المفردات؛ علما الدلالة وتاريخ الكلمات:
ينكر بعض اللغويين أن تكون اللغة تكتسب في شكل كلمات مفردة، أو أن يكون المتكلم على وعي بالكلمات مفردة حين يتكلم، إن هؤلاء يفضلون أن يتحدثوا عن العملية اللغوية على أنها تبنى على جمل أو مجموعات كلامية، وهناك شك حول صدق هذه النظرية. وعلى أي حال، سواء كانت صحيحة أو لا، فإن الكلمة المفردة قد قبلها علماء اللغة على أنها موضوع من الموضوعات الرئيسية لعلم اللغة، وعلى أنها محل اهتمام ما يعرف بعلم المفرادات
vocabulary.

وكما يتضح من معاجمنا الضخمة، فإن أهم المشاكل المرتبطة بالمفردات هي ما يتصل بالدلالة المفردة لكل كلمة semantics، وتاريخ الكلمات وتطورها etymology. وكلا الموضوعين، وخصوصا ثانيهما يمثل مكانة هامة لدى عالم اللغة التاريخي لا الوصفي، وعلى كل حال فإنه من الممكن تماما دراسة الدلالة بطريقة وصفية محضة تركز على المعنى أو المعاني التي تدل عليها الكلمة اليوم “أو عند أي لحظة زمنية معينة” من غير إشارة إلى كيفية اكتساب الكلمة لمعناها هذا بمرور الوقت.

تصنيف اللغات:
حتى الآن، ناقشنا موضوعات تمس اللغة بوجه عام، وتتعلق باللغات جميعها قديمها وحديثها، وهذه المناقشة قد خصصت لموضوعات من علم اللغة العام أو الوصفي أو التركيبي، ولكن حينما نأتي لتصنيف اللغات نكتشف أن هناك طريقتين رئيسيتين للتصنيف، هما: القرابة اللغوية أو الرجوع إلى الأصل، والطريقة التشكيلية أو التصنيف على أساس وسائل بناء الكلمات وتوليدها، أما الطريقة الأولى فتعد في معظمها تاريخية، وأما الثانية فوصفية، وهناك طريقة ثالثة غير علمية تعتمد على المعيار الجغرافي “اللغات الأوربية، اللغات الإفريقية لخ”. وهذه الطريقة ما تزال مستعملة في المجالات التي يصعب فيها تطبيق أحد المنهجين السابقين، حينما تكون معلوماتنا “أو حينما كانت حتى عهد قريب جدا” غير كافية. ولهذا فنحن ما نزال نتكلم عن اللغات الأسترالية الوطنية أو غيرها، “واضعين تحت المنطقة الجغرافية ما قد يمكن تصنيفه إلى أنواع متعددة لو طبقنا أحد المنهجين الأولين، والتصنيف الجغرافي -على أي الحالات- ربما يكون جديرًا بالاستعمال لأغراض لغوية جغرافية.

أما التصنيف على أساس القرابات اللغوية genetic classification، فيتطلب ولا شك دراسة تاريخية لربط اللغات بأصل معروف أو تخميني. اللغات الرومانسية مثلا مصطلح يستعمل ليغطي كل اللغات التي ترجع إلى أصل لاتيني. ولكن اللاتينية نفسها تعتبر عضوا في عائلة أكبر تسمى اللغات الهندية الأوربية وإن التقسيمات الواسعة إلى عائلات لغوية كبيرة مثل الهندية الأوربية، والحامية السامية، والطوراني لتتضمن لغات يبدو رجوعها في القديم إلى أصل واحد، فهي لذلك رغم بعد ذلك الأصل وعدم توافر وسائل الإثبات أحيانا تقسيمات واضحة إلى حد كبير، أو على الأقل محتملة الصحة.

وأما التصنيف التشكيلي typological classification الذي ربما يكون أو لا يكون قد بني على عوامل تاريخية، فيهتم أولا بالتركيب الحديث للغة، ولذا فهو في جزئه الأعظم وصفي. أما الأنواع العامة للغات فهي كما يلي:

1- اللغات التصريفية inflectlonal وهي التي تدل على العلاقات النحوية عن طريق السوابق واللواحق والتغييرات الداخلية في بنية الكلمة وإذا استعملنا مصطلحات أكثر تحديدا، نقول عن طريق الجمع بين مورفيمات حرة ومتصلة على سبيل المثال:

– الكلمات الإنجليزية walk وwalk-s وwalk-ing

وفي لغات مثل اللاتينية أو الروسية يقل بشكل ملحوظ عدد المورفيمات الحرة، حيث إن الأسماء والصفات والأفعال لا يمكن -بوجه عام

2- اللغات المركبة polysynthetic “أو incorporating“، وهي التي تركب أعدادا من المورفيمات المتصلة في شكل عبارة واحدة، بحيث تكون الوحدة هي المجموعة الكلامية أو الجملة لا الكلمة، ومثال ذلك:

– العبارة: g-nagla-sl-i-zak-s التي تعني: أنا أبحث عن قرية: فالرمز “g” معناه “أنا” و”nagla” تفيد معنى “مقيم” و”sl” أداة تعطي “nagla” صفة الأسمية ليصبح معناها معها “قرية”. أما “i” فهي سابقة فعلية تدل على أن “zak” فعل. أما “zak” فمعناها “أبحث عن” و”s” تدل على الاستمرار. ولا أحد من هذه الواحدات يمكن أن يعطي معنى محددا لو استعمل بمفرده.

وإن اللغات التي ينظر إليها باعتبارها تنتمي إلى عائلة لغوية واحدة لتعيد توزيع نفسها إذا صنفت بالطريقة التشكيلية، فداخل اللغات التي تنتمي إلى العائلة الهندية الأوربية، والتي كانت في أصلها تصريفية إلى حد كبير، نجد اللغتين الإنجليزية، والأفريكانية تميلان إلى نوع اللغات المفردة نظرا لتوسعهما في إسقاط اللواحق، واستعمالها للأصول المجردة -ذات المقطع الواحد غالبا- التي يدل على معناها عادة بنظام الجملة. وإلى جانب ذلك نجد في نفسي العائلة، اللغة الهندية التي تقرب من نوع اللغات اللاصقة، تاركة نظام النهايات التصريفية الموجود في اللغة السنسكريتية، ونجد الفرنسية، في بعض صيغها المتكلمة، تميل إلى نوع اللغات المركبة.

أما توزيع اللغات ودراسة جغرافيتها فموضوع -في عمومه- وصفي، حيث يعالج الجانب الجغرافي للغة، ولكنه مع ذلك يمكن أن يحوي ملامح تاريخية، إذا ما أخذ في الاعتبار مقارنة امتداد اللغة وأهميتها في لحظة معينة من الزمن بها في لحظة متقدمة، ولقد كانت أمريكا الشمالية -على سبيل المثال- مغطاة تماما بلغات أمريكية هندية ولغات الإسكيمو خلال القرن الرابع عشر، ولكنها الآن مغطاة بالإنجليزية، والإسبانية والفرنسية، إلى جانب اللغات الأصلية المحصورة بين بعض الأقليات والمجموعات المحلية المنعزلة.

المصدر: أسس علم اللغة

اضغط على أيقونة رابط قناتنا على التليجرام

ترك تعليق