التشبيه المستطرف في الوصف والغزل: رؤية نقدية

التشبيه المستطرف في الوصف والغزل: رؤية نقدية

مقدمة المقال

يُعدّ التشبيه المستطرف من أرقى أنواع التشبيه البلاغي، لما له من قدرة على إحداث الدهشة والإعجاب في نفس المتلقي، عن طريق الجمع المفاجئ بين شيئين يندر الجمع بينهما، أو انتزاع مشابهة بين شيئين ما كانت لتخطر بالبال. وقد حرص معظم الشعراء قديمًا على صياغة هذا النوع من التشبيه، خصوصًا في أغراض الوصف المحاكي لمشاهد الطبيعة. ويهدف هذا المقال إلى بيان دور التشبيه المستطرف في الوصف والغزل، مع الاستشهاد بنماذج متعددة من الشعر العربي وتحليلها تحليلًا بلاغيًا دقيقًا.

—

 أولاً: التشبيه المستطرف والوصف

 مكانة الوصف في التشبيه المستطرف

لقد حرَص مُعظمُ الشُّعراء قديمًا على صياغة التَّشْبيه المستطرف، خصوصًا في أغراض الوصف المحاكي لمشاهد الطبيعة.

وصور الوصْف المحاكي المقترنة بتشْبيه الاستطراف ترتبط بالأغراض غير الجمعية بالمعنى المباشر؛ أي: أغراض الغزل والنسيب أو وصف الطبيعة أو الخمريات، ففي هذه الأغراض لا يحرص الشاعر على التعليم أو الخطابة أو الوعظ، ومن ثَم مخاطبة الجمهور على نحو مباشر، بل يحرص على إظهار براعته الحرفية وقدرته على التفوُّق على أسلافه من الشعراء القدماء عن طريق الصورة التشبيهية المبتكرة، والتصوير الدقيق الذي لا يغفل شيئًا من جوانب الموصوف[1].

والتشبيه المستطرف يجمع بين معْنيَيْن مرتبطين بالمحاكاة، فهو يعد أداة بلاغية ناجعة في التقاط التفاصيل (تفاصيل الموصوف من مشاهد الطبيعة أو الإنسانية)، أو إتقان تصويرها، هذا من ناحية، كما يعد مجالاً من مجالات اتباع القدماء ومنافستهم من ناحية أخرى.

على كل حال، فإن المعنى المبتكر أو التصوير البارع الذي يؤديه التشبيه المستطرف، هو بغية متذوقي الأدب، وهم طبقة خاصة تطلب الإتقان والبراعة والابتكار. وظل هذا شأن الوصف، يتوجه إلى المحاكاة الواصفة، وقلما امتزجَ بهذه المحاكاة اهتمام بالشعور النفسي كما نجد في بعض الشواهد.

 معايير جودة الوصف

يكاد النقاد يجمعون على أن أجود الوصف هو الذي يستطيع أن يحكي الموصوف حتى يكاد يمثله عيانًا للسامع[2]، ولذلك قال بعض النقاد: “أبلغ الوصف ما قلب السمع بصرًا”[3].

ولا تبعد دلالة العبارة الأخيرة عن دلالة “حكاية” الموضوع و”تمثيله للحس بنعته” عند قدامة، ولا عن دلالة جودة الوصف الذي يصور الموصوف “فتراه نصب عينيك”، فكلها دلالات متكرِّرة الرجع في إشارتها إلى بلاغة المحاكاة التراثية التي هي وصفٌ يضعنا في حضرة الأصل، أو الوصف الذي هو محاكاة تمثيلية أمينة للأصل.

وهدفنا أن نظهر أن هذا الغرض مجال فسيح استغله الشاعر لرسْم صور الوصف المحاكي، وجعل من التشبيه المستطرف أداة أثيرة لإتقان الوصف وبيان دقة التفاصيل، والعمل على إثارة تعجُّب القارئ، وإدهاشه عن طريق الجمع المفاجئ بين شيئَيْن يندر الجمعُ بينهما، أو عن طريق انتزاع مشابهة بين شيئين ما كانتْ لتخطر بالبال، أو الجمع بين ما لم يكن يجتمع من قبل في مدى الرؤية أو الإدراك، مع الحرْص على دقة المطابقة بين الطرفَيْن المكونين للتشبيه في وجه الشبه النادر.

 نماذج تطبيقية في الوصف

**1. تشبيه ابن دريد للتفاحة:**

يقول ابن دريد في وصف تفاحة[4]:

وَتُفَّاحَةٍ مِنْ سَوْسَنٍ صِيغَ نِصْفُهَا=وَمِنْ جُلَّنَارٍ نِصْفُهَا وَشَقَائِقِ

كَأَنَّ النَّوَى قَدْ ضَمَّ مِنْ بَعْدِ فُرْقَةٍ=بِهَا خَدَّ مَعْشُوقٍ إِلَى خَدِّ عَاشِقِ

هنا ترى صورة أنيقة فاتنة كاملة للتشبيه المقلوب، تفاحة نصفها من سوسن، ونصفها الآخر من جلنار وشقائق، وكذلك التفاحة تتكون غالبًا من لونين: أصفر وأحمر، ثم نرى في الطرف الثاني المقابل خدين: أحدهما أحمر، وهو خد المعشوق بما يجول فيه من ماء الشباب وجمال المُحيَّا، والآخر أصفر، وهو خد العاشق الذي أذبلته اللوعة ووسمه الغرام بميسم الضنى، فحدث هنا التلاؤم والتشابه، والمشاكلة بين طرفي التشبيه، ومن ذلك تدرك أن الجمع بين التفاح والخد مجردين لم ينظر فيه إلا إلى صفة واحدة، وهي الحمرة فقط في كليهما، وشتان بين هذا التشبيه الناقص وبين ذلك التشبيه التام المستوعب.

يضاف إلى ذلك ما حفلت به الصورة من أصباغ مونقة مثل السوسن والجلنار والشقائق، إذ تملك عليك حاسة البصر بما تستحضر لك من هذه الألوان المحببة، ثم بما فيها من إيحاء بالفرح والسرور الذي يغمر عاطفتك، ويحرك فيك نوازع الشجى والطرب والعطف جميعًا من تصور اعتناق العاشق والمعشوق، وتلاصق خديهما في ظل الوصال بعد أن ضرب بينهما الفراق ضربته.

وكم كان جميلاً من الشاعر أن يصور لنا النوى – وهي مصدر الشقاء والبلاء – في صورة من رقَّ للمحبين، وعطف عليهما فساعفتهما باللقاء، فكيف بالله استحال البخيل كريمًا والقاسي رحيمًا؟![5]

**2. معيار أبي هلال العسكري في جودة الوصف:**

يقول أبو هلال العسكري: “ينبغي أن تعرف أن أجود الوصْف ما يستوعب أكثر معاني الموصوف، حتى كأنه يصور الموصوف لك فتراه نصب عينيك؛ كقول يزيد بن عمرو الطائي:

أَلاَ مَنْ رَأَى قَوْمِي كَأَنَّ رِجَالَهُمْ=نَخِيلٌ أَتَاهَا عَاضِدٌ فَأَمَالَهَا

فهذا التشبيه كأنه يصور لك القتلى مصرّعين[6].

**3. تشبيه ابن المعتز للنارنج:**

وقول ابن المعتز في وصف النارنج[7]:

كَأَنَّمَا النَّارِنْجُ لَمَّا بَدَتْ=صُفْرَتُهُ فِي حُمْرَةٍ كَاللَّهِيبْ

وَجْنَةُ مَعْشُوقٍ رَأَى عَاشِقًا=فَاحْمَرَّ ثُمَّ اصْفَرَّ خَوْفَ الرَّقِيبْ

يؤكد الدكتور شوقي ضيف براعة ابن المعتز في التصوير الزُّخرفي، فيقول: “إن من يقرأ ديوانه يحسّ أنه يعيش في دار من دور الصور المتحركة، فما يزال يرى مناظر وأشكالاً من شخوص ووجوه، وهي وجوه مستعارة، ولكنها تعبر عن رَوْعة الفن بأجمل مما تعبِّر عنه تلك الوجوه الحقيقية”[8].

ويتَّضح إعجابه بهذه البراعة التصويريَّة في نقده لهذَيْن البيتَيْن:

وَزَوْبَعَةٍ مِنْ بَنَاتِ الرِّياحِ=تُرِيكَ عَلَى الأَرْضِ شَيْئًا عَجَبْ

تَضُمُّ الطَّرِيدَ إِلَى نَحْرِهَا=كَضَمِّ المُحِبِّ لِمَنْ لاَ يُحِبّْ

فيقول: “أرأيت إلى هذه الصورة؟ إنها صورة خيالية رائعة، لا بد لها من خيال فنان حتى يعرضها على أنظارنا، فإذا هي العناق الغريب[9].

**4. تشبيه ابن حمديس للخال:**

وقد أكثر الشعراء من وصْف الخال فأحسنوا وأجادوا، ولكن هل استطاعوا مجتمعين أن يقولوا فيه مثل قول ابن حمديس:[10]

يَا سَالبًا قَمَرَ السَّمَاءِ جَمَالَهُ=أَلْبَسْتَنِي لِلْحُزْنِ ثَوْبَ سَمَائِهِ

أَضْرَمْتَ قَلْبِي فَارْتَمَى بِشَرَارَةٍ=وَقَعَتْ بِخَدِّكَ فَانْطَفَتْ فِي مَائِهِ

إن هناك بعدًا يرجع إلى عمق المعاني وخصبها واكتنازها وطرافتها وترتيب بعضها على بعض، ودقة المسلك في التقاط الشبه من نواحٍ يعزُّ على غير ذي الفكر اللماح والنظر النافذ الوصول إليها، فإنك ترى الصلة بين الطرفين واضحة وضوح الشيء المتعين في مكانه، ولكنك مع هذا تؤمن بأنها عملة غريبة؛ لأنها لم تكن تخطر لك على بال، وكيف لا تكون غريبة وأنت ترى الشيئين المختلفين وضعا موضع المؤلفين؟!

**5. تشبيه الأقحوان بالثغور:**

كما أكثروا من تشبيه الأقحوان بالثغور، وإن كان تشبيههم الثغور به أكثر، كقول ظافر الحداد[11]:

وَالأُقْحُوانَةُ تَحْكِي ثَغْرَ غَانِيَةٍ=تَبَسَّمَتْ فِيهِ مِنْ عُجْبٍ وَمِنْ عَجَبِ

فَي القَدِّ وَالثَّغْرِ وَالرِّيقِ الشَّهِيِّ وَطِي=بِ الرِّيحِ وَاللَّوْنِ وَالتَّفْلِيجِ وَالشَّنَبِ

كَشَمْسَةٍ مِنْ لُجَيْنٍ فِي زَبَرْجَدَةٍ=قَدْ أَشْرَقَتْ تَحْتَ مِسْمَارٍ مِنَ الذَّهَبِ

ويقول آخر:

وَالأُقْحُوانَةُ تُجْلِي وَهْيَ ضَاحِكَةٌ=عَنْ وَاضِحٍ غَيْرِ ذِي ظَلْمٍ وَلاَ شَنَبِ

كَأَنَّهَا شَمْسَةٌ مِنْ فِضَّةٍ حُرِسَتْ=خَوْفَ الوُقُوعِ بِمِسْمَارٍ مِنَ الذَّهَبِ

يقول النويري: “وهذا والذي قبله من بديع التشبيه، وهو أجود من تشبيهها بالثغور وأصنع، فإنها لا تشبه بالثغر حقيقة إلا من وجه واحد، وهذا قد شبهها ووصفها بجميع صفاتها وهيئاتها[12].

—

 ثانيًا: التشبيه المستطرف في الغزل

 مكانة الغزل في الشعر العربي

الغزل من أقدم أغراض الشعر العربي لارتباطه بالعاطفة الإنسانية العامة، وقد أدرك الشُّعراء أن الحب ينبوع هذا اللون منَ الشعر، وأدركوا أن هذه العاطفة إذا كانتْ صادقة جعلت الشعر قويًّا مؤثرًا؛ لهذا أدركوا أن “جميلاً” يفضل “كثيرًا” في النسيب: “إذ كان جميل صادق الصبابة وكان كثير يتقول، ولَم يكن عاشقًا”[13].

وقد وضع النقاد مقياس “الصدق العاطفي” لِمَعْرفة جودة النسيب، فما عبر عن إحساس صادق فهو الغزل، وما لم يكن كذلك عابوه[14].

وقد بدأ الشعراء العرب قصائدهم بالغزل والنسيب “لما فيه من عطف القلوب، واستدعاء القبول بحسب ما في الطباع من حب الغزل، والميل إلى اللهو والنساء، وأن ذلك استدراج إلى ما بعده”[15].

 نماذج تطبيقية في الغزل

**1. غزل ابن المعتز:**

يقول ابن المعتز متغزِّلاً في خفة ورشاقة[16]:

سَقَتْنِيَ فِي بِلَيْلٍ شَبِيهٍ بِشَعْرِهَا=شَبِيهَةَ خَدَّيْهَا بِغَيْرِ رَقِيبِ

فَأَمْسَيْتُ فِي لَيْلَيْنِ بِالشَّعْرِ وَالدُّجَى=وَشَمْسَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَخَدِّ حَبِيبِ

يرى ابن المعتز الليل في سواده يشبه شعر محبوبته، والخمر في لونها الأحمر تشبه خدها، فهو قد أمسى يتساقى الخمر مع محبوبته، وكأنه بذلك في ليلين وشمسين، انظر إلى هذه الزخارف التي حفلت بها الصورة، ثم تأمل كيف جمع الشاعر بين المتباعدين (الليل والشمس) هل يجتمعان؟ إنهما يجتمعان في خيال الشاعر، فهو يبتعد بالقارئ أو السامع إلى معان وصور، يندر أن تخطر في البال، وتكون على قدر من البراعة وحسن الإخراج، وجمال التصْوير، وتكثيف الإيحاء، إنها صورة فنيَّة تريك البعيد قريبًا، والمستحيل واقعًا، والمسموع منظورًا.

يعمد الشاعر المتغزِّل إلى التأنُّق والتجمُّل وجمع ظواهر سلوكه ليكون أكثر جاذبية، ومنها أسلوبه البياني في التعبير عن أحاسيسه، فيختار من الألفاظ أحسنها موقعًا، وأجملها دلالة وأترفها وآنقها، لتنسجم ومشاعره الوجدانية، والصورة الجميلة الرائعة التي يرسمها للحبيب في مخيلته. وهو في كل هذا يصدر عن عاطفة صادقة تلمسها في كل لفظة من ألفاظ قصيدته، وكل حرف من حروفها، ويكون ذلك عن شعور أو لاشعور؛ لأنه لا يجد أمام مشاعره المتأجِّجة سبيلاً غير هذا “وترى رقة الشعر أكثر ما تأتيك من قبل العاشق المتيم والغزل المتهالك؟”[17].

**2. غزل عمر بن أبي ربيعة:**

ويقول عمر بن أبي ربيعة[18]:

بَيْنَمَا يَنْعِتْنَنِي أبْصَرْنَنِي=مِثْلَ قَيْدِ الرُّمْحِ يَعْدُو بِي الأَغَرّْ

قَالَتِ الكُبْرَى تُرَى مَنْ ذَا الفَتَى=قَالَتِ الوُسْطَى لَهَا هَذَا عُمَرْ

قَالَتِ الصُّغْرَى وَقَدْ تَيَّمْتُهَا=قَدْ عَرَفْنَاهُ وَهَلْ يَخْفَى القَمَرْ؟!

في هذه الأبيات ألوان شائقة من البلاغة، فهي تتضمن بلاغة نفسية عميقة تدل على معرفة هذا الشاعر الغزل بأخلاق النساء وأهوائهن واختلافهن في التصريح والإخفاء على حسب أسنانهن وعقولهن، ولعل ذلك كان سببًا في شغف النساء به، وانعطافهن نحوه.

فقد بدأ بما يفهم منه أن الكبرى لم تكن رأتْه مِن قبل، وأنها كانت تهواه على السماع – والأذن تعشق قبل العين أحيانًا – وأنها كانت تود رؤيته، فلما أتيحت لها الرؤية لم تتمالك أن أظهرت من الكلف به ما دعاها إلى التحفـي في المسألة عنه سالكة في ذلك أسلوب “تجاهل العارف” الذي يتضمن شدة الوله وعمق الصبابة؛ لأنَّ عقلها بحكم سنها وإحكام التجارب لها، وقدرتها على ستر ميولها، وكبْت عواطفها – يمنعها من التصريح باسم مَن تُحب، ثم ثنَّى بأن الوسطى قد سارعت إلى تعريفه بالاسم العلم، فكانت دون الكبرى في التوقر والثبات، وهو ما يقضي به سنها، وقلة ممارستها لتجارب الزمن وشؤون الغرام.

ثم ثلَّث بأن بيَّن أن الصغرى كثيرة التعلُّق به، كبيرة الانجذاب إليه، حتى إنها شبهته بالقمر الذي يشبه به كل بالغ الغاية في الحسن والجمال، فلم يبقَ ريب في أنها تحبه وتهيم به.

وتصريحها بهذا الحب الذي جمجم به أختاها يلائم سنها، ويوائم عقلها، فالصغيرات تغلب عليهن الغرارة والبراءة، فلا يستطعْن أن يكتمن شيئًا مما يجول بخواطرهن، ويحوك في صدورهن.

وذكر عمر شغف الصغرى به، ووصفها له بالصباحة والملاحة يريد منه أن يعبر بدلالة الالتزام أنه فتى السن، ريق الصبا، جديد سربال الشباب؛ لأن الكواعب النواشئ، النواعم الدّل، لا يمنحْن حبهن إلا لِمن كان في مثل سنهن، ولله درّ أبي تمام حين قال[19]:

أَحْلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ مَوَاقِعًا=مَنْ كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِهِنَّ خُدُودَا

ومن بلاغة التصوير في البيت الأخير:

أن التشبيه بالقمر لم يجر على الطريقة الساذجة السائدة التي نَصَل لونها، وبلي ثوبها، فأصبحت مبتذلة مملولة، ولكنه أخرجه مخرج المثل، مع اتساق الوزن له، فزاده عذوبة ورشاقة وحسنًا.

ومن نافلة القول أن هذه الأبيات تدل على حذق عمر بوضع الكلام في مواضعه كما يقتضيها الإعراب. فإن القوافي جميعها لو أطلقتْ من عقال النظم لكانتْ مرفوعة، فلو أن قائلاً قال: إن عمر كان يعرف قواعد النحو لم يبعد، وذلك أمارة السليقة العربية الأصيلة[20].

**3. غزل سحيم عبد بني الحسحاس:**

وللشاعر المخضرم سحيم عبد بني الحسحاس صورة تمثيلية تحمل أصالة في تكوينها واتِّصالاً بانفعال هذا الشاعر، فأتت فريدة وقادرة على جلب انتباه القارئ والسامع إذ يقول[21]:

وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِعَاطِلٍ=مِنَ الدُّرِّ وَاليَاقُوتِ وَالشَّذْرِ حَالِيَا[22]

كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فَوْقَ نَحْرِهَا=وَجَمْرَ غَضًى هَبَّتْ لَهُ الرِّيحُ ذَاكِيَا

فاللوحة في الطرف الأول ترينا امرأة كالرئم، وقد بدا الجيد تزينه اللآلئ والياقوت، وخرز من الفضة في نظام بديع في ترتيبه وتوازُنه وإشعاعه، فبدتْ كما تصور لنا اللوحةُ المجاورةُ الثريا تلمع مضيئة بشكلها المنساب وحولها النجوم والغضى يشتعل بلهب أرجواني كلما هبت الريح زادته اشتعالاً واتقادًا، فهنا ألوان وأدوات للزينة، ونار تتلهب، ونجوم السماء، هذا كله ينتظم في مشهدَيْن ينعكس كل منها على الآخر، ولم يغرب هذا الشاعر، لأنه عندما أراد إبراز جمال المرأة التي أحب نظر إلى الثريا والنجوم، ولكنه قرن بها الغضى مشتعلاً، فكأنما أراد أن يأنسَ بها كما يأنس في الصحراء باشتعال شجر الغضى فتذهب الوحْشة.

“إن الشاعر مَن يشعر بجَوْهر الأشياء، لا مَن يعددها ويحصي أشكالها وألوانها، وما ابتدع التشبيه لرسم الأشكال والألوان، فإن الناس جميعًا يرون الأشكال والألوان محسوسة بذاتها كما تراها، وإنما ابتدع لنقل الشعور بهذه الأشكال والألوان من نفس إلى نفس”[23].

**4. غزل محمود حسن إسماعيل:**

ومن المختارات التي استطرفها واستحسنها أبو هلال العسكري في الغزل قول بعضهم:

جَارِيَةٌ أَطْيَبُ مِنْ طِيبِهَا=وَالطِّيبُ فِيهِ المِسْكُ وَالعَنْبَرُ

وَجْهُهُا أَحْسَنُ مِنْ حِلْيِهَا=وَالحُلْيُ فِيهِ الدُّرُّ وَالجَوْهَرُ

يقول أبو هلال العسكري: ولو قيل: إن هذا أحسن ما قاله محدثٌ لم يكن بعيدًا[24].

والأبيات التالية للشاعر محمود حسن إسماعيل من قصيدته (نشيد الأغلال) بديوان (أين المفر)[25]:

بِعَيْنَيْكَ مَعْنًى لَسْتُ بِالِغِ سِرِّهِ

وَلَوْ قَادَ نُورُ الغَيْبِ أَسْرَارَ نَظْرَتِي

رَحِيقٌ بِكَاسٍ أَمْ سُكُونٌ بِوَاحَةٍ؟

وَرُؤْيَا بِفَجْرٍ أَمْ صَلاةٌ بِكَعْبَةِ؟

وَفِي وَجْهِكِ النَّشْوَانِ عِطْرُ صَبَابَةٍ

يُذَكِّرُ أَحْلاَمِي بِطُهْرِ النُّبُوَّةِ

لا نعتقد أن الذي يتلقى هذه الأبيات يمكنه تصور دلالتها من أول قراءة، بل لا بد من قراءتها غير مرة، حتى يهتدي إلى أن الشاعر مبهور بعيني حبيبته وسحرهما الآسر، مشدودًا في الوقت نفسه إلى قيم الطهر والعفة والروحانية الدينية، ومن هذين المصدرين ممتزجين انبثقت تلك الصور التمثيلية، حتى لقد بات في حيرة من أمره، وعجز عن تحديد كنه ذلك المعنى الغامض الجميل الذي يختبئ في عيني حبيبته، ففيهما حلاوة رحيق الخمر والنشوة بها، وفيهما الإحساس بسكون الواحة الخضراء الظليلة وعليل نسيمها في لفح الهاجرة وقيظها الشديد، وفيهما الأنس بالحلم الذي يشيع في النفس رضا وسرورًا؛ إذ يخايلها لحظة بزرع الفجر، وفيهما نورانية الصلاة في الكعبة المطهرة، حيث تصفو النفس، وتتحرر من علائقها الأرضية، وتبلغ فيها الروح أسمى درجات الشفافية[26].

إن انفعال العشْق يعمل على شحذ القريحة وصقلها وترقيق الإحساس، فينعكس ذلك على الأسلوب، فإذا به يسيل رقة وعذوبة ويقطر راحة ورضا، وما أصدق ابن رشيق حين قال: “مَن أراد أن يقول الشعر فليعشق، فإنه يرق”[27]، وهذا التشبيه يجوز لنا أن نطلق عليه “التشبيه النفسي”، وهو التشبيه المبني على التقاط وحدة الأثر النفسي بين الأشياء وتصويرها تصويرًا فنيًّا مؤثرًا لينقل عدوى الشاعر إلى المتلقين”[28]، وهذا ما ينادي به أصحاب “المذهب الرمز”، وهو مذهب يفضل أن يعبر الشاعر عن حالته الوجدانية، وتجارب حياته بواسطة الصور التي ترمز لتلك الحالات، وتوحي بها إلى المتلقي، وعلى الأساس نفسه نراهم يطلبون إلى التشبيه أن يكون الجامع فيه وحدة الأثر النفسي بين المشبه والمشبه به، ولو كانا من عالمين مختلفين من عوالم الحس الظاهري[29].

خاتمة المقال

يتضح لنا مما سبق أن هذا النوع من التشبيه عنوان الترف العقلي، وآية الموهبة، ودليل الثروة الفكرية، والقدرة على اقتناص المعاني من أغوارها السحيقة، وجوب آفاق الأخيلة الرحيبة بجناح قوى الخفق.

ولا يسلس إلا لشاعر موهوب، لماح الذكاء، عميق الملاحظة، عامل الواعية الباطنية في المعاني المختلفة، والأشباه والنظائر الكثيرة، قادر على ابتكار التشبيه والتأتـي إليه بالوقوع على الوجه المناسب الذي يعتنق الطرفان في ظله، ومن ثَم لا يعيا الذهن بفهمه، ولا يشعر بغرابته، بل تلتذه النفس، وتستروح إليه، وتحس له نداوة وطربًا، لما تضمنه من طرافة وملاحة، ولما حقق لها من فائدة جديدة لَم تكن تعلمها من قبل.

وهكذا يعد هذا النوع من التشبيه وسيلة كشف مباشرة لجوانب خفية من الأشياء بالنسبة للشاعر الذي يدرك، والقارئ الذي يتلقى. وبهذا الفَهْم يكون التشبيه عملاً خلاّقًا حقًّا، إذ يصبح – بلغة النقد الحديث – محصلة خبرة جديدة، انتهى إليها شاعر تجاوز أقرانه، وتخطّى رؤيتهم، وتمكن من إدراك التشابه بين المجهول والمعروف، الأمر الذي لا يتيسَّر لعامَّة الناس، ولا تقدر اللغة العادية على توصيله[30]، ويصبح التشبيه الجيد بهذا الفهم موصلاً لنوع جديد متمايز منَ الخبرة التي تعمق إحساسنا بالحياة، ووعينا بأنفسنا وبالواقع مِن حولنا، وتجعلنا ندرك الأشياء إدراكًا أفضل[31].

 

————————————

 [1] “استعادة الماضي” صـ 285.

[2] “نقد الشعر 118، و”الصناعتين” 124، و”العمدة” 2/295.

[3] “العمدة” 2/295.

[4] “ديوان ابن دريد” صـ 87.

[5] “فن التشبيه” 1/340، 341.

[6] “الصناعتين” صـ 104.

[7] “الديوان” 1/296.

[8] “الفن ومذاهبه” صـ 270.

[9] “الفن ومذاهبه” صـ 270، 271.

[10] “ديوان بن حمديس” صـ 537، المقطوعة 337.

[11] “ديوان ظافر الحداد” صـ19، تحقيق حسين نصار، مكتبة مصر، ط 1، سنة 1969م.

[12] “نهاية الأرب” 11/289.

[13] “العمدة” 2/124، 125.

[14] “العمدة” 2/124.

[15] “العمدة” 1/225.

[16] “ديوان ابن المعتز” 2/214.

[17] القاضي الجرجاني، “الوساطة” صـ 18.

[18] “ديوان عمر بن أبي ربيعة” صـ90 من القصيدة التي مطلعها “هيج القلب…”، ويريد بقوله الأغر: فرسه، طبعة الهيئة المصرية 1978م.

[19] “شرح ديوان أبي تمام” 1/219.

[20] “فن التشبيه” 2/192، 193 (بتصرف).

[21] “ديوان سحيم” صـ 17، ت: عبدالعزيز الميمني، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1965 م.

[22] الياقوت حجر من الأحجار الكريمة لونه مشوب بالحمرة في الغالب، الشذر: خرز من فضه.

[23] “الديوان في الأدب والنقد” 1/27.

[24] “ديوان المعاني” 1/261.

[25] “الديوان” 1/768، طبعة دار سعاد الصباح، القاهرة، 1993م.

[26] “التعبير البياني” صـ 92.

[27] “العمدة” 1/212.

[28] “التصوير الشعري” صـ 81.

[29] “فن الشعر” صـ 60.

[30] Murry, Metaphor, in Countries of the Mind, Vol 2. P. 2 – 3.

[31] “الصورة الفنية” صـ 201.

ترك تعليق