دروس في النقد والبلاغة الدرس الرابع: الجناس

دروس في النقد والبلاغة

الدرس الخامس: المقابلة

 

(1) قالَ تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ [الليل: 5 – 7].

(2) قالَ تعالى: ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴾ [التوبة: 82].

(3) قالَ الشاعر:

يَا دهرُ يا مُنجزَ إِبعادِهِ ** وَمخلِفَ المأمول مِن وعدهِ

(4) قال الشاعر:

فإِذَا حاربوا أَذلُّوا عَزيزًا ** وإِذا سالَموا أعزُّوا ذليلاَ

(5) اللئيم يعفو عِندَ العجزِ، ولا يعفو عِندَ المقدرة.

(6) الصديقُ يخفي السيئة ويُظهر الحسنَة.

إِذَا تأَمَّلت النموذج الأوَّل وجدت فيهِ تقابلًا بينَ وصفين اثنين متباينين لمصدِّق ومكذِّبٍ.

وفي النموذج الثاني تقابلٌ وتضاد بينَ ضحكٍ قليل وبكاء كثيرٍ.

وفي البيت بعدَه تقابل بينَ إنجاز الإيعاد وخُلف الوعد، ومثله فى البيتِ الرابع.

أَمَّا النموذجان الخامس والسادس، فالمقابلة فيهما بينَ لفظين كالعجز والقدرةِ، والسيئة والحسنة.

وهكذا تكون المقابلة بينَ لفظين أو جزئين من جملةٍ أو بينَ جملتين اثنتين[1].

ولكي نفهمَ فنَّ المقابلة نتذاكر فنونَ العرض التي تكون فى وجوه المحلات التجارية الكبرى، ففي هذه الوجوهِ تُعرَض أشياءُ كثيرة متباينة تباينًا واضحًا، لكنها تنسق تنسيقًا جميلًا، ويستعين العارضونَ بفن المقابلة بينَ الأشياء المختلفة حَتَّى تبدو جميعًا متآلفة جميلة.

وعلى هذا النحو تُفهم المقابلة الأدبية، فضلًا عن أَنَّ المعاني تتضح وتتمكن في النفسِ إذا قُرنت بأضدادها.

ففي الآية الكريمة سيقَ جزاءُ المكذبينَ إثرَ جزاءِ المحسنين، فكانَ هذا مقنعًا، ومن حق المؤمن التقي الكريم أَن يُجزَى خيرًا، ومن حق المكذب الكفور الشحيح أَن يُجزَى شرًّا، والنفسُ ترتاح إلى أن يُعطى كُل إنسانٍ ما هو أهلٌ له.

والحديث في الآية الثانية عَن المستهزئينَ الذين يعبثونَ بالمؤمنين وما يضطرونَ إليه من عذابٍ يومَ القيامة، وقد آثرت الآية الكريمة التعبيرَ عن المعنى بالمقابلة التي اختصرت أزمنة طوالًا، فإِنَّ هؤلاءِ العابثينَ لا يضحكونَ ويبكونَ في وقتٍ واحدٍ، لكن المقام أرادَ أن يدل على عاقبة ناجزة سريعة للضحكِ، فقرنه بالبكاء وخُيِّل إلينا أن ليس بينهما فرق زمني فتمت المقابلة الناصعة.

والشاعر في النموذج الثالث يشكو الدهر، وقد جعلَ مصدر الشكوى صفتين متناقضتين؛ هما: خُلف الوعد وإنجاز الإيعاد، وقد تكون إحدى الصفتين مستغنية عن الأخرى أو مؤدية إليها بوجهٍ ما، لكن الشاعر آثرَ ذكرهما معًا، فكانَ الذِّكر أبلغ؛ لأَنَّه أغرى السامع بالتفكر فيمها والتنقل بينَ معارضهما.

 


[1] ولا داعي للتفريق بينَ (الطباق) و (المقابلة) فى مقدماتٍ بلاغية للناشئينَ أو المبتدئين.

دروس في النقد والبلاغة
الدرس الرابع: الجناس
(1) قال تعالي: ﴿ ويومَ تقومُ الساعةُ يُقسمُ المجرمونَ ما لبِثوا غيرَ ساعَةٍ ﴾.

(2) قالَ تعالي: ﴿ وجئتُّكَ مِن سبأٍ بنبأٍ يقينٍ ﴾.

(3) قالَ تعالي: ﴿ ذلكم بما كنتم تفرحونَ في الأرضِ بغيرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنتم تمرحونَ ﴾.

(4) قالت الخنساء:

إِنَّ البكاء هو الشفا ءُ **من الجوي بينَ الجوانح

(5) قالَ الشاعر:

نسيم الروض في ريحِ شمال ** وصوب المزن في راحٍ شَمول

(6) قال الشاعر:

ولم أر كالمعروفِ تُدْعَى حقوقُه ** مغارِمَ في الأقوامِ وهي مغانِم

نُلاحظِ في المثال الأوَّل أَنَّ كلمة (الساعة) استعملت مرتين بمعنيين مختلفين، وإيراد الكلام على هذا الوجهِ يُسمي (جِناسًا).

وللجِناس صورة أخري واضحة في الأمثلة الأخرى، حيث يختلف اللفظان اختلافًا مَا في عدد الحروف (الجوي – الجوانح)، ونوعها (سبأ – نبأ، تفرحونَ – تمرحونَ، ريح – راح، شَمال – شَمول، مغارم – مغانم)، وإِذَا اختلفت الكلمتان في نوعِ الحروفِ أو عددها سُمّى الجِناس (ناقصًا).

وَإِذَا استعملت كلمة في معنيين متغايرينِ سُمّي ذلكَ جناسًا (تامًّا).

ولنتأمل في بعضِ النماذج السالفةِ:

في المثال الأوَّل يُقصد بالساعةِ الأولي: البعث المفاجئ، والساعة الثانية: زمنًا قصيرًا. والبعث صورة هائلة مفزعة مفاجئة تخيل إلى المجرم لما يشغله من أهوالها أَنَّه لم يقض في حياتهِ الدنيا إِلَّا زمنًا قصيرًا. لذلكَ نتجَ عَن استعمال لفظ الساعة في كل من المعنيين أثرَ المفاجأة، وهو لا يتم لو أخذ التعبير صورة أخري مثل: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمونَ مَا لبثوا لحظة).

وفى النموذج الثاني: تري كلمة (النبأ) مستقرة متمكنة، وهي بلا ريب أشد ملائمة من كلمة (الخبر)، فالنبأ خبر ذو شأنٍ وله قوة وفيه غرابة، ومن المؤكد أَنَّ الجناس يذكي هذه المعاني، فهذا الرنين الصوتي ذو وقعٍ ملائم لحالِ قائلهِ، بل يكاد يفصح عن لهجة القائل ونبراتهِ الدالة على انفعالهِ بالخبر العظيم، فالجناس دَلَّ على نوع الخبر ومانتهِ من نفس صاحبهِ.

وهذان الجانبان يغذوانِ المعني.

أَمَّا الجناس في النموذج الثالث فيعبر عَن عجب المفسدين ورضاهم عن فسادهم ويصور غلوهم وإسرافهم.

والخنساء في النموذج الرابع تحكي حزنها وآلامها، وفى مجال الحزن تنساق كلمتا (الجوي – والجوانح) كما تتابع المفاجأة وآثارها في وصف البعثِ، وفى التشابه بينَ (الجوي – الجوانح) إيحاء بتغلغل الحزن وتعمّقه في نفسها وجسدها، وقد أعطي تقارب الكلمتين المتجانستين –خاصّة– للحزن صفة الغلبة على الجوانح واستبدادهِ بها

والخلاصة أَنَّ الجناس كالسجعِ يزيد أداء الكلام لمعناه حسنًا، وخبره ما عبر عن معني لا يتم دونه.

ترك تعليق