جماليات الإغراب والابتكار: دراسة تحليلية شاملة في مفهوم التشبيه المستطرف عند البلاغيين والنقاد

 

محتويات المقال (فهرس الموضوعات):

·   المقدمة: الإطار المفهومي للاستطراف لغة واصطلاحاً.

·   الاستطراف في الاصطلاح وبراعة الصنعة.

·   وسائل وطرق الاستطراف في التشبيه: أولاً الغرابة.

·   إبراز المشبه المعلوم في صورة المشبه به المعدوم.

·   أن يكون المشبه به نادر الحضور في الوجود أو في الذهن.

·   شروط التأليف بين المتباعدات وقبول الأضداد.

·   ثانياً: الاستطراف والتمثيل

  • ثالثاً: الاستطراف والتفصيل (في الهيئات الحركية والسكونية).
  • الخلاصة والنتائج البحثية.

 

جماليات الإغراب والابتكار: دراسة تحليلية شاملة في مفهوم التشبيه المستطرف عند البلاغيين والنقاد

المقدمة: الإطار المفهومي للاستطراف لغة واصطلاحاً

يحمل مفهوم “الاستطراف” في جذره اللغوي دلالات الاستحداث والاستغراب؛ فإذا قيل عن أمر ما إنه “طريف”، فالمقصود به أنه طيب ومستجاد ومستغرب في الثمر وغيره. وتقول العرب: “طَرُفَ الشيءُ” أي صار طريفاً. وقد نقل ابن الأعرابي عن خالد بن صفوان قوله: «خير الكلام ما طرُفت معانيه، وشرُفتْ مبانيه، والتذَّته آذان سامعيه». وإذا أطرف فلان، فإنه يأتي بطُرفة، واستطرف الشيء أي عده طريفاً واستحدثه، فالطُرفة هي الأمر المستحدث المعجب[1][2].

2. الاستطراف في الاصطلاح وبراعة الصنعة

في الاصطلاح البلاغي، يُقصد بالاستطراف إنشاء المُشبَّه في صورة تُعد “طُرفة” لجدتها وغرابته، وذلك بغية التلذذ به؛ استناداً إلى القاعدة النفسية القائلة بأن لكل جديد مستحدث لذة في الأعم الأغلب، وكما يُقال: “كل جديد مستحب”[3].

كما يصح لغوياً أن يُشتق هذا المفهوم من مادة “الظَّرْف” بالظاء، بمعنى البراعة وذكاء القلب وحسن المنطق وطلاقة اللسان، ولا مانع من إرادة هذا المعنى، إذ يشمل الظرف حسن الوجه والهيئة، فيكون استظراف المشبه مرادفاً لجعله مستحسناً جميلاً لكونه يظهر في وصف أمر غريب مستحدث يدل على براعة مُوجِده وشاعريته[4][5][6].

وبناءً على ذلك، فالتشبيه المستطرف هو: التشبيه الذي يلفت الانتباه بغرابته وندرة مكونات المشبه به أو نفاستها. وهو ينبع من إبراز المشبه المعلوم في صورة المشبه به المعدوم، أو جعل المشبه به نادر الحضور في الوجود أو في الذهن[7]. وقد ذهب البلاغيون القدماء إلى أن التشبيه إذا قام على عناصر متقاربة كل التقارب، كان عادياً مبْتذلاً، حيث ذكر الفارابي أن كثيراً من الناس يجعلون محاكاة الشيء بالأمر الأبعد أتم وأفضل، ويجعلون الصانع للأقاويل التي بهذه الحال أحق بالمحاكاة وأدخل في الصناعة[8]. وفي السياق ذاته، يرى عبد القاهر الجرجاني أن الصنعة والحذق والنظر يظهران في قدرة البليغ على الجمع بين أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة، ويعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة، ولا شرفت صنعة ولا ذكر بالفضيلة عمل إلا لأنهما يحتاجان لإيجاد الائتلاف في المختلفات[9].

3. وسائل وطرق الاستطراف في التشبيه: أولاً الغرابة

تُعد الغرابة الوسيلة الأولى من وسائل الاستطراف، ويُقصد بها حسن الجمع بين المتباعدين والتأليف بين المتضادين، بحيث يؤول التنافر المعجمي -بواسطة الخيال- إلى تكامل سياقي[10] يكون أقدر على إثارة التأمل لما فيه من حذق ولطف وظرف. وتتجلى هذه الغرابة في مسارين أساسيين هما: إبراز المشبه في صورة الممتنع، وندرة حضور المشبه به في الذهن أو الوجود.

4. إبراز المشبه المعلوم في صورة المشبه به المعدوم

يتجلى هذا المسار بوضوح في قول الشاعر:

رَأَيْتُ فَحْمًا سَرَى فِيهِ اللَّهِيبُ حَكَى ***بَحْرًا مِنَ المِسْكِ ذَا مَوْجٍ مِنَ الذَّهَبِ

في هذا البيت، يُشبّه الفحم الذي فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب. ومن الصعب أن تتمثل في خيالك صورة بحر من المسك موجه الذهب حين تنظر إلى فحم فيه جمر موقد، ولكن الشاعر استطرف المشبه هنا لإظهاره في صورة الممتنع؛ وذلك لأن المشبه به وهو البحر من المسك الذائب وأمواجه الذهب ممتنع عادة، ونادر الحضور في الذهن، وندرة الحضور موجبة لغرابة ذلك النادر، وإذا شُبّه غير النادر بالنادر المستطرف انتقلت صفة الندرة لذلك المشبه، وصار مبرزًا في صورته فينجرُّ الاستطراف إليه[11].

إذًا، فالاستطراف هنا له جهتان: إبراز المشبه في صورة المُمتنع، وإظهاره في صورة نادر الحضور، ولا منافاة بين الجهتَيْن. فالناس في واقع حياتهم لم يروا ولن يروا مثل هذا البحر العجيب الغريب الذي لا يتحقق إلا في سبحات الخيال وأضغاث الأحلام.

ومنه أيضاً قول السري الرفاء يصف شمعة:

كَأَنَّهَا نَخْلَةٌ بِلاَ سَعَفٍ *** تَحْمِلُ أتْرُجَّةً مِنَ النَّارِ

فمثل هذه النخلة بهذا الوصف الطريف الغريب لا تبرزه العادة يوماً ما، ولا هي حاضرة في الوجود. ولما كان وجه الشبه في هذا التشبيه هيئة اعتبرت في الممتنع عادة، لم يقتض أن يكون الوجه أظهر وأعرف؛ لأن هذه الهيئة في المشبه أعرف إذ هو بنفسه أظهر وأقرب إدراكاً من المشبه به، ولكن لما كان المشبه به أخفى -ومعلوم أنه يلزم من خفائه خفاء وصفه- كان التشبيه أشد استطرافاً على ما تقرر في جميع الغرائب. وليس وجه الشبه هنا هو منشأ المنع عادة، بل منشأ المنع ذات المشبه به بسبب ندرة مكوناته ونفاستها أو عدم تحققها في واقع الناس[12][13].

5. أن يكون المشبه به نادر الحضور في الوجود أو في الذهن

تأخذ ندرة الحضور صورتين:

الندرة المطلقة (مُطلقًا لبُعْد تصوُّره): سواء أخْطَرْتَ المشبه ببالك أم لا، فإنه من الصعوبة بمكان أن تتمثل في خيالك صورة بحر من المسك موجه الذهب حين تنظر فحمًا فيه جمر موقد، فإذا أُحضرت هذه الصورة استُطرِفت استطراف النوادر عند مشاهدتها، واستلذت استلذاذ الفلتات لجدتها.

الندرة النسبية (عند حضور المشبه): ليست في كل الأحوال، بل عند حضور المشبه في إبان الحديث عنه، بأن يكون المشبه به مشاهدًا مُعتادًا، لكن مواطنه غير مواطن المشبه؛ لأن كلاًّ منهما من وادٍ غير وادي الآخر، فيبعد حضور أحدهما في الذهن عند حضور الآخر، لبُعد نسبته إليه، كما في قول الشاعر[14]:

وَلَازِوَرْدِيَّةٍ تَزْهُو بِزُرْقَتِهَا بَيْنَ الرِّيَاضِ عَلَى حُمْرِ الْيَوَاقِيتِ

كَأَنَّهَا فَوْقَ قَامَاتٍ ضَعُفْنَ بِهَا أَوَائِلُ النَّارِ فِي أَطْرَافِ كِبْرِيتِ[15]

فهو يشبه صورة زهر البنفسج بلونها المائل إلى الزرقة، وقد أحاطت بها باقة من الورود الحمراء أقصر منها قامة، بصورة اللهب المشتعل في أوائل عود كبريت. وهذا التشبيه -في رأي عبد القاهر- بلغ حدًّا كبيرًا من الإغراب والإعجاب؛ لأن الشاعر جمع فيه بين متباعدين، وهما نبات غض يرف، ولهب نار في جسم مستولٍ عليه اليبس وبادٍ فيه الكلف[16]. فهذان الطرفان متباعدان لا يفطن لعلاقتهما إلا ذكي يقظ يستطيع استشرف العلاقات الخفية ليبرزها في نسق لغوي أخاذ.

فكلاهما يستدعي إلى النفس مشاعر متباينة بل متنافرة؛ فزهرة البنفسج بنضرتها توحي بالرقة والجمال، بينما لهب الكبريت يوحي بحرارة النار والاحتراق[17]. وتتضح دقة الوصف في تقييده بـ “أوائل” و”في أطراف” الكبريت؛ لأن النار متى طال مقامها في الكبريت وتمكنت منه احمرَّت وصفت وزال ما فيها من الزرقة[18]. ولا يخفى أن صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها ندرة بحر المسك، لكن يندر حضورها عند حضور صورة البنفسج[19].

وقد بنى عبدالقاهر سر الاستطراف هنا على القاعدة النفسية: “ظهور الشيء من معدنه لا يستغرب”، وقد ظهر الشيء هنا من غير معدنه فعُدّ غريبًا. ولذلك نجد تشبيه البنفسج أغرب وأعجب من تشبيه النرجس بمداهن در حشوهن عقيق[20][21][22].

6. شروط التأليف بين المتباعدات وقبول الأضداد

على الرغم من اللذة التي تجدها النفس في بعد معاندة التشبيهات التي تجمع بين متضادين وتقرب بين متباعدين، إلا أنها لا تستسيغ دومًا كل جمع بين متباعدين، بل تشترط أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفي ظاهر الأمر شبهًا صحيحًا معقولاً، وتجد للملائمة والتأليف السوي بينهما مذهبًا وإليهما سبيلاً[23]. فإذا توافر عقليًّا الوفاق الحسن مع الخلاف البين -كأن تكون الأفعال سببًا لضدها، أو أن يكون المشبه شيئًا حقيرًا أبرز في صورة شـيء نفيس، أو أن يكون شيئًا مكروهًا بغيضًا أبرز في صورة شـيء جميل محبوب- كان ذلك أدعـى إلى الاستطراف والقبول.

من الأول (الأفعال سببًا لضدها): قول الشاعر:

أَعْتَقَنِي سُوءُ مَا صَنَعْتَ مِنَ الرِّقِّ فَيَا بَرْدَهَا عَلَى كَبَدِي

فَصِرْتُ عَبْدًا لِلسُّوءِ فِيكَ وَمَا أَحْسَنُ سُوءٌ قَبْلي إِلَى أَحَدِ

فهذا مما يثلج الصدر ويحرك النفس لحسن تبدي الأضداد وتآلفها؛ لأن الوفاق بين الأضداد يفتح أبواب الاتصال بين عالمين جرت العادة باعتبارهما منفصلين[24] مما يثير الاستغراب والدهشة.

ومن الثاني (الحقير في صورة نفيس): قول ابن المعتز يصف النار[25]:

كَأَنَّ الشِّرَارَ عَلَى نَارِنَا وَقَدْ راقَ مَنْظَرُهُ كُلَّ عَيْنِ

سُحَالَةُ تِبْرٍ إِذَا مَا عَلا فَإِمَّا هَوَتْ فَفُتَاتُ[26] اللُّجَيْنِ

وقد أخذه أبو هلال العسكري فقال[27]:

أَوْقَدْتُ بَعْدَ الهُدُوِّ نَارًا لَهَا عَلَى الطَّارِقَيْنِ عَيْنُ

شِرَارُها إِنْ عَلاَ نُضَارٌ لَكِنَّهُ إِنْ هَوَى لُجَيْنُ

فبناء التشبيه هنا اشتمل على عنصرين متضادين متغايرين، إلا أن ابن المعتز كان أكثر توفيقًا وزاد التشبيه استطرافًا باستخدام “فتات اللجين”.

ومن الثالث (تحسين القبيح): قول أبـي تمام في صفرة المرض[28]:

مَعْدِنُ الحُسْنِ وَالمَلاحَةِ قَدْ أَصْبَحَ لِلسُّقْمِ مَعْدِنًا وَقَرَارَا

لَم تَشِنْ وَجْهَهُ المَلِيحَ وَلَكِنْ جَعَلَتْ وَرْدَ خَدِّهِ جُلَّنَارَا

ويرتبط الأمر هنا بمدى ما يكون بين طرفيه من تباين في الجنس أو المكان، وفيما يتوافر بين أجزاء تلك الصورة من غرابة. وقد سبق عبدالقاهر الجرجاني بهذه الفكرة النُّقَّاد المحدثين في الأدب الأوربي (عزرا بوند) الذي ذكر أن الصورة تُعنَى بالجمع بين الأفكار المتباعدة والانفعالات المتباينة بهدف إحداث صدمة شعورية، وعمق هذه الفكرة تلميذه (ت. س. إليوت) عند حديثه عن فاعلية “الحس الشعري”[29]. والتشبيه المستند لأمر تبصره العيون كل يوم يفقد الطرافة، وفي هذا يقول عبدالقاهر: “العيون هي التي تحفظ صور الأشياء على النفوس، ولذلك قالوا من غاب عن العين غاب عن القلب”[30]. وعلى العكس، التشبيه القائم على أمر تقل رؤيته يُعد بديعاً مستطرفاً لاعتماده على قوة التركيز ونفاذ البصيرة[31]، ومما يجتمع فيه الندرة قول أبي طالب الرقي: «وَكَأَنَّ أَجْرَامَ النُّجُومِ لَوَامِعًا… دُرَرٌ نُثِرْنَ عَلَى بِسَاطٍ أَزْرَقِ»[32].

7. ثانياً: الاستطراف والتمثيل

ومما يزيد المعاني جدة وطرافة إذا أبرزت في معرض التمثيل، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته كساها أبهة، وضاعف من قواها في تحريك النفوس، ولا سيما إذا اشتمل التشبيه التمثيلي على علة طريفة تجلي المعنى وتقربه. وللتمثيل المدى الذي لا يجارى إليه؛ لأنه يفيد صحة التشبيه، وينفي الريب، ويؤمن صاحبه تكذيب المخالف[35].

ومن أمثلة ذلك قول البحتري يمدح أبا الفضل إسماعيل بن إسحاق:

دَانٍ إِلَى أَيْدِي العُفَاةِ وَشَاسِعٌ عَنْ كُلِّ نِدٍّ فِي النّدَى وَضَرِيبِ

كَالبَدْرِ أَفرَطَ فِي العُلُوِّ وَضَوءُهُ لِلعُصبَةِ السَّارِينَ جَدُّ قَرِيبِ

يدعي البحتري الجمع بين معنيين متضادين هما (دانٍ، وشاسع) في البيت الأول، ولكنه بصنعته الشاعرة وخياله المحلق أرانا المعنى في إطار بديع من التمثيل، فجعل الممدوح بمثابة البدر البعيد في مكانه القريب بضوње، فلا يسع العقل إلا أن يقر ويذعن[35][36]. إن ما يميز هذا التشبيه التلاحم، والتغيير في صياغته يفقده جماله. وجاء هذا المدح تلطفاً من الشاعر ليدخل السرور على قلب ممدوحه.

وقد شهد أبو تمام وعبدالقاهر للبحتري بالقدرة على رد البعيد الغريب إلى المألوف القريب، وذكر عبدالقاهر أن المعنى إذا أتاك ممثلاً فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة، وما كان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر فإذا نيل بعد الطلب كان موقعه من النفس أجل[39][40][41][42].

ومن هذا الضرب ما قاله أبو تمام فيمنزل ضنك تخيل به القنا بين الضلوع، وكذلك قول المتنبي مخاطباً سيف الدولة في اتخاذه الضرغام بازاً لصيده، وهو تشبيه يحتاج إلى معاودة القراءة وإنعام النظر لتكشف دلالاته الظاهرة والمبطنة[43][44].

8. ثالثاً: الاستطراف والتفصيل (في الهيئات الحركية والسكونية)

إن التشبيه بين المتباعدات لا بد أن يقوم على رابطة يقرها العقل، وإن مما يزداد به التشبيه دقة وسحرًا أن يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركات؛ كقول جبار بن جزء في الشمس: «وَالشَّمْسُ كَالْمِرْآةِ فِي كَفِّ الأَشَلِّ». يحلل عبدالقاهر هذا التشبيه مبيناً أن للشمس حركة دائمة في غاية السرعة ولنورها تموج واضطراب، ولا يتحصل هذا الشبه إلا بأن تكون المرآة في يد الأَشَل؛ لأن حركته تدور وتتَّصل ويكون فيها سرعة وقلق شديد، فيتموج نور المرآة[45][46][47].

ومما جاء من ذلك ولطف قول ابن الرومـي يصف الخباز وهو يدحو الرقاقة:

إِنْ أَنْسَ لاَ أَنْسَ خَبَّازًا مَرَرْتُ بِهِ***يَدْحُو الرُّقَاقَةَ وَشْكَ اللَّمْحِ بِالبَصَرِ

هنا استخدم الشاعر الخيال التصويري لرسْم صورة الخباز، فقدم لنا صورة تشبيهية تثير الدهشة؛ فالخباز يتناول كرة العجين فيبسطها بسرعة لتزداد استدارتها، ثم ربط الشاعر هذا المشهد بما يتشكل في صفحة الماء الساكن حين يلقي فيه بالحجر لتتوالد دوائر متتالية[47][48][49]. وقد اعترف العقاد ببراعة ابن الرومي في هذا النمط التصويري، معتبراً أنه ينظر إلى الأشياء بعين مصور صناع، وهو ما خطط له الجاحظ من قبل بأن الشعر ضرب من النسج وجنس من التصوير[50][51].

وبقدر ما تكثر التفاصيل في التشبيه تعظم قيمته البلاغية؛ ولهذا اعتبرت هيئة السكون أيضاً في التشبيه، كقول الأخيطل في وصف مصلوب:

كَأَنَّهُ عَاشِقٌ قَدْ مَدَّ صَفْحَتَهُ ***يَوْمَ الوَدَاعِ إِلَى تَوْدِيعِ مُرْتَحِلِ

أورد المبرد هذين البيتين في “الكامل”[55]، وبين أن التصوير ينص على ابتكارية خيال الشاعر لبعد العلاقة بين العاشق والمصلوب، وكذلك الشبه بين المصلوب والشخص القائم من نومه المتمطي[55][56]. ويتوقف عبدالقاهر عند هذا الشرح مبيناً أن التشبيه لطف لكثرة ما فيه من التفصيل والتقييد الذي يفيد استدامة تلك الهيئة[57][58][59][60].

9. الخلاصة والنتائج البحثية

يُعد التشبيه المستطرف ذروة الإبداع البياني في البلاغة العربية، وتتلخص أهم نتائجه في الآتي:

1)  يقوم على الجمع بين المتباعدات والمتنافرات في الواقع وائتلافها لغوياً بفضل الخيال.

2)  يتجاوز النظرة الإجمالية إلى الدقة والاستقصاء في تفصيل الهيئات الحركية والسكونية.

3)  يوظف التمثيل والتعليل لتأكيد المعاني الدقيقة وإقناع المتلقي.

4)  يفرض على المتلقي بذل الجهد فكرياً لتأمل الصورة، مما يعظم لذة الاكتشاف.

5)  يتقاطع مع المفاهيم النقدية الحديثة حول الصورة الشعرية الموحية وتلاحم الأفكار.

————————–

[1] ابن منظور، لسان العرب، مادة (طرف).

[2] الزمخشري، أساس البلاغة، مادة (طرف).

[3] د. أحمد مطلوب، فن التشبيه، ج1، ص 267.

[4] ابن منظور، لسان العرب، مادة (ظرف).

[5] الفيروزآبادي، القاموس المحيط.

[6] البكري، مواهب الفتاح، ج3، ص 403.

[7] التفتازاني، مفتاح العلوم (ص 183)؛ حاشية الدسوقي، ج3، ص 404؛ د. أحمد مطلوب، فن التشبيه، ج1، ص 267؛ د. محمد رجب النجار، استعادة الماضي، ص 285.

[8] الفارابي، جوامع الشعر، ص 175.

[9] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 136.

[10] د. محمد عبد المطلب، هكذا تكلم النص، ص 183.

[11] حاشية الدسوقي (ضمن شروح التلخيص)، ج3، ص 404.

[12] المرجع السابق، ج3، ص 404.

[13] د. أحمد مطلوب، فن التشبيه، ج1، ص 266.

[14] شروح التلخيص، ج3، ص 403؛ عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 117.

[15] نسبها الشاعر إلى الحجر المعروف باللازورد؛ حاشية الدسوقي (ضمن شروح التلخيص)، ج3، ص 403.

[16] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 117.

[17] د. صلاح فضل، قراءة الشعر وبناء الدلالة، ص 246، 247.

[18] حاشية الدسوقي، ج3، ص 404.

[19] شروح التلخيص، ج3، ص 406.

[20] ابن المعتز، ديوانه؛ أسرار البلاغة، ص 85.

[21] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 117.

[22] المرجع السابق، ص 118 (تعليق هـ. ريتر).

[23] المرجع السابق، ص 138، 139.

[24] هربرت ريد، بحث في علم الجمال، ص 576.

[25] ديوان ابن المعتز، ج2، ص 481.

[26] السحالة: برادة الذهب أو الفضة.

[27] شعر أبي هلال، ص 154.

[28] ديوان أبي تمام، ج2، ص 265.

[29] د. عبد العزيز عتيق، النقد الجمالي، ص 63.

[30] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 151.

[31] د. جابر عصفور، الصورة والبناء الشعري، ص 33.

[32] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 146.

[33] ماكس إيستمان، مبادئ النقد الأدبي، ص 315.

[34] د. محمد عبد المطلب، هكذا تكلم النص، ص 183.

[35] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 136.

[36] ديوان البحتري، ج1، ص 248، 249 (وفيه “العلا” بدل “الندى”).

[37] ف. فونك، قصة علم الجمال، ص 29.

[38] ديوان البحتري، ج2، ص 1253.

[39] المرجع السابق، ج2، ص 1256.

[40] الآمدي، الموازنة، ج1، ص 8، 9؛ الحازمي، المثل السائر، ج2، ص 137.

[41] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 134.

[42] د. محمد زكي العشماوي، مقدمة ديوان زهر الربيع لعبد الرحمن شكري.

[43] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 126.

[44] ديوان المتنبي، ج2، ص 9، 10.

[45] د. محمد مصطفى هدارة، التعبير البياني، ص 93، 94.

[46] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 165.

[47] د. محمد غنيمي هلال، التصوير البياني، ص 155.

[48] طه حسين، في الميزان الجديد، ص 77.

[49] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 262.

[50] عباس محمود العقاد، مراجعات في الأدب والفنون، ص 159.

[51] الجاحظ، الحيوان، ج3، ص 131.

[52] إبراهيم عبد القادر المازني، حصاد الهشيم، ص 137، 138.

[53] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 164.

[54] المرجع السابق، ص 170.

[55] المبرد، الكامل، ج2، ص 52.

[56] م. ب. بدوي، كولردج (ص 93)؛ د. محمد عبد المنعم خفاجي، الخطاب النفسي في النقد العربي القديم، ص 127.

[57] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 171.

[58] د. أحمد مطلوب، فن التشبيه، ج2، ص 81.

[59] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 171.

[60] د. عز الدين إسماعيل، النقد الأدبي الحديث (ص 445، 446)؛ د. نعيم اليافي، الصورة الفنية، ص 199.


 

ترك تعليق