المصطلح الرابع: القواعد

(تأصيل وتحرير)

أولًا: القواعد لغةً:

يقول ابن منظور: “وقعَدت المرأة عن الحيض والولد تَقعُد قعودًا، وهي قاعد: انقطَع عنها، والجمع قواعد، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ [النور: 60]…. والقاعدة: أصل الأُس، والقواعد: الأساس، وقواعد البيت أساسه، وفي التنزيل: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 127].. قال الزجاج (ت 311هـ): القواعد أساطين البناء التي تَعمِدُه، وقواعد الهودج: خَشبات أربع معترضة في أسفله، تُركَّب عيدانُ الهَوْدَجِ فيها، قال أبو عبيد: قواعد السحاب: أصولُها المعترضة في آفاق السماء شُبِّهت بقواعد البناء”[57].

يقول زين الدين المناوي (ت 1031هـ): “القاعدة: ما يُقْعَد عليه الشيءُ؛ أي: يَستقر ويَثبُت”[58].

ثانيًا: القواعد اصطلاحًا:

عرَّفها السيوطي مُفرقًا بينها وبين الضابط، قائلًا: “إن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط يجمع فروعَ ضابطٍ واحد، وقد تختص القاعدة بالباب؛ وذلك إذا كانت أمرًا كليًّا منطبقًا على جزئياته، وهو الذي يُعبرون عنه بقولهم: قاعدة الباب كذا”[59].

وعرَّفها أبو البقاء الكفوي (ت 1094هـ) بقوله: “والقاعدة اصطلاحًا قضية كلية؛ من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها، وتسمى فروعًا، واستخراجها منها تفريعًا؛ كقولنا: كل إجماع حق”[60].

وعرفها التهانوي (ت 1158هـ)، فقال: “هي في اصطلاح العلماء تطلق على معانٍ؛ منها: مرادف الأصل والقانون، والمسألة والضابطة والمقصد، وهي أمر كُلي منطبق على جميع جزئياته عند تعرُّف أحكامها منه”[61].

وقد عرَّفها أيضًا الشيخ مصطفى أحمد الزرقا، فقال: “القاعدة: أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية، تتضمن أحكامًا تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها”[62].

يقول الشيخ علي أحمد الندوي: “وهذه التعريفات تعطي صورة واضحة لاصطلاح عام للقاعدة، وقد جرى هذا الاصطلاح في جميع العلوم، فإن لكل علم قواعدَ، فهناك قواعد أصولية وقانونية ونحوية وغيرها، فالقاعدة عند الجميع هي أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته؛ مثل قول النحاة: الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمضاف إليه مجرور، وقول الأصوليين: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، فمثل هذه القواعد – سواء في النحو، أو في أصول الفقه، أو ما سواهما من العلوم – تنطبق على جميع الجزئيات؛ بحيث لا يَنِدُّ فرع من الفروع، وإذا كان هناك شاذ خرج عن نطاق القاعدة، فالشاذ أو النادر لا حكمَ له، ولا يَنقض القاعدة”[63].

وقد انقسم الفقهاء في تعريف القاعدة إلى فريقين:

الأول: يرى أن القاعدة أمر كلي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تُفهَم أحكامها منها، وهو مذهب أكثر الفقهاء[64].

الثاني: يرى أن القاعدة حكم أكثري لا كُلي، ينطبق على أكثر جزئياته؛ لتعرف أحكامها منه، وهو قول بعض الحنفية[65].

ومنشأ الخلاف أن مَن اعتمد على التعريف المنطقي العام للقاعدة، قال: إنها كليَّة، ومَن نظَر إلى الصور المستثناة منها التي لا ينطبق عليها حكمها، قال: إنها أغلبية[66].

ولكن تعريف الفريق الأول يُعد أكثر دقةً؛ لأسباب منها:

أن شأن القواعد أن تكون كلية؛ يقول ابن النجار الحنبلي: “القواعد هنا عبارة عن صور كلية تنطبق كل واحدة منها على جزئياتها التي تحتها؛ ولذلك لم يُحتج إلى تقييدها بالكلية؛ لأنها لا تكون إلا كذلك”[67].

أن تخلُّف آحاد الجزئيات عن مقتضى الكل، لا ينافي كليتها بالنسبة لجزئيات كثيرة غيرها[68].

أن تلك المتخلفات الجزئية والمستثنيات، لا تَغضُّ من شأن القواعد الكلية؛ لأن القواعد في سائر العلوم لا تخلو من الشواذ والمستثنيات[69].

وعلى ذلك؛ فالقاعدة هي: أصل فقهي كلي يتضمن أحكامًا تشريعية عامة من أبواب متعددة في القضايا التي تدخل تحت موضوعه[70].

ومن أمثلة القواعد الفقهية:

• قاعدة: ما حَرُم أخذُه حَرُمَ إعطاؤه[71].

• قاعدة: إذا بطَل الشيء بطَل ما في ضمنه[72].

• قاعدة: إذا اجتمع الحلال والحرام، غَلَب الحرام[73].

• قاعدة: يُتحمَّل الضررُ الخاص لأجل دَفْعِ الضرر العام[74].

وقد ذكر الدكتور أمين ملاوي أن ثراء كتب الأصوليين والمناطقة بتعريفات القاعدة وشروحها، مُفتَقَدٌ في كتب النحاة؛ فقد ضنَّت بهذا الأمر… ولعل مَردَّ ذلك سعي النحاة مباشرةً إلى الحكم النحوي بعيدًا عن التنظير؛ إذ إن هدفهم الأول من خلال دراسة الأحكام النحوية صَونُ اللسان من اللحن[75].

والباحث يتفق مع هذا القول تمامًا؛ ذلك أن النحاة لم يكن تَشغلهم كثيرًا فكرة وضع أُطر تنظيرية أو تعريفات محددة لِما يستخدمونه من مصطلحات في كُتبهم؛ إذ إن شغلهم الشاغل كان إخراج الحكم النحوي وتفعيله في صون اللسان من اللحن.

وقد قارَب النحاة في المفهوم بين القياس والقاعدة، بل إنهم جعلوا القياس تقعيدًا؛ يقول الدكتور علي أبو المكارم (ت1436هـ): “وهكذا إذا جعل النحاة عبدالله بن أبي إسحاق (ت 117هـ) (شديد التجريد للقياس)، فإنما يدل القياس على أن منهجه في دراسة الظواهر اللغوية هو تحديد الظواهر المطَّردة، واعتبارها مقاييسَ لا ينبغي الخروج عليها، وهذا الفهم هو ما يؤيده ابن أبي إسحاق نفسه بقوله: (ما يَطَّرد وينقاس)؛ أي: ما يشيع في النصوص، حتى إنه ليفرض – باطِّراده – مراعاته والتزامه، فيصبح بذلك مقياسًا للصحة والخطأ”[76]، فالمقصود بالمقاييس هنا القواعد التي لا ينبغي الخروج عنها.


[57] لسان العرب، ج11، ص 239.

 

[58] التوقيف على مهمات التعريف؛ تحقيق الدكتور عبد الحميد صالح حمدان، الناشر: عالم الكتب، القاهرة، ط1، 1410هـ-1990م، ص 266.

[59] الأشباه والنظائر في النحو؛ تحقيق الدكتور عبد العال سالم مكرم، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، 1406هـ – 1985م، ج1، ص 10 ،11.

[60] الكليات؛ تحقيق الدكتور عدنان درويش، والأستاذ محمد المصري، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1419هـ – 1998م، ص 728.

[61] كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم؛ تحقيق: الدكتور علي دحروج، تقديم وإشراف ومراجعة الدكتور رفيق العجم، الناشر: مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ط1، 1996م، ج2، ص 1295.

[62] المدخل الفقهي العام، الناشر: دار القلم، دمشق ط1، 1418هـ – 1998م، ج1، ص 965.

[63] القواعد الفقهية مفهومها ونشأتها، الناشر: دار القلم، دمشق، ط 3، 1414هـ – 1994م، ص 41.

[64] الأشباه والنظائر، لتاج الدين السبكي؛ تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي أحمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، منشورات محمد علي بيضون، ط1، 1414هـ – 1991م، ج1، ص 11، وشرح التلويح على التوضيح، ج 1، ص 35.

[65] غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، لشهاب الدين الحموي الحنفي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ – 1985م، ج1، ص 51.

[66] تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية؛ للشيخ محمد بن حسين المكي، ج1، ص 41، وهو حاشية على شرح ابن الشاط لكتاب الفروق للقرافي المسمى: (إدرار الشروق على أنواع الفروق).

[67] مختصر التحرير شرح الكوكب المنير، ج1، ص 44، 45.

[68] القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب الذخيرة للقرافي، رسالة ماجستير للباحثة صفية حسين، جامعة الجزائر، كلية العلوم الإسلامية، العام الجامعي 1422هـ – 2002م، ص 154.

[69] انظر القواعد الفقهية مفهومها ونشأتها، ص 44.

[70] السابق نفسه، ص 45.

[71] الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية؛ للسيوطي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ – 1990م، ص 150.

[72] الأشباه والنظائر على مذهب الإمام أبي حنيفة؛ لابن نجيم، وضع حواشيه وخرج أحاديثه الشيخ زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1419 هـ – 1999م، ص 338.

[73] الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، ص 105.

[74] الأشباه والنظائر على مذهب الإمام أبي حنيفة، ص 74.

[75] جدل النص والقاعدة: قراءة في نظرية النحو العربي بين النموذج الاستعمال، ص 259 بتصرُّف.

[76] أصول التفكير النحوي، الناشر: دار غريب، القاهرة، ط1، 2007م، ص 27.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مواضيع مشابهة

اضغط على ايقونة رابط قناتنا على التليجرام

ترك تعليق