نظرات في (لوحة الألف- 2)
نظرات في (لوحة الألف- 2)
د. يحيى مير علم
ثالثاً: الملاحظات على لوحة ” الألف”
يظهر جلياً لأيّ مطّلع على لوحة ” الألف ” مبلغ ما بُذِل في إعدادها من جهد ووقت كبيرين، لذا فإن ما سيأتي من ملاحظ متنوعة تتّجه عليها لا يقلّل من شأنها، ولا من قيمة ما ورد فيها، وحسبُها الريادةُ والسبق، ولولا قيمتُها لما نظر فيها أهل العلم، ولما تجشموا عناء تدقيقها وتصحيحها ونقدها نقداً علميا،ً يجبر النقص، ويقوّم المعوجّ، ويصلح المنآد، إذ كان من المعلوم أن جودة العلم لا تتكون إلا بجودة النقد، والغاية من هذا المقال -كما سبق- تصحيحها ونفي ما شابها من سهوٍ أو خطأ، لتكون أدنى إلى الكمال، تحقق الغايةَ النبيلةَ التي أُعِدّت من أجلها، ولن يتحقق ذلك إلاّ بالإفادة من ملاحظات ذوي الاختصاص من المهتمين والمشتغلين والباحثين في قواعد الكتابة والإملاء والترقيم، وليس هذا بدعاً من الأمر، فمن المسلَّم به أنه “لم يَعْرَ خَلْقٌ من السهو والغلط، فالكمال لله وحده، والنقص شامل للمخلوقين”[7].
ويمكن تلخيص ما يتّجه من ملاحظ على ما جاء في لوحة
” الألف ” بما يأتي:
1- لم تستكمل لوحة ” الألف ” ما يقتضيه المنهج العلمي من التدقيق والمراجعة لتخرج صحيحةً أدنى ما تكون إلى الإتقان والتجويد، فلم تُعرض قبل الطباعة على أحد المختصّين أو المهتمّين بهذا العلم، ممّن عانوا موضوعاته وقضاياه تدريساً أو بحثاً، لينظروا فيها، وينفوا عنها ما قد يشوبها من ضروب السهو أو الخطأ أو الزيادة أو النقص أو التكرار أو مخالفة المنهج أو غيرها، وذلك لدواعٍ عدّة، تقتضيها أهميةُ الموضوع، وطبيعةُ هذا العلم، إذ لا يخفى أن معرفة كثير من المختصّين في علوم العربية والشريعة بهذا العلم لا تجاوز الخبرة العملية المتحصّلة من ممارسة الكتابة، فهي لا تبلغ حدّ الدراية الدقيقة بموضوعات قواعد الكتابة ومسائلها وأصولها ومواضع الاختلاف فيها، لذلك ليس غريباً ألا يكون في وسع كثير منهم أن ينهضوا بالتصنيف المتقن في هذا العلم، ولا أن يكونوا من الراسخين في هذا العلم، ومَنْ أقدم على ذلك دون أن يكون معنياً بهذا العلم تدريساً أو بحثاً، ودون أن يمتلك الأدوات اللازمة، شاب عمله ضروب من الخلل والخطأ غير قليلة، آية ذلك قلّةُ عدد الصحيح والمعتمد من كتب قواعد الكتابة المعاصرة على وفرتها، واختلاف مقاصدها وغاياتها، وكذلك كثرةُ ما يؤخذ عليها من ملاحظ مختلفة، تتناول: المادة العلمية، والمنهج، والقواعد، والعرض، والشرح، والأمثلة، لذا، كان من الضرورة بمكان حسن الاختيار لدى اقتناء أيٍّ منها، أو الاعتماد عليه، فضلاً عمّا نراه من أخطاء لدى غير قليل من ذوي الاختصاص، وذلك لعدم إتقان مهارات قواعد الكتابة وأصولها الصحيحة.
2- غياب القاعدة الكلية الأساسية في رسم الهمزتين: المتوسطة والمتطرفة، والإسهاب في إيراد تفصيلات تندرج في كلّ منها، بلا استقصاء في أيٍّ منها، فضلاً عن عدم إحكام صياغة قاعدة الهمزة المبتدأة، ونقص ما ورد فيها، وإقحام ما ليس من قواعد الإملاء. فقد تضمن الحديث عن الهمزة “المبتدأة” قاعدة رسمها، وتحتها حالاتها مع همزة الاستفهام مفتوحةً في ثلاث لغات، ومكسورةً في أربع لغات، ومضمومةً في مثل ذلك. وكان الأولى إحكام صياغة قاعدتها كأن تكون مثلاً (ترسم الهمزة في بداية الكلمة فوق الألف مفتوحةً أو مضمومةً، وتحت الألف مكسورةً، سواء سُبِقت بحرف أم أكثر)[8]. لأن صياغتها في الأصل وردت ناقصة، ولفظها ثَمّةَ “تكتب ألفاً مطلقاً نحو: أخ، أُخت، إخوة”. وكذلك لم تُشر إلى حكم رسم الهمزة المتطرفة مع ما قد يدخل عليها (السوابق) وهي كثيرة، وأيضاً لم ترد أمثلتها الموضّحة. ولا شكّ أن إيراد ذلك هو من أصل القاعدة وتمامها، وهو أولى من إقحام تفصيلات الهمزة المبتدأة مع همزة الاستفهام بحالاتها الثلاث مع ما يتفرّع عن كلّ منها من لغات[9]، مما لا تحتمله اللوحة، إذ كان الواجب أن تقتصر على الضروري والمهمّ من قواعد رسم الهمزة والألف اللينة.
3- خلوّها من ذكر أسماء المصادر أو المراجع التي جرى الاعتماد عليها في وضعها، على مسيس الحاجة إلى مثلها توثيقاً للمادّة، وتمكيناً للقارئ من التحقق والتثبت في كلّ ما يستوقفه من مواضع فيها لبس أو خلاف أو سهو أو خطأ. وهذا عمل غير سديد، لأن في التوثيق تحديداً للمسؤولية العلمية، وإبراءً للذمة، وأخذاً بمنهج علمي مستقرّ، وعزواً للفضل إلى أهله، والأمر في هذا العلم آكد، لما سبقت الإشارة إليه من كثرة وقوع الخلاف فيه، واشتمال كثير من مصنّفاته على ملاحظ غير قليلة، تجعل نصيب أصحابها من الصحّة متفاوتاً بتفاوت أقدارهم، ورسوخ أقدامهم في العلم. ولن يضير هذه اللوحة أن يُحال في ذيلها على المراجع التي استقت منها ما حوته من تفصيلات كثيرة في قواعد رسم الهمزة والألف اللينة، بل ذلك يرفع من شأنها، ويزيد من مصداقيتها، إذ كان جُلُّ من يطّلع عليها، من غير ذوي الاختصاص، لا يعرف المراجع التي صدرت عنها على أيّ وجهٍ نقلاً أو اختصاراً أو إفادةً.
4- مجيئها دونَ المأمول منها في المادّةِ والمنهج على كبيرِ أهميّتها، وخطورةِ موضوعها، وعظيمِ الحاجة إلى مثلها، فقد شاب مادّتها وتوزيعها وتقسيماتها وعناوينها وما جاء تحتها من تفصيلات كثيرة = ملاحظُ مختلفة من زيادة ما لا داعي إليه في مواضع، ونقص ما له داعٍ يقتضيه، ومجافاة الدقة أحياناً في المصطلحات والأمثلة، وعدم التزام منهج علمي في عرض المادة، وتوزيعها، وتقسيماتها، وإيراد تفصيلاتها، وسيرِدُ لاحقاً فضلُ بيان وتوثيق لجميع ذلك.
5- التداخل فيما بين الحالات القياسية والشاذّة في إيراد تفصيلات كثيرة من قواعد رسم الهمزة والألف اللينة، مما يدلّ على عدم التمييز بين الحالاتِ الشاذة التي تكون خلاف القاعدة، والحالاتِ المعيارية التي تستغرقها القاعدةُ المطردة. وهذا، وإن كان فيه متابعة لما ورد في بعض كتب قواعد الكتابة، هو مخالف للمنهج العلمي من حيث وجوبُ تقديم القاعدة العامّة المعيارية التي تستغرق أمثلة الظاهرة، على ما سواها، مما ورد السماعُ به خلافها، وهو كذلك لا يناسب “لوحة الألف” والغاية المتوخّاة منها، وما تقتضيه من وضوح وإيجاز وتيسير، ومن ضرورة تجنّب ما كان مسرفاً في التفصيل، أو مجافياً للوضوح، أو جالباً للتعسير، بخلاف الكتب التي قد تُعنى بإيراد تفصيلات كثيرة، وبتوثيق المادة والنقول والآراء، وبالاستقصاء والاستيعاب، توافق ما تغيّاه الكاتبُ، ونصّ عليه في مقدّمته[10].
ومن أمثلة ذلك:
أ- الخلط فيما بين أنواع من الهمزات، من ذلك إيراد أنواع من الهمزات المتطرفة في الهمزات المتوسطة، فقد جاء في مواضع الهمزة المتوسطة المفردة ما نصه “5-إذا كانت مفتوحة وقبلها ساكن، وهذا الساكن من حروف الاتصال، وبعدها ألف التنوين أو ألف المثنى، نحو: جُزْءاً، جُزْءانِ”. وهذا مجانب للصواب، لأن تنوين كلمة (جُزْء) رفعاً ونصباً وجرّاً لا يخرجها عن حكمها في التصنيف آخر الكلمة، وكذلك تثنيتها (جُزْءانِ) فإنه لا يخرجها عن التطرّف موقعاً، يشهد لهذا صورة رسمها، ولو صحّ أنها متوسطة لكان رسمها على غير هذه الصورة، ولا يصحّ عدّها من الحالات الشاذّة للهمزة المتوسطة، لأنها مقصورة على حروف العلة السابقة لها، وهي: المفتوحة بعد ألف مثل (قراءَة)، والمفتوحة أو المضمومة بعد واو ساكنة، مثل (ضَوْءَه – ضَوْءُه)، والمفتوحة أو المضمومة بعد ياء ساكنة مثل (فَيْئَه، فَيْئُه).
على أن في النص بالإضافة إلى ذلك خطأ في القاعدة، وهو اشتراط أن يكون “الحرف الساكن من حروف الاتصال” والصحيح أن يكون من حروف الانفصال التي لا تتصل بما بعدها، مثل (ر، ز، د، ذ، و، ا) يؤكد ذلك المثال الذي تبعها (جزءاً، جزءان) كما يؤكّده تكرار النصّ في الحالة الأخرى على أنه “إن كان الساكن من حروف الاتصال” مما يرجّح أن يكون ما وقع خطأً طباعياً.
ب – وأعجب مما سبق إيرادُ الحالة الأخرى في فقرة جديدة تحت الهمزة المتوسطة التي تكتب مفردةً بلفظ “وإن كان من حروف الاتصال كتبت على ياء (نبرة) نحو: دِفْئاً”.
وهذا غير سديد من وجوه:
◘ لا يجوز إثباتُها في هذا الموضع من صور الهمزة المتوسطة المفردة مع النص على أنها تكتب على ياء (نبرة) فالتناقض جليّ لا يخفى.
◘ تنوين النصب في الهمزة المتطرفة المفردة لا يخرجها – على الصحيح – عن تطرفها موقعاً[11]، سواء أكان ما قبلها حرفَ انفصال مثل (جزْءاً، ضَوْءاً، هدوْءاً) أم كان حرفَ اتصال مثل (دِفْئاً، عِبْئاً). أما الأولى المسبوقة بحرف انفصال فهي على الأصل في الهمزة المتطرفة، ترسم على السطر إن كان ما قبلها ساكناً صحيحاً أو علّةً كما سلف، وأمّا الثانية المسبوقة بحرف اتصال فهي حالة شاذّة مشهورة في الهمزة المتطرّفة، ترسم خلاف القاعدة على نبرة، مثل (شَيْئاً، هَنْئاً).
6- افتقارها إلى المنهجية أحياناً، مما يعني عدم التزام منهج واحد في تقسيماتها وتفريعاتها وتفصيلاتها، وأمثلة ذلك عديدة، منها:
أ – التباين في إيراد القواعد والعناوين والمصطلحات واستعمال أحجام الحروف والألوان، وقد اجتمع كلّ ذلك في بيان نوعي الألف اللينة المتوسطة، أولهما عنوانه “بالأصالة” وتحته وردت القاعدة في رسمها بأنها “تكتب ألفاً” بلا تعريف، وثانيهما عنوانه “عرضاً” متبوعاً بتعريفها، وتحته القاعدة في رسمها “وتكتب ألفاً” باللون الأخضر العريض المخصّص للعنوان، بخلاف قاعدة النوع الأول التي جاءت تحت العنوان بالحرف الأسود دون تعريف يسبقها.
ومن المعلوم أن المنهج العلمي يقتضي ذكر قاعدة رسم الألف اللينة وسطاً وهي
“ترسم ألفاً” تحت العنوان مباشرة وقبل إيراد تفصيل نوعي التوسط: الأصلي
والعارض، بما يغني عن تكرار قاعدة رسمها في النوعين، ولا ريب أن تقديم القاعدة
الناظمة للنوعين يجعلها أكثر وضوحاً، وأثبت في الذاكرة، فضلاً عن أنه ينسجم مع
المنهج المتبع في مواضع من اللوحة مثل النصّ على صور رسم الألف اللينة طرفاً ثم
إتباعها بالتفصيلات، ومثل النصّ على قاعدة رسم الهمزة المبتدأة ثم إتباعها بحالات
اجتماعها مع همزة الاستفهام. ولا يخفى ما في عنواني الألف اللينة المتوسطة من عدم
التناظر، فقد كان الأولى تقسيمها إلى توسط (أصلي) و(عارض)، أو (أصالةً) و(عرضاً)
بدل “بالأصالة” و”عرضاً”.
ب – التباين في إيراد التعاريف في غير ما موضع، منها:
◘ إيراد تعريف همزة الوصل بلا عنوان بين الفرعين: “أنواعها” و”حذفها” متبوعةً بالفرع الثالث “سبب التسمية” بخلاف ما جاء في همزة القطع من إيراد “تعريفها” مستقلاً في القسم الثاني.
◘ إيراد القسم الأول من لوحة “الألف”
الموسوم بـ “الهمزة أو الألف اليابسة” موزّعةً على قسمين: “همزة
الوصل” و”همزة القطع” بلا تعريف، بخلاف ما جاء في القسم الثاني
المسمى بـ “الألف اللينة” من إثبات تعريفها تحتها بلا عنوان.
ج –
عدم الإشارة إلى بعض مواضع الخلاف مع الاهتمام به، وإيراده في مواضع من اللوحة،
منها ما جاء في الهمزة المتوسطة، فقد نصّ على مذهبين في رسم الهمزة في الفعل
(قرأا) وما شابهه، وعلى ثلاثة مذاهب في الهمزة المتوسطة التي يلزم من كتابتها على
واو اجتماع واوين مثل (شؤون، مسؤول). ومن مواضع الخلاف التي وردت في اللوحة غُفلاً
من الإشارة إلى ذلك القاعدةُ الثانية في رسم الهمزة المتطرفة على واو إذا كان ما
قبلها واو مشدّدة نحو (التَّبَوُّؤ – التضوُّؤ) مع أن الخلاف فيها مشهور منصوص
عليه في كثير من الكتب[12].
د – إيراد ” سبب التسمية ” في همزتي الوصل والقطع معنوناً تحت تفريع مستقل، وإهمال ذلك في الألف اللينة، على أهمية ذلك فيها.
هـ- إيراد تفصيلات غير مهمّة في مواضع، لا مسوّغ لها، ولا تناسب المقام، أعني حجم اللوحة، وفي المقابل إهمال إيراد أشياء مهمّة في مواضع، من ذلك عدم إيراد أنواع أو مواضع التوسط العارض للألف اللينة اكتفاءً بالأمثلة التي استغرقتها، والتي جاءت تحت تعريف ” المتوسطة عرضاً ” من أنها ” هي التي كانت متطرفة، واتصل بها ما جعلها متوسطة “.
و – تقديم السماعي على القياسي في همزة الوصل، وهذا خلاف المنهج العلمي والتربوي الذي يقتضي تقديم القاعدة المعيارية التي تستغرق أمثلة الظاهرة، على الكلمات السماعية المحفوظة التي لا تجاوز أصابع اليدين، فضلاً عن أن المستعمل منها والمشهور دون هذا كما هو معلوم من أمر تلك الكلمات العشر، وهذا خلاف القاعدة، وذلك لأن مواضع همزة الوصل القياسية في أنواع الكلمات: (أل) التعريف في الحروف، والأمر من الفعل الثلاثي، وماضي الخماسي والسداسي وأمرهما ومصدرهما = تخرج عن الحصر، ولولا الإطالة لكان في الوسع التدليل على صحة ذلك بإيراد مبلغ الأفعال الثلاثية المجردة التي يشتق الأمر من مضارعها، ومبلغ الأفعال الخماسية والسداسية التي تبدأ بهمزة وصل لمعرفة جُملتها في الماضي والأمر والمصدر، ولكن في الإحالة عليه غُنية عن إثباته[13].
ز –
إيراد صور رسم الهمزة المتطرفة تحت عنوان ” حالات همزة القطع المتطرفة”
وصور الهمزة المبتدأة تحت عنوان “حالات الهمزة المبتدأة مع همزة
الاستفهام” في حين جاء نظيرهما في صور رسم الهمزة المتوسطة الأربع أو حالاتها
غُفْلاً من أيّ عنوان، وهذا خلاف الشائع والمألوف والمعتمد في كتب قواعد الكتابة[14].
7 – نقصان في إيراد معلومات أساسية مهمّة في مواضع، في حين ثَمّةَ إسراف في إيراد
تفصيلات وتفريعات لا داعي لها في مواضع أخرى، ومن أمثلة ذلك:
أ – الاقتصار في همزة القطع على “سبب التسمية” و”تعريفها” وإغفال أو إسقاط (مواضعها في كلّ من: الأسماء، والأفعال، والحروف) مع أمثلتها، كما جاء في همزة الوصل تحت مسمى “أنواعها” [وهو غير دقيق كما سيأتي لاحقاً] بقسميها: السماعي والقياسي.
ب – عدم الإشارة إلى كيفية معرفة ألفات أو همزات القطع في الأسماء والأفعال، أو ما يُستدلّ به عليها، إذ كان يُستدلّ عليها في الأسماء بثبوتها في التصغير، مثل (أُخَيّ، أُمَيْمة) وفي الأفعال بانضمام ياء المضارعة (يُغْني، يُسْمِعُ) فيدلّ ذلك على قطع ألفاتها في صيغتي الماضي والأمر. وأمّا ألفات الأصل فيستدلّ عليها بثبوتها في صيغتي الماضي والمضارع، مثل (أخَذَ يأخُذُ، أمَرَ يأمُرُ )[15].
جـ – إسقاط الحديث عن طريقة معرفة أصل الألف اللينة في كلّ من الأسماء والأفعال، على أهميتها، وفرط احتفال كتب قواعد الكتابة بها، وإفرادها بعناوين مستقلة[16]، وكبير عناية بعض أصحاب المعاجم بها، مثل الفيرروزآبادي في (القاموس المحيط). إذ كان يُعرف أصل الألف اللينة سواء أكانت منقلبةً عن واو أم عن ياء أو كانت منقلبة عن الواو والياء معاً بإحدى ثلاث طرق في كلٍّ من النوعين، أما الألف اللينة في الأسماء فيُعرف أصلها فيها بـ: التثنية مثل (عصا: عصوانِ، وفتى: فتيانِ)، وبالجمع بالألف والتاء مثل (مَها: مَهَوات، حصى: حَصَيات) وبِرَدّ الجمع إلى المفرد مثل (عِدا: عَدُوّ، قُرى: قرية). وأمّا أصلها في الأفعال فيُعْرَف بـ: صيغة الفعل المضارع مثل (سما: يسمُو، قضى: يقضي)، وبإسنادها إلى ضمائر الرفع متحرّكةً مثل (غَزَوتُ ونَهَيْتُ) وساكنةً مثل (غَزا: غَزَوا، هَدى: هَدَيا)، وأمّا ما كان أصله مشتركاً فهو منقلب عن الحرفين: الواو والياء معاً مثل (جَبا، جبى – نَما، نَمى) وقد جُمعت أفعال كلٍّ من الأنواع الثلاثة المتقدّمة في منظومات مشهورة، وردت في غير قليل من كتب النحو والصرف وقواعد الكتابة أو الإملاء، أحدها للأفعال الواردة بالواو غالباً، وثانيها للأفعال الواردة بالياء غالباً، وثالثها للأفعال الواردة بالواو والياء، وأتبعها بعضهم بما زادوه عليها أو استدركوه[17]. ومنهم مَنْ أوفى على الغاية في العناية بها، فأتبع كلّ نوع من الأسماء والأفعال بمعجم هجائي يبيّن معنى كلّ اسم أو فعل منها بحسب أصل الألف اللينة[18]. والملاحظ على تلك العلامات أنها جليّة ومطّردة في الأفعال، وخفيّة وعَصِيّة وغير مطّردة في غير المعروف من الأسماء.
د – نقصان بيان حركة همزة الوصل التي تكون مكسورةً أو مفتوحةً أو مضمومةً، فضلاً عن كلمات يجوز فيها أكثر من حركة، وهو ما نجده في كثير من كتب قواعد الكتابة[19]، ولا ريب أن بيان ما سبق أولى من حشو لوحة الألف بتفصيلات، لا داعي لها، مثل وجوه اجتماع همزة القطع مع همزة الاستفهام مفتوحةً ومضمومةً ومكسورةً، وما في كلّ منها من اللغات.
هـ – عدم الإشارة إلى ما استُثني من قاعدة رسم الألف اللينة ياءً فيما فوق الثلاثي من الأسماء والأفعال، وذلك إذا سُبقت بياء كيلا يتوالى مِثْلان أو ياءان، نحو: أحيا، حيّا، محيّا، استحيا، ثُريّا، دُنيا، و… مع شهرة مثل هذه الكلمات، وشيوع استعمالها، ونصّهم عليها[20]، وعلى فرط العناية بإيراد تفصيلات لا داعي لها.
8 – عدم الدّقّة في مواضع، منها:
أ – ما نجده في بعض الأمثلة، نحو ما جاء في الألف اللينة المنقلبة عن الأصلين:
الواو والياء “حشا، حشى – جثا، جثى – رعا، رعى” فقد كان المأمول أن تكون الأفعال الثلاثة معروفة أو مشهورة أو متداولة بالوجهين الواو والياء، وهذا غير متحقق في الفعلين الثاني والثالث، لأن (جثى)لم يذكره الفيروزبادي بالياء أصلاً، بل صدّره بالواو قبل المادّة، واكتفى في الشرح بالإشارة إلى الأصلين يإيراد الباب التصريفي لكلّ منهما قال “وجثا: كدعا ورمى، جُثُوّاً وجُثِيّاً”. وأمّا الثاني (رعا) فهو – وإن أفرده الفيروزآبادي بالواو – قليل، ولم ينصّ على مجرده الثلاثي مستعملاً، واقتصر على إيراد بضع كلمات، هي (الرّعو والرّعوة والرّعوى والارعواء والرّعيا) في حين أسهب في شرح المادّة بالياء[21]. وقد كان في الوسع اختيار أفعال مشهورة أو مستعملة بالوجهين مما أوردته بعض كتب الصرف وقواعد الإملاء، أو مما أورده الفيروزبادي في معجمه مصدّراً بحرف الياء (ي) والواو (و) منفردين، أو متصلين (يو).
ب – إثبات (أل) التعريف مفردةً مفصولةً دون قطع همزتها “ال” في النوع الأول من القياسي من أنواع همزة الوصل، وهذا خلاف المعلوم والمنصوص عليه في كتب قواعد الكتابة[22]، من أن همزتها تُقطع إذا كانت مفردةً علماً عليها. وثمّة خلاف قديم بين العلماء في أصل بنائها، فهي مبنية من حرفين على رأي الخليل وابن كيسان وصحّحه ابن مالك، وهمزتها عندهم قطع، صارت وصلاً تخفيفاً، وهي مبنية من اللام وحدها على رأي البصريين والكوفيين أو جميع النحويين، يقدمهم سيبويه، وهمزتها وصل زائدة[23].
ج – إيراد الاستثناءات من بعض قواعد رسم الألف اللينة ألفاً طويلة، وذلك برسمها على صورة الياء، مصدَّرةً بكلمة “نحو” مع النصّ على عدد كلّ منها، إذ كانت محددةً ومقصورةً على أربع كلمات متفق عليها، واللفظ ثمّة في موضعين، الأول “3 – ستة أسماء أعجمية، نحو: موسى، عيسى، كسرى، بخارى، كُمّثرى، متّى. على خلاف في الأخير” والموضع الثاني “4 – خمسة أسماء مبنية، نحو: لدى، أنّى، متى، أولى (اسم إشارة) الأُلى (اسم موصول)”. وظاهر أن هذا غير دقيق من جهتين، الأولى أن كلمة “نحو” تستعمل تمثيلاً للقليل الذي يغني عن الكثير، بيد أنها لا تصلح للقليل الذي تُذكر أمثلته كاملة لقلّتها، سواء نُصّ على العدد، كما تقدّم في اللوحة، أم لم يُنصّ. والثانية أن النص على العدد وحكاية الاختلاف غير دقيقة، فالعدد المتفق عليه من الكلمات المستثناة من رسم الألف اللينة ألفاً طويلةً، ومن رسمها على صورة الياء، هو أربع كلمات في كلٍّ من: حروف المعاني، والأسماء المبنية، والأسماء الأعجمية، وما زاد عليها هو موضع خلاف[24].
9 – اشتمالها على غير قليل من التكرار في التفصيلات، على حين هي أحوج ما تكون إلى الإيجاز أو الاختصار، من ذلك تكرار ما استثني من أنواع الكلمات الثلاثة التي ترسم فيها الألف اللينة المتطرفة ألفاً طويلةً، وهي الحالات الشاذة عن القواعد الثلاث الأولى، وفيما يلي نصّ ما جاء في اللوحة من التكرار بموضعين متجاورين، أو صفحتين متقابلتين، أثبتهما في جدول طلباً للتوضيح:
——————–
[7] مقدمة كتاب الإيضاح في علل النحو للزجاجي ص 39 – 40.
[8] الإملاء والترقيم ص 43، وقواعد الإملاء ص 11( هارون )، ومعلم الإملاء الحديث ص 36 – 36.
[9] ولذلك لم ترد حالات اجتماع همزة القطع مع همزة الاستفهام وتفصيلاتها في كثير من كتب قواعد الكتابة، مثل قواعد الإملاء ص 11 – 12 (هارون)، والإملاء والترقيم ص 43 – 45، ومعلم الإملاء الحديث ص 36.
[10] مثل كتاب أصول الإملاء للدكتور عبد اللطيف الخطيب، على أن أجمع كتاب لقضايا الهمزة وقواعد رسمها عند المتقدمين والمحدثين ومناقشتها هو (مشكلة الهمزة العربية) للمرحوم الدكتور رمضان عبد التواب.
[11] خلافاً لما ورد في القرار الثاني لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وهو ما لم يكن في القرار الأول، ولا في أصل القرار الثاني الذي قدّمه الدكتور رمضان عبد التواب، وناقشه المجمع ثم أقرّه مع تعديل طفيف بإضافة بضع كلمات، نبّه عليها د. رمضان في كتابه، كان منها إضافة “ألف المنصوب” إلى اللواصق [اللواحق] التي تتصل بآخر الكلمة، وتعدّ منها. وقد مضى في الحاشية (2) أن للمجمع قرارين في موضوع رسم الهمزة، وفيما يلي نصّ أولهما على ما يُعَدّ من الهمزة المتوسطة، ولم يذكر منها ألف المنصوب: “5 – تعتبر الهمزة متوسطة إذا لحق بالكلمة ما يتصل بها رسماً كالضمائر وعلامات التثنية والجمع، مثل: جزأين، وجزاؤه، ويبدؤون، وشيؤه”. وقد زيد في نصّ ثانيهما على ذلك “ألف المنصوب” ولفظه ثمّة: “تُعَدّ من الكلمة اللواصق التي تتصل بآخرها، مثل: الضمائر وعلامات التثنية والجمع وألف المنصوب”. انظر قراري المجمع وأصل طريقة د. رمضان عبد التواب المقدمة للمجمع في كتاب مشكلة الهمزة العربية ص 109 – 116و 112 – 114. وعلى هذا كتب قواعد الكتابة المعتمدة مثل الإملاء والترقيم ص 61، ومعلم الإملاء الحديث ص 64. على أن هناك من أوردها في نهاية قواعد رسم الهمزة المتوسطة ضمن الصور الأربعة لـ (رسم الهمزة مع ألف التنوين) الخاصة باجتماع الهمزة المتطرفة مع تنوين النصب. انظر أصول الإملاء ص 63.
[12] حكى د. عبد اللطيف الخطيب اختلافهم فيها، وانتهى إلى أن رسمها على واو (التبوّؤ – التضوّؤ) هو القياس والصواب والأقوى، وأنه لا لبس فيه، وعدّ رسمها على السطر خلاف القاعدة، ونقل في الحاشية عن مصطفى العناني في كتابه نتيجة الإملاء وقواعد الترقيم ص 8 ترجيحه ما ذهب إليه، انظر أصول الإملاء 48 – 49. وممن ذهب إلى رسم الهمزة فيهما على السطر الهوريني في المطالع النصرية ص 83، قال: “ومن ذلك المصادر التي جاءت على التفعُّل أوالتفاعل، مما لامها همزة، مثل: التباطؤ، والتخاجؤ، والتلكُّؤ، والتفيُّؤ، والتوضُّؤ، والتبرُّؤ، والتجزُّؤ، فكلّها ترسم فيها الهمزة واواً إلا ما كان قبلها واو مشددة كالتبوُّء، فإن كراهة اجتماع المثلين تقتضي عدم رسمها، وإن لم يذكروا هذا المثال” وكذلك عبد العليم إبراهيم في الإملاء والترقيم ص 61، والمرحوم عبد السلام هارون في قواعد الإملاء ص 12.
[13] انظر إحصاءات حاسوبية لما سبق مع النسب المئوية في كتاب “المعجم الحاسوبي: إحصاء الأفعال العربية في المعجم الحاسوبي” ص 20 و21 و415.
[14] انظر حالات الهمزة المتوسطة في: الإملاء والترقيم ص 54 – 55، وقواعد الإملاء ص 14 – 18 (هارون )، وأصول الإملاء ص 47 و51، وقواعد الكتابة العربية ص 29.
[15] أصول الإملاء ص 43، وقواعد الكتابة العربية ص 59.
[16] المطالع النصرية ص 116 – 117، والإملاء والترقيم ص 72 – 74، وقواعد الإملاء ص 27 (هارون) وأصول الإملاء ص 82 – 86، وقواعد الكتابة العربية ص 87 – 92، ومعلم الإملاء الحديث ص 108 – 110.
[17] المطالع النصرية ص 130 – 131، ومعلم الإملاء الحديث ص 130 – 134، والشامل في الإملاء العربي ص 57 – 62، وتاريخ الكتابة العربية وتطورها 2/445 – 450، والمعجم المفصل في الإملاء ص 55 – 57، ولآلئ الإملاء ص 174 – 178.
[18] معلم الإملاء الحديث ص 121 – 129 و134 – 144.
[19] أصول الإملاء ص 34 – 36، ومعلم الإملاء الحديث ص 32 – 34، وقواعد الكتابة العربية ص 18 – 21، والشامل في الإملاء ص 13.
[20] الإملاء والترقيم ص 72، وأصول الإملاء ص 74، وقواعد الإملاء ص 23 (هارون) وقواعد الكتابة العربية ص 79، وتسهيل الإملاء ص71، ومعلم الإملاء الحديث ص 111.
[21] القاموس المحيط (جثا، رعى).
[22] انظر مثلاً: أصول الإملاء ص 32، وتسهيل الإملاء ص 37، وقواعد الكتابة العربية ص 21، ومعلم الإملاء الحديث ص 39، ولآلئ الإملاء ص 40.
[23] تفصيل حكاية اختلافهم في مبناها وهمزتها في كتاب أصول الإملاء ص 31 – 33.
[24] انظر مثلاً: الإملاء والترقيم ص 70، وقواعد الإملاء ص 23 – 24 (هارون) وأصول الإملاء ص 70 – 72، ومعلم الإملاء الحديث ص 107 و109 و112، وتسهيل الإملاء ص 69 و72 – 73، والشامل في الإملاء ص 34 – 35.
