الذاتية ورؤيته الخاصة، ولقد سبق السكاكـي في إحدى ومَضاته الذكية التي لم يلتفت إليها، «فكم من صور تتعانق في الخيال وهـي في آخر ليست تتراءى! وكم من صور لا تلوح في الخيال وهـي في غيره نار علـى علم»[101].

ويقول العقاد في هذا السياق: «فالمسألة عظيمة جدًّا بين شاعر يصف لك ما رآه، كما قد تراه المرآة، أو المصورة الشمسيَّة، وشاعر يصف لك ما رآه وشعر به، وتخيله وأجاله في روعه، وجعله جزءًا من حياته، وليس يعنيك أنت أن يكون الشاعر صحيح العين، مطلعًا علـى المرئيات المتشابهة، ليتصل ما بينك وبينه، ويقترب وجدانك من وجدانه، ولكنه يعنيك منه أن يكون إنسانًا حيًّا يشعر بالدُّنيا، ويزيد حظك من الشعور بها»[102].

«وعلـى الحقيقة فإن في زوايا الأفكار خبايا، وفـي أبكار الخواطر سبايا»[103]. فإذا أخذ شاعر معنـى من المعانـي عن شاعر آخر تقدمه، وأتـى بالمعنـى معكوسًا أو مناقضًا في فحواه لقول آخر، وأبرزه في معرض من تأليفه عُدَّ ابتداعًا واقتدارًا علـى تناول المعانـي والتصرُّف فيها.

فمن ذلك قول علـي بن جبلة[104]:

دِجْلَةُ تَسْقِي وَأَبُو غَانِمٍ

يُطْعِمُ مَنْ تَسْقي مِنَ النَّاسِ

يَرْتُقُ مَا يَفْتُقُ أَعْدَاؤُهُ

وَلَيْسَ يَأْسُو فَتْقَهُ آسِي

وَالنَّاسُ جِسْمٌ وَإِمَامُ الهُدَى

رَأْسٌ وَأَنْتَ العَيْنُ فِي الرَّاسِ

الجمال هنا يرجع إلـى جَمْع البيت بين ثلاثة أشياء مترابطة في ثلاثة تشبيهات يضمها نسيج واحد، ثم وضع كل ممدوح في التشبيه الذي يُلائم منزلته، وتلك براعة الصنعة، وفعل الموهبة؛ فالناس كالجسم، وأثمن ما في الجسم الرأس، وأثمن ما في الرأس العين، وتلك قمة الترقِّي في التصوير والتعبير.

وعلي بن جبلة أخذه من قول أبـي العتاهية في الرشيد[105]:

تُسَاسُ مِنَ السَّمَاءِ بِكُلِّ فَضْلٍ

وَأَنْتَ بِهِ تَسُوسُ كَمَا تُسَاسُ

كَأَنَّ الكَوْنَ رُكِّبَ فِيهِ رُوحٌ

لَهُ جَسَدٌ وَأَنْتَ عَلَيْهِ رَاسُ

ولكنه زاد في الشرح والترتيب، وقوة النسج، وبراعة التصوير، فكان له فضل الابتكار والتوليد.

ومن ذلك أيضًا قول أبـي الشيص في الغرام بمحبوبه[106]:

أَجِدُ المَلامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيذَةً

حُبًّا لِذِكْرِكِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَمُ

وهوه عكس ما قاله أبو الطيب المتنبي[107]:

أَأُحِبُّهُ وَأُحِبُّ فِيهِ مَلاَمَةً

إِنَّ المَلاَمَةَ فِيهِ مِنْ أَعْدَائِهِ

إن مَن يُدقق النظر في كل معنـى ومعكوسه يحس دور الصنعة الشاعرة في جمال الصياغة، وإلباس المعانـي أثوابًا جديدة بما اشتملتْ عليه من فن القول، وبديع التصوير.

والمتصفِّح دواوين الشعراء المعاصرين – وبخاصة المطلعون منهم علـى آداب الغرب – يرى ألوانًا من التجديد في التشبيه أمدتهم بها المدنية الحديثة التي انبسط ظلُّها علـى كل شـيء، والمعارف الحديثة التي امتد سلطانها حتـى علـى الـذَّرِّ في مكامنه السحيقة.

فمن ذلك تشبيهات البارودي في مشهد تموجات صفحة النهر، وهـي تشبيهات في غاية الروعة والجمال؛ حيث يشبهها تارة بالدروع، وتارة بصحائف الفضَّة أو الذهب، وتارة بصحف الورق المليئة بالأسطر. ومن أمثلة تشبيهه تموج صفحة النهر بأحرف الهجاء في الكتابة قوله[108]:

وَالْمَحْ بِطَرْفِكَ مَا وَحَتْهُ يَدُ الصَّبَا

فَوْقَ الغَدِيرِ تَجِدْ حُرُوفَ هِجَاءِ

مِنْ كُلِّ حَرْفٍ فِيهِ مَعْنَى صَبْوَةٍ

تَتْلُو بِهِ الوَرْقَاءُ لَحْنَغِنَاءِ

ثم يزيد الصورة تفصيلاً في قصيدة أخرى، مُضيفًا إليها مجموعة منَ العناصر الجديدة الطريفة[109]:

وَخَمِيلَةٍ بَكَرَتْ سَمَاوَةُ أَيْكِهَا

تَحْمِي الهَجِيرَ عَنِ النُّفُوسِ وَتَدْرَأُ

……………………

………………………

فَتَحَ الرَّبِيعُ بِهَا مَدَارِسَ بَهْجَةٍ

لِلْعَيْنِ فِيهَا بَهْجَةٌ لاَ تَضْرَأُ

فَالرِّيحُ تَكْتُبُ وَالغَدِيرُ صَحِيفَةٌ

وَالسُّحْبُ تَنْقُطُ وَالحَمَائِمُ تَقْرَأُ

صُورٌ تَدُلُّ عَلَى حَكِيمٍ صَانِعٍ

وَاللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَبْرَأُ

ثم يقدم في قصيدة ثالثة تنويعًا موازيًا من صور الريح التي كتبتْ علـى صفحة النهر[110]:

وَالرِّيحُ تَمْحُو سُطُورًا ثُمَّ تُثْبِتُهَا

فِي النَّهْرِ لاَ صِحَّةٌ فِيهَا وَلاَ غَلَطُ

ويأتي تنويع رابع فيغدو المطر هو الذي ينقط الحروف المكتوبة، بينما تشبه الأشجار المنعكسة علـى صفحة النهر أسطر هذه الحروف المكتوبة[111]:

وَأَصْبَحَتِ الغُدْرَانُ يَصْقُلُهَا الصِّبَا

وَيَرْقُمُ مَتْنَيْهَا بِلُؤْلُئِهِ القَطْرُ

تَرِفُّ كَمَا رَفَّتْ صَحَائِفُ فِضَّةٍ

عَلَيْهِنَّ مِنْ لأْلاءِ شَمْسِ الضُّحَى تِبْرُ

كَأَنَّ بَنَاتِ المَاءِ تَقْرأُ مَتْنَهَا صَبَاحًا

وَظِلُّ الغُصْنُ لاَحَ بِهَا سَطْرُ

وتصل براعة الصنعة إلىدرجة عالية من الاستطراف في تنويع خامس نقرأ فيه[112]:

إِذَا انْبَعَثَتْ فِيهِ النَّسَائِمُ خِلْتَهَا

تُنِيرُ عَلَى مَتْنِ الغَدِيرِ بِهِ بُرْدَا

كَأَنَّ الصَّبَا تُلْقِي عَلَيْهِ إِذَا جَرَتْ

مَسَائِلَ فِي الأَرْقَامِ أَوْ تَلْعَبُ النَّرْدَا

والمادة الأساسية لكل هذه الصور مادة قديمة، تداولها الشعراء عشرات المرات قبل البارودي، ولكنه جدد فيها بتوليداته، وأضاف إليها بتَنْويعاته، وبرع في الجمع بين أكثر من صورة قديمة في صورة واحدة جديدة، ومثال ذلك التنويع الأخير الذي يمكن أن نعثر علـى أصله في شعر البحتري قوله[113]:

كَأَنَّمَا غُدْرانُهَا فِي الوَهْدِ

يَلْعَبْنَ مِنْ حَبَابِهَا بِالنَّرْدِ

لكن البارودي أضاف إلـى صورة البحتري القديمة “مسائل الأرقام”، التي زاد بها الصورة طرافة وابتكارًا، فتميز عنه، وحقق الإضافة التي يسبق بها اللاحقُ السابقَ بعد أن استحق شرف المنافسة معه.

ومعنـى هذا: أن الشاعر أو الفنان لا يمكن أن يدعـي لنفسه معنـى؛ إذ لا بد من وجود صلة قوية بين معانيه ومعاني الشعراء السابقين عليه، وعلـى الشاعر أن يعرض هذه المعانـي عرضًا جديدًا في صورة جديدة تلائم عصره الذي يعيش فيه، وتعبِّر عن فكره وأهدافه وآماله في الحياة، حتـى ولو كان ذلك العرْض الجديد، بقلب المعنـى أو عكسه، أو بالخروج علـى الأعراف اللغوية المضطردة، ما لم تعد في خدمة الأغراض التي يسعـى إليها، فهو صاحب التعبير يبث في المادة المعطاة روحًا من أثره عليها، وتصرفه فيها.

ويؤيد هذا ما نقله “حازم” عن “ابن سينا” من تفاصيل هذه الصنعة، وهو أنه «لا يبعد أن نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر بحسب عادة هذا الزمان»[114].

وبناءً علـى ذلك؛ فلا نقتصر علـى تشبيه الجميل بالبدر، أو الشجاع بالأسد، أو الكريم بالبحر، وغير ذلك من التعبيرات “التشبيهات” التي فقدت جدتها وبهاءها. نقول ذلك لأن لكل زمان رجاله، ولكل عصر ثقافته، ولكل بيئة تقاليدها وطباعها، وليس معنـى هذا الذي نقول أننا ننادي بالقطيعة مع التراث، كلا، وإنما ندعو إلـى الإبداع في إنشاء الصورة والتفنُّن في أسلبتها، والتبرع في تركيبها.

وبناءً علـى ذلك؛ فإنه يمكن أن يشبه الجميل بشـيء مثله أو أجمل منه، وليس شرطًا أن يكون الشمس أو القمر، وإنما يكون حسبما يلتعج في النفس، وتجود به القريحة، وحسبما تلهم الصنعة الشاعر من ألوان في المعانـي والكلمات والأنغام، حتـى لو كانت مخالفة للشائع والمألوف بين الناس، كهذا التشبيه مثلاً: “إن فتياتنا جميلات كالليل” – وهو لقائل غربـي – إنه تشبيه جديد كل الجدة، إنه يَتَمَثَّل جمال المرأة ليلاً بهيمًا، فكأنه ثورة معلنة علـى التصور الشائع بين الناس من تشبيه الجميل بالشمس أو بالقمر، فإذا هذا الليل بما فيه من ظلمات وأهوال في تمثيل أخيلة الشعراء العرب القدماء (كامرئ القيس والنابغة)، يستحيل إلـى مظهر مزدخر بالشعرية والأحلام، ويغتدي مظنه للدعة والجمال والسكون والأمن واللذة والمتاع، ولما كان الليل بعض ذلك أو كله، في تمثل هذا القائل الغربـي، فقد عمد إلـى تشبيه جمال النساء به[115].

إن تشبيه الجميلات الفاتنات بالليل ليس عميقًا قشيبًا فحسب، وإنما استطاع أن يقلب موازين الذوق العام المتعارفة، والتقاليد المتآلفة بين النقاد البلاغيين العرب والغربيين جميعًا، والتـي كانت تقرر وجود تشبيه المجرد بالمحسوس، أو المحسوس بالمحسوس، فإذا التشبيه هنا ينهض علـى تشبيه المحسوس بالمجرد، والكائن الحـي العاقل بمظهر زمنـي محضٍ.

هنا يتجلَّـى إبداع اللغة، فلا يعجزها أن تنسج لنا من الصور الأدبية والتشبيهات العجيبة القشيبة ما يكون مثارًا للإدهاش، ومدعاة للإبهار، ومهما يكن من شأن، فإن الشعريات والبلاغيات تتضافران معًا من أجل ترقية نسيج الخطاب الأدبـي، وإثراء لغته، وتنميق تعبيره، وتوسعة استعمالاته، والتفنُّن في أساليبه؛ لأنَّ الغاية من ذلك كله إبهار المتلقِّـي، وأسر ذوقه، وصقْل رؤيته للجمال.

الخلاصة والنتائج البحثية

يُعد التشبيه المستطرف ذروة الإبداع البياني في البلاغة العربية، وتتلخص أهم نتائجه في الآتي:

1)     يقوم على الجمع بين المتباعدات والمتنافرات في الواقع وائتلافها لغوياً بفضل الخيال.

2)     يتجاوز النظرة الإجمالية إلى الدقة والاستقصاء في تفصيل الهيئات الحركية والسكونية والتخييلية.

3)     يوظف التمثيل والتعليل والتخييل لتأكيد المعاني الدقيقة وإقناع المتلقي.

4)     يفرض على المتلقي بذل الجهد فكرياً لتأمل الصورة، مما يعظم لذة الاكتشاف.

5)     يتقاطع مع المفاهيم النقدية الحديثة حول الصورة الشعرية الموحية وتلاحم الأفكار.

———————-

[1] ابن منظور، لسان العرب، مادة (طرف).

[2] الزمخشري، أساس البلاغة، مادة (طرف).

[3] د. أحمد مطلوب، فن التشبيه، ج1، ص 267.

[4] ابن منظور، لسان العرب، مادة (ظرف).

[5] الفيروزآبادي، القاموس المحيط.

[6] البكري، مواهب الفتاح، ج3، ص 403.

[7] التفتازاني، مفتاح العلوم (ص 183)؛ حاشية الدسوقي، ج3، ص 404؛ د. أحمد مطلوب، فن التشبيه، ج1، ص 267؛ د. محمد رجب النجار، استعادة الماضي، ص 285.

[8] الفارابي، جوامع الشعر، ص 175.

[9] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 136.

[10] د. محمد عبد المطلب، هكذا تكلم النص، ص 183.

[11] حاشية الدسوقي (ضمن شروح التلخيص)، ج3، ص 404.

[12] المرجع السابق، ج3، ص 404.

[13] د. أحمد مطلوب، فن التشبيه، ج1، ص 266.

[14] شروح التلخيص، ج3، ص 403؛ عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 117.

[15] نسبها الشاعر إلى الحجر المعروف باللازورد؛ حاشية الدسوقي (ضمن شروح التلخيص)، ج3، ص 403.

[16] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 117.

[17] د. صلاح فضل، قراءة الشعر وبناء الدلالة، ص 246، 247.

[18] حاشية الدسوقي، ج3، ص 404.

[19] شروح التلخيص، ج3، ص 406.

[20] ابن المعتز، ديوانه؛ أسرار البلاغة، ص 85.

[21] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 117.

[22] المرجع السابق، ص 118 (تعليق هـ. ريتر).

[23] المرجع السابق، ص 138، 139.

[24] هربرت ريد، بحث في علم الجمال، ص 576.

[25] ديوان ابن المعتز، ج2، ص 481.

[26] السحالة: برادة الذهب أو الفضة.

[27] شعر أبي هلال، ص 154.

[28] ديوان أبي تمام، ج2، ص 265.

[29] د. عبد العزيز عتيق، النقد الجمالي، ص 63.

[30] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 151.

[31] د. جابر عصفور، الصورة والبناء الشعري، ص 33.

[32] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 146.

[33] ماكس إيستمان، مبادئ النقد الأدبي، ص 315.

[34] د. محمد عبد المطلب، هكذا تكلم النص، ص 183.

[35] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 136.

[36] ديوان البحتري، ج1، ص 248، 249 (وفيه “العلا” بدل “الندى”).

[37] ف. فونك، قصة علم الجمال، ص 29.

[38] ديوان البحتري، ج2، ص 1253.

[39] المرجع السابق، ج2، ص 1256.

[40] الآمدي، الموازنة، ج1، ص 8، 9؛ الحازمي، المثل السائر، ج2، ص 137.

[41] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 134.

[42] د. محمد زكي العشماوي، مقدمة ديوان زهر الربيع لعبد الرحمن شكري.

[43] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 126.

[44] ديوان المتنبي، ج2، ص 9، 10.

[45] د. محمد مصطفى هدارة، التعبير البياني، ص 93، 94.

[46] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 165.

[47] د. محمد غنيمي هلال، التصوير البياني، ص 155.

[48] طه حسين، في الميزان الجديد، ص 77.

[49] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 262.

[50] عباس محمود العقاد، مراجعات في الأدب والفنون، ص 159.

[51] الجاحظ، الحيوان، ج3، ص 131.

[52] إبراهيم عبد القادر المازني، حصاد الهشيم، ص 137، 138.

[53] عبد القاهر الجرجاني، أسرار Vالبلاغة، ص 164.

[54] المرجع السابق، ص 170.

[55] المبرد، الكامل، ج2، ص 52.

[56] م. ب. بدوي، كولردج (ص 93)؛ د. محمد عبد المنعم خفاجي، الخطاب النفسي في النقد العربي القديم، ص 127.

[57] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 171.

[58] د. أحمد مطلوب، فن التشبيه، ج2، ص 81.

[59] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 171.

[60] د. عز الدين إسماعيل، النقد الأدبي الحديث (ص 445، 446)؛ د. نعيم اليافي، الصورة الفنية، ص 199.

[61] ابن سينا؛ “رسالة في البلاغة والخطابة” (ورقة 10)؛ راجع: الأسس الجمالية في النقد العربـي، ص 140.

[62] المرجع السابق، ص 140.

[63] أحمد راجح؛ أصول علم النفس، صـ 76، 77.

[64] حازم القرطاجني، منهاج البلغاء، صـ 64.

[65] نفسه، ص 71.

[66] نفسه، ص 71.

[67] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 262.

[68] ياقوت الحموي، خزانة الأدب، ص 265.

[69] ديوان أبي المحاسن الدمشقـي، ج2، ص 292؛ الغصون اليانعة، صـ 127.

[70] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 223.

[71] حازم القرطاجني، منهاج البلغاء، ص 71.

[72] المرجع السابق، ص 113.

[73] قدامة بن جعفر، نقد الشعر، ص 62 وما بعدها.

[74] ديوان المتنبـي، ج3، ص 151.

[75] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 109، 110.

[76] ديوان حافظ إبراهيم، ص 22، دار العودة، بيروت.

[77] د. محمد رجب النجار، استعادة الماضي، ص 290.

[78] ابن الأثير، المثل السائر، ج2، ص 123، 127.

[79] يحيى بن حمزة العلوي، الطراز، ج1، ص 275.

[80] د. جميل صليبا، فلسفة الجمال في البلاغة العربية، ص 210.

[81] أبو العلاء المعري، سقط الزند، ص 719.

[82] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 343.

[83] ابن خفاجة، مقدمة الديوان، ص 10.

[84] ميخائيل نعيمة، فن الأدب، ص 11.

[85] المرجع السابق، ص 11 وما بعدها.

[86] Vingt Lecons sur Les beaux arts, P. 290-293.

[87] ديوان ذي الرمة، ج1، ص 578.

[88] ديوان أبي نواس، ص 27.

[89] شرح ديوان المتنبـي، ج2، ص 227.

[90] د. أحمد مطلوب، فن التشبيه، ج2، ص 252.

[91] ديوان امرئ القيس، ص 31.

[92] ابن رشيق، العمدة، ج1، ص 175.

[93] بنديتو كروتشة، المجمل في فلسفة الفن، ص 60، 61.

[94] ديوان عدي بن الرقاع، ص 83.

[95] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 140، 141؛ الكامل للمبرد، ج2، ص 109.

[96] د. محمد غنيمي هلال، التصوير البياني، ص 121، 122.

[97] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 141.

[98] د. محمد مصطفى هدارة، التعبير البيانـي، ص 100.

[99] الصورة الشعرية عند البردونـي، ص 126.

[100] د. أحمد مطلوب، فن التشبيه, ج3, ص 82.

[101] السكاكي، مفتاح العلوم، ص 122.

[102] عباس محمود العقاد، ابن الرومـي حياته من شعره، ص 308.

[103] د. أحمد مطلوب، فن التشبيه، ج3, ص 82.

[104] ديوان علـي بن جبلة، ص 74، تحقيق د. حسين عطوان.

[105] ديوان أبـي العتاهية، ص 233.

[106] الأغانـي، ج19، ص 142؛ العقد الفريد، ج5، ص 374.

[107] ديوان المتنبـي، ج1، ص 29.

[108] ديوان البارودي، ج1، ص 18، 19.

[109] المرجع السابق، ج1، ص 24-26.

[110] المرجع السابق، ج2، ص 192.

[111] المرجع السابق، ج2، ص 56، 57.

[112] المرجع السابق، ج1، ص 221.

[113] ديوان البحتري، ج1، ص 568.

[114] حازم القرطاجني، منهاج البلغاء، ص 69.

[115] د/ عبدالملك مرتاض، مقال الصورة الأدبية.. الماهية والوظيفة، الإصدار الدورى للنقد “علامات”، جـ22، م6، ديسمبر 1996م، ص 178-212.

ترك تعليق