التُّراثُ النَّحْويُّ بينَ الجُّمودِ والتَّجديدِ

التُّراثُ النَّحْويُّ بينَ الجُّمودِ والتَّجديدِ

يُعتَبرُ التراثُ النَّحْويُّ الذي خلَّفَه علماءُ اللُّغةِ العربيةِ القدماءُ في غايةِ النفاسةِ والتميُّزِ. وقد أفادَ منه العلماءُ وطلابُ اللُّغةِ العربيةِ على مَرِّ العصورِ والأزمانِ. فقاموا بشرحِ بعضِه وتهذيبِ بعضِه الآخرِ، وجعلوه مادةً للتدريسِ في حلقاتِهِمُ الممتدةِ من بغداد شرقاً حتى غرناطة وقرطبة غرباً. غيرَ أنَّ التراثَ النَّحْويَّ اعتراه ما اعترى غيرَه من العلومِ والمعارفِ؛و عَلِقَتْ به شوائبُ المنطقِ والفلسفةِ، ما دعا كثيراً من الناسِ إلى الابتعادِ عن كتبِ التراثِ النَّحْويِّ والزهدِ فيها. وضعفِ الميلِ إليها وافتقرَ الناسُ إلى الرغبةِ فيها. كلُّ ذلكَ كان مدعاةً لظهورِ أصواتٍ متعددةٍ تُنادي بإصلاحِ (النحوِ العربيِّ) وتنقيتِه من الشوائبِ التي اعترَتْه على مرِّ العصورِ والأزمانِ، والمساهمةِ في تقريبِه وتبسيطِه للطلابِ بمُختلِفِ مستوياتِهِمُ العلميةِ وقدراتِهِمُ العقليةِ.

فظهرَ قديماً وحديثاً من بسَّطَ اللغةَ المستخدمةَ في النحوِ العربيِّ، ومن قامَ باختصارِ قواعدِه وبلورتِها، ومن ألفَ في طرقِ تدريسِ هذا النحوِ ومناهِجه. ويُعتبَرُ كتابُ ابن مضاء القرطبي (ت 592ه): الرد على النحاة؛ من أظهرِ وأميزِ المحاولاتِ القديمةِ التي دعَتْ إلى التيسيرِ والإصلاحِ في الأصولِ والنظرياتِ العامةِ والتي قامَ عليها النحْوُ العربيُّ قديماً. وقد قامَ الدكتورُ شوقي ضيف (ت 2005) بنشرِ كتابِ ابنِ مضاءٍ القرطبيِّ؛ وكان سبباً في أحداثِ ضجةٍ فكريةٍ وثقافيةٍ كبيرةٍ في الهيئاتِ والأوساطِ العلميةِ. وفي عصرِنا الحاضرِ تتابعتِ الدعواتُ المطالبةُ بتيسيرِ النحوِ العربيِّ وتبسيطِه للمتعلمينَ. وكان الدكتورُ شوقي ضيف (ت 2005) في طليعةِ العلماء الذين تركوا بصمةً واضحةً في هذا الميدانِ. ولم يتوقفِ الأمر عندَ شوقي ضيف؛ فقد أصدرَ الأستاذُ إبراهيم مصطفى كتاباً بعنوانِ (إحياءُ النحوِ)؛ طالبَ فيه بإعادةِ النظرِ في أصولِ النحوِ العربيِّ ومبادئِه.

و من أهمِّ الكتبِ التي جاءَتْ في علمِ النحوِ هو كتابُ شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك العسقلانيِّ وهي عبارةٌ عن أبياتٍ شعريةٍ من ألفٍ وثلاثةٍ أبياتٍ نَظَمَها ابن مالك وشرحَها ابن عقيل تشرحُ قواعدَ النحوِ، تسهيلاً لطلابِ العلمِ النحْوِيِّ.

متنزهاتُ موضوعِ علمِ النحوِ

ضبطُ أواخرِ الكلماتِ إعراباً وبناءً بحسبِ موقعِها من الجملةِ على نحوِ مايتكلمُ به العربُ.

ثمرةُ علمِ النحوِ

و ثمرةُ هذا العلمِ: هو في تَحمُّلِ اللغةِ وأدائِها من جهةِ عَلاقةِ الإعرابِ بالمعنى.

و المقصودُ بالتحملِ هنا: فَهمُ المقصودِ من كلامِ الغيرِ بحَسَبِ إعرابه، فيميِّزُ المسندَ من المسندِ إليه، والفاعلَ من المفعولِ، وغيرَ ذلك مما يؤدي إهمالُه إلى قلبِ المعاني.

و المقصودُ بالأداءِ: أن يتكلمَ المرءُ بكلامٍ معربٍ يناسبُ المعانيَ التي يريدُ التعبيرَ عنها، ويتخلصُ من اللحنِ الذي يقلِبُ المعانيَ، فيتمكنَ بذلك من إفهامِ الغيرِ.

مؤسسُ علمِ النحوِ

لم يختلفِ المؤرخونَ في أن واضعَ أساسِ هذا العلمِ هو التابعيُّ أبو الأسودِ الدؤليِّ 67هـ. وقيلَ أن هذا كان بإشارةٍ من أميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ ثم كتبَ الناسُ في هذا العلمِ بعدَ أبي الأسودِ إلى أَنْ أكملَ أبوابَه الخليل بن أحمد الفراهيدي 165هـ ووضعَ أولَ معجمٍ عربيٍّ وأسماه معجم العين، وكان ذلكَ في زمنِ هارون الرشيد. أخذَ عنِ الخليلِ تلميذُه سيبويه (أبو بشرٍ عمرُو بنُ عثمانَ بنِ قنبرٍ180هـ الذي أكثرَ من التفاريعِ ووضعَ الأدلةَ والشواهدَ من كلامِ العربِ لقواعدِ هذا العلمِ.

و أصبحَ (كتاب سيبويه) أساساً لكل ما كُتِبَ بعدَه في علمِ النحوِ، ودوَّنَ العلماءُ علمَ الصرفِ معَ علمِ النحوِ، وإذا كان النحوُ مختصاً بالنظرِ في تغيرِ شكلِ آخرِ الكلمةِ بتغيُّرِ موقِعِها في الجملةِ، فإنَّ الصرفَ مختصٌّ بالنظرِ في بُنيةِ الكلمةِ ومشتقاتِها وما يطرأُ عليها من الزيادةِ أوِ النقصِ.

أهمُّ المؤلفاتِ في النحوِ

و أهمُّ الكتبِ المتداولةِ في علمي النحوِ والصرفِ – بعدَ كتابِ سيبويهِ – هيَ:

كتاباتُ أبي عَمْرٍو بنِ الحاجبِ (عثمانَ بنِ عُمَرَ) 646 ه صاحبِ المختصراتِ، المشهورةِ في الفقهِ والأصولِ، وله (الكافيةُ) في النحوِ، و(الشافيةُ) في الصرفِ، وكلتاهُما من المنثورِ، وعليهما شروحٌ كثيرةٌ خاصةً (الكافيةُ).

كتاباتُ ابنٍ مالكٍ (أبو عبدِ اللهِ محمدٌ جمالُ الدينِ ابنُ مالكٍ الطائيِّ الأندلسيِّ) 672 ه، وله القصيدةُ الألفيةُ المشهورةُ، والتي تناولَها كثيرٌ من العلماءِ بالشرحِ منهم:

ابن هشام الأنصاري 761 ه، وله شرحُ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

القاضي عبدُ الله بهاءُ الدينِ بنُ عقيلٍ المصريِّ 769 ه، وله (شرح ابن عقيل على الألفيةِ.

و لابنِ مالكٍ صاحبِ الألفيةِ (لاميةُ الأفعالِ)، وهيَ منظومةٌ في الصرفِ، وله أيضًا المنظومةُ الهائيةُ فيما وردَ من الأفعالِ بالواوِ والياءِ.

كتاباتُ ابنِ هشامٍ الأنصاريِّ (جمالِ الدينِ عبدِ اللهِ بنِ يُوسُفَ) 761 ه، وله (أوضحُ المسالكِ إلى ألفيةِ ابنِ مالكٍ)، وله (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)، وله (شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب)، وله (قطر الندى وبل الصدى.

كتابات الشيخِ محمدِ محيي الدينِ عبدِ الحميدِ من علماءِ الأزهرِ وله شروحٌ وتحقيقاتٌ على الكتبِ السابقةِ وهيَ شروحُ الألفيةِ وكتاباتُ ابنٍ هشامٍ وله (التحفةُ السُّنية شرحُ متنِ الآجُرُّومِيّةِ) وهوَ كتابٌ مختصرٌ شرحَ فيه متنَ محمدِ بنِ آجُرُّومَ الصنهاجِيِّ 723 ه.

كتاباتُ المعاصرينَ

منها: الدكتورةُ خديجةُ الحديثيُّ أستاذةُ النحوِ ومن مؤلفاتِها التي تزخرُ بها المكتبةُ العربيةُ هو أبو حيانَ النحوي و(المدارسُ النَّحْويةُ) و(موقفُ النحاةِ من الاحتجاجِ بالحديثِ النبويِّ) وكثيرٌ جداً من مؤلفاتٍ مشترَكَةٍ مَعَ زوجِها الدكتورِ أحمدَ مطلوبٍ رئيسِ المجمعِ العلميِّ العراقيِّ.

 و(ملخصُ قواعدِ اللغةِ العربيةِ) لفؤادِ نعمةٍ، و(الموجزُ في قواعدِ اللغةِ العربيةِ وشواهدِها) لسعيدٍ الأفغانيِّ، و(النحوُ الواضحُ) لعليٍّ الجارمِ ومصطفى أمينٍ، و(جامعُ الدروسِ العربيةِ)لمصطفى الغلايينيِّ، و(النحوُ الوافي) لعباسِ حسنٍ، وغيرُها الكثيرُ.

وتمتازُ كتبُ المعاصرينَ بحسنِ التقسيمِ وسهولةُ الأسلوبِ في حينِ تمتازُ كتاباتُ الأقدمينَ بدسامةِ المادةِ وكَثرةِ الشواهدِ وقوتِها، خاصةً كتاباتِ ابنِ هشامٍ الأنصاريِّ التي اهْتمَّ فيها بالشواهدِ القرآنيةِ، هذا ما يتعلقُ بعلمِ النحوِ، وهو أولُ علومِ اللغةِ العربيةِ تدويناً.

ترك تعليق