العربية بين الضاد والظاء: قراءة لغوية في خصوصية الأصوات العربية
العربية بين الضاد والظاء: قراءة لغوية في خصوصية الأصوات العربية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فقد شاع في التراث اللغوي العربي وصف العربية بأنها “لغة الضاد”، حتى أصبح هذا الوصف من أشهر السمات الملازمة لها، بل غدا جزءًا من هويتها الثقافية واللسانية. وإذا ذُكرت لغة الضاد، انصرف الذهن مباشرة إلى العربية دون غيرها. غير أن هذا الوصف، على شدة شيوعه ورسوخه، يثير تساؤلات علمية تستحق النظر والتأمل؛ إذ يبرز سؤال جوهري مفاده: هل العربية هي حقًا اللغة الوحيدة التي اختصت بصوت الضاد؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه تميزًا نسبيًا من حيث كثافة الاستعمال لا من حيث الانفراد المطلق؟ ثم هل الضاد هو الصوت الأحق بأن تنسب إليه العربية، أم أن ثمة صوتًا آخر ينافسه في هذه المنزلة؟
هذه الأسئلة تمثل مدخلًا مهمًا لفهم البنية الصوتية للعربية، وتفتح الباب أمام دراسة مقارنة بين العربية واللغات السامية الأخرى، ولا سيما فيما يتعلق بالأصوات النادرة التي احتفظت بها العربية بينما فقدتها أو هجرتها لغات أخرى.
تُعد أصوات العربية في مجملها امتدادًا مباشرًا للأصوات التي يرجح علماء اللغة وجودها في اللغة السامية الأم، وقد حافظت العربية على نصيب وافر من هذه المنظومة الصوتية مقارنة بعدد من اللغات السامية الأخرى. ومع ذلك، فإن بعض الأصوات شهد تحولات صوتية واضحة عبر الأزمنة، وكان صوت الضاد من أبرز هذه الأصوات.
فقد تعرض الضاد في عدد من اللغات السامية لتحولات صوتية متعددة؛ إذ تحول في بعض اللغات إلى صاد، وفي بعضها الآخر إلى غين أو عين. وهذا التحول الصوتي لا يعد تحولًا يسيرًا، بل هو من الظواهر التي استوقفت الباحثين بسبب تعقيدها وصعوبة تفسيرها تفسيرًا دقيقًا.
ويرى اللغويون أن السبب الرئيس وراء هذه التحولات يعود إلى الخصائص الصوتية الفريدة لحرف الضاد، فهو من الأصوات الثقيلة عسيرة النطق، الأمر الذي جعل كثيرًا من الألسنة تميل إلى استبداله بأصوات أخرى أكثر سهولة وأقرب إلى طبيعتها الصوتية.
ومن هنا برزت خصوصية العربية؛ إذ حافظت على هذا الصوت وأبقت عليه حيًا في نظامها الصوتي، وهو ما أكسبها مكانة مميزة بين اللغات. ولعل هذا ما يفسر ارتباط الضاد بالعربية في الوعي اللغوي العربي، حتى صار رمزًا من رموز الفصاحة والاعتزاز بالهوية اللغوية.
غير أن شيوع هذا الوصف لا يعني بالضرورة صحته المطلقة من الناحية العلمية. فإطلاق حكم من قبيل أن صوتًا معينًا مختص بلغة دون سائر لغات البشر يحتاج إلى استقراء واسع ودقيق، وهو أمر بالغ الصعوبة، بل يكاد يكون متعذرًا.
ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة على اتجاهات متعددة. فذهب فريق إلى أن الضاد خاص بالعربية وحدها، واستدلوا بجملة من النصوص والأقوال المأثورة عن بعض العلماء واللغويين. ومن أشهر ما استندوا إليه الحديث المشهور على الألسنة: «أنا أفصح من نطق بالضاد».
إلا أن أهل الحديث والبحث العلمي قد بينوا أن هذا الخبر لا يصح من جهة الإسناد، بل لا أصل له في كتب الحديث المعتمدة، ومن ثم فلا يصح الاحتجاج به لإثبات قضية لغوية بهذا الحجم.
كما استدل بعضهم بكلام عدد من علماء اللغة المتقدمين، لكن التأمل في نصوصهم يدل على أن غاية ما تفيده هو الإشارة إلى ندرة هذا الصوت في بعض اللغات، لا انعدامه المطلق في جميع اللغات الأخرى.
وفي المقابل، ذهب فريق آخر من العلماء إلى أن الضاد لا يختص بالعربية اختصاصًا مطلقًا، بل يوجد في لغات أخرى بدرجات متفاوتة، وإن كان ظهوره فيها أقل بكثير من ظهوره في العربية.
وهذا الاتجاه يبدو أكثر اتزانًا من الناحية العلمية؛ لأنه يميز بين الانفراد المطلق والانفراد النسبي. فالعربية ليست بالضرورة اللغة الوحيدة التي عرفت الضاد، لكنها بلا شك من أكثر اللغات استعمالًا له، ومن أشدها محافظة عليه.
ومن هنا يمكن القول إن تميز العربية بالضاد إنما يرجع إلى كثافة حضوره في نظامها الصوتي، لا إلى انعدامه الكامل في سائر الألسنة.
غير أن البحث في هذه القضية يقود إلى سؤال آخر أكثر إثارة: إذا لم يكن الضاد خاصًا بالعربية على وجه الإطلاق، فهل يوجد صوت آخر أكثر خصوصية للسان العربي؟
وهنا يبرز صوت الظاء بوصفه أحد أبرز المرشحين لهذه المنزلة، بل إن عددًا من كبار علماء اللغة ذهبوا إلى أن الظاء أولى من الضاد بأن تنسب إليه العربية.
وهذا ما سنعرض له في الجزء التالي من المقال، من خلال دراسة حضور الظاء في العربية واللغات السامية الأخرى، وبيان الأسباب التي جعلت بعض العلماء يفضلون وصف العربية بأنها لغة الظاء بدلًا من لغة الضاد.
هذا هو الجزء الأول بعد
تحسين الأسلوب اللغوي والنحوي ورفع جودة السرد.
وسأكمل بنفس المستوى في الجزء الثاني
(الظاء ولماذا هو أولى من الضاد).
