الاستطراف والجدة والابتكار في التشبيه البلاغي
الاستطراف والجدة والابتكار في التشبيه البلاغي
مقدمة المقال
يُعدّ الابتكار في التشبيه من أرقى ما يهدف إليه الشاعر البلاغي، فهو الذي يجعل الصورة التشبيهية تنفذ إلى القلب، وتثير الدهشة، وتستجلب الشغف. وقد اشترط البلاغيون لطرافة التشبيه أن يكون جديدًا مبتكرًا، ليحدث في النفس نوعًا من المفاجأة بغير المتوقع. ويهدف هذا المقال إلى بيان مفهوم الابتكار في التشبيه، وأنه ليس إنشاءً من عدم، بل هو تناول الفكرة المألوفة وسكبها في قالب جديد، مع الاستشهاد بنماذج متعددة من الشعر العربي وتحليلها تحليلًا بلاغيًا دقيقًا.
أولاً: مفهوم الابتكار في التشبيه
اشترط البلاغيون لطرافة التشبيه أن يكونَ جديدًا مبتكرًا، ليحدث في النفس نوعًا من المفاجأة بغير المتوقع مما يثير دهشتها، ويستجلب شغفها.
وليس المقصود بالابتكار الإنشاء من عدم، أو الابتداع على غير مثال سابق، وإنما الابتكار “أن تتناول الفكرة التي قد تكون مألوفة للناس، فتسكب فيها من أدبك وفنك ما يجعلها تنقلب خلقًا جديدًا، يبهر العين، ويدهش العقل، أو أن تعالج الموضوع الذي كاد يبلى بين أصابع السابقين، فإذا هو يضيء بين يديك بروح من عندك[84].
والحقيقة “أن الفن ليس في الهيكل، إنه في تلك الأشعة الجديدة التي يستطيع الفنان أن يستخرجها من هيكل تلك الموضوعات والحوادث والوقائع”[85].
“فالفنان لا يسعى وراء فكرة نادرة أو غريبة، بل وراء طريقة جديدة يصور بها فكرة مألوفة، فالربيع لهوراس وفاليري فكرة عادية، وموضوع مبتذل، لكن الفنان صورها بطريقة جديدة غريبة”[86].
وذلك باب من أبواب الإبداع الذي تذكر به الموهبة ويحسب لها؛ لأن مظهر المقدرة البيانية ليس فقط في تشكيل صور وتشبيهات، وكشف علاقات جديدة، وإنما يكون أيضًا في تجديد الصور الأليفة الرتيبة.
—
ثانيًا: نماذج تطبيقية من الشعر العربي
تشبيه العيون بالخمر والسيوف
والناس من قديم يشبهون العيون في فعلها بالخمر والسيوف والنبال والسهام، لا يكادون يخرجون عن ذلك. يقول ذو الرمة[87]:
وَعَيْنَانِ قَالَ اللهُ كُونَا فَكَانَتَا=فَعُولاَنِ بِالأَلْبَابِ مَا تَفْعَلُ الخَمْرُ
ويقول أبو نواس[88]:
تَسْقِيكَ مِنْ لَحْظِهَا خَمْرًا وَمِنْ يَدِهَا=خَمْرًا فَمَا لَكَ مِنْ سُكْرَيْنِ مِنْ بُدِّ
ويقول المتنبي[89]:
رَأَيْنَ التِي لِلسِّحْرِ فِي لَحَظَاتِهَا
سُيُوفٌ ظُبَاهَا مِنْ دَمِي أَبَدًا حُمْرُ
تجديد حفني ناصف في تشبيه العيون
وجاء حفني ناصف فخرج من هذه الطريقة في بعض ما نظم وكان مجددًا حقًّا حين قال:
فَهْيَ كَالكَهْرُبَاءِ تُومِي بِلَحْظٍ=فَتَدُقُّ الأَجْراسُ فِي الأَكْبَادِ
ولعل ذلك راجع إلى تطوُّر العادات والنظم والعقول والأفكار وما يستجد في البيئة من مخترعات، والصور البيانية بحكم طبيعتها المرنة معرض واسع للجديد، وحقل خصيب للإبداع والاختراع[90].
تشبيه امرئ القيس لسموه إلى محبوبته
ومن التشبيهات التي عدَّها ابنُ رشيق منَ المبتكر الذي لم يسبق إليه ولا جاء أحد من الشعراء قبله بنظيره قول امرئ القيس[91]:
سَمَوْتُ إِلَيْهَا بَعْدَمَا نَامَ أَهْلُهَا=سُمُوَّ حَبَابِ المَاءِ حَالاً عَلَى حَالِ
فإنه أول من طرق هذا المعنى وابتكره، وسلم الشُّعَراء إليه[92].
ولكن ابن رشيق لَم يوضح لنا الجمال والابتكار في هذا التشبيه، وإنما اكتفى بهذه الإشارة المبهمة، فالتشبيه هنا محذوف الأداة، وهذا يؤكد المعنى ويزيد من استحسانه، لما فيه من إيجاز وخفة على النفس، وفي التشبيه مناسبة الكلام لموقف التخفي والحذر، فقد صور بطء سموه إلى محبوبته وتخفيه عن الناس تصويرًا دقيقًا، (وصفًا وصوتًا ودلالة) يستشفها القارئ ويسمعها في قوله “سموت سمو حَباب الماء”، ناهيك عن الخفة في نطق الشطر الثاني، فهي تشبه خفته في الرقي إلى محبوبته، وكأنه صور الحركة بالألفاظ وذلك غاية الفن في البلاغة.
فإذا أضفنا إلى ذلك استخدامه كلمات سهلة النُّطْق مع تكرارها وتكرار حرفي السين والحاء بخاصة، وهما حرفان يتميزان بالهمْس، أدركنا براعة الشاعر في تصْوير المعنى وجمال التشبيه وابتكاريته.
قول صردر في اللفظ والمعنى
يقول جاريت: “إن الفكرة جنين حتى تصاغ في الكلمات”(4)، وهذا يذكرني بقول صرّدُرّ:
إِنَّمَا المَرْءُ فَوْقَهَا هُوَ لَفْظٌ=فَإِذَا صَارَ تَحْتَهَا فَهْوُ مَعْنًى
يالله! اللفظ والمعنى معروفان، ولكن انظر إلى صنيع الشاعر بهما، وطريقة صياغته في الربط بينهما، فهو يصوِّر الإنسان الحي فوق الأرض – يتحرك فوقها ويسعى – باللفظ؛ لأن اللفظ كائن حي مشخص، يجري على اللسان ويلتقطه السمع، فيفعل بصاحبه الأعاجيب، وكذلك تصويره تحتها فانيًا بالمعنى؛ لأن المعنى لا يرى ولا يتمثل في غير اللفظ الذي هو كالجسد.
انظر كيف تهدى الشاعر إلى هذا التصوير الجيد، وكيف توصل إلى اقتناص وجه الشبه الذي يربط بين الطرفين مصورًا العلاقة بينهما أدق تصوير، فأصاب إصابة خبير بالمعاني متمايز الخبرة.
ولو أنك جردت الشاعر مِن أبحره وألفاظه وقوافيه – كما يقول كروتشة – لما بقي هناك فكرة شعرية كما يخيل إلى بعضهم، بل لما بقي شيء ألبتة[93].
التوليد في التشبيه: جرير وعدي بن الرقاع
وليس من الضروري أن يكون التجديدُ والابتكار اختراعًا محضًا لَم يسبق إليه الشاعر، فيكفي أن يكونَ توليدًا.
ذكر ابنُ رشيق في توليد المعاني بعضها عن بعض، وهو باب من أبواب الشعر ليس سرقة وليس اختراعًا؛ لأنه ليس أخذًا للشعر على وجهه فيعد سرقة، وليس منفصلاً عن دائرة الاقتداء فيسمى اختراعًا، ذكر من ذلك قول جرير يصف آذان الخيل:
يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطِيلِ النَّقْعِ دَامِيَةً=كَأَنَّ آذَانَهَا أَطْرَافُ أَقْلاَمِ
قال ابن رشيق: فقال عدي:
تُزْجِي أَغَنَّ كَأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ=قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا
فولَّد بعد ذكر القلم إصابته مداد الدواة بما يقْتضيه المعنى؛ إذ كان القرن أسود.
وكأن جريرًا هو الذي سبق إلى التشبيه بأطراف الأقلام، ولكنَّه شبه الآذان بأطراف الأقلام، وقد قالوا: إن جريرًا الذي فتق عن هذا التشبيه أُعجب إعجابًا كبيرًا بقول عدي السابق.
قال جرير: أنشدني عدي بن الرقاع قوله:
عَرَفَ الدِّيَارَ تَوَهُّمًا فَاعْتَادَهَا[94]
فلما بلغ إلى قوله:
تُزْجِي أَغَنَّ كَأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ… … … … …
رحمته وقلت: قد وقع ما عساه يقول وهو أعربي جلف جاف؟ فلما قال: “قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا” استحالت الرحمة حسدًا”[95].
وإذا نظرنا إلى ما ذكره ابنُ رشيق من أن بيت “عدي” كان توليدًا لبيت “جرير”، فإن إعجاب “جرير” أدخل في استشهاد البلاغيين؛ لأنَّ جريرًا شبه الآذان بالأقلام، وعدي شبه طرف الروق بأطراف الأقلام التي أصابتْ من الدواة مدادها، وكأنه لما ذكر “إبرة الروق” وهي من الدقة بحيث يَقِل أن ينتبه الواصف إليها، وإنما يصف ويشبه الروق كما فعل جرير في تشبيه الآذان، ثم ذكر إصابة الأقلام المداد، فحقق بذلك التشابه الذي لَم يُحققه جرير، كان ذلك بابًا من البُعد والدِّقَّة؛ لأن الجمع بين إبرة الروق وأطراف الأقلام التي أصابت المداد جمع بين أمرين متباعدين جدًّا؛ لأنه أضيف إلى اختلاف الجنس وتباعُده تلك الخصوصيات التي راعاها الشاعر في الطرفَين، عدي إذًا كان مع إصابة الشبه والتقاطه من الجنس البعيد كان مُحققًا له، ومُدَققًا فيه، ومراجعًا له[96].
قال عبدالقاهر: “فهل كانت الرحمة في الأولى والحسد في الثانية إلا أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر وبديهة الخاطر، وفي القريب من محلِّ الظنِّ شَبَهٌ، وحين أتم التشبيه وأداه، صادفه قد ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف، وعثر على خبيء مكانه غير معروف”[97].
والتشبه هنا بين قرن الظبي الدقيق الأسود والقلم الذي علق المداد الأسود بسنه، أما سبب إحساس جرير بالرحمة والإشفاق على عدي أولاً، أنه أتى في الشطر الأول من البيت بمشبه هو طرف القرن (إبرة روقه)، وهذا المشبه يستدعي مشبهًا به بالضرورة، حتى يكتمل التشبيه فلما قال عدي: “قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا”، أدْرك جرير بحاسته الشعرية المرهفة مبلغ إصابته، وعظيم توفيقه في اقتناص مشبه به دقيق المشاكلة للمشبه، على الرغم من أن كلاًّ منهما من جنس مختلف غاية الاختلاف عن الآخر، فالمشبه ينتمي إلى البادية، والمشبه به من مفردات حياة الحضر، والبون بينهما بعيد، وقد بلغ من إعجاب جرير بذلك التشبيه أنه ودَّ – طبقًا لرواية عبدالقاهر – لو كان هو صاحبه[98].
تشبيه عبدالله البردوني لوقع المطر
ومما ينظم في عقد هذه التشبيهات قول عبدالله البردُّوني في وصف المطر[99]:
وَنَقَّرَ خَطْوُ القَطِيعِ الحَصَى=كَمَا يَنْقُرُ السَّقْفَ وَقْعُ المَطَرْ
مما يلفت النظر في جمال هذه الصورة استناد الشاعر في اقتناص وجه الشبه على حاسة السمع، فهو يصغي إلى المطر عندما يتساقط على سطح الغرفة التي يسكنها، فيحس وقعه في سمعه كوقع الصوت المتولد عن مرور الأغنام على أرضٍ كثيرة الحصى، حيث يتطاير الحصى فيصطك بها، فهو قد رسم في مخيلته صورة لما سمع من وقع المطر، وشبه ذلك الصوت بصورة سمعية أخرى ارتسمتْ أو خزنت في ذاكرته من معطيات بيئته المكانية، وقد استطاع بذكائه وقوة حسه أن يوجد علاقة تشبيهيَّة بينهما.
إن الشاعر المبتكر هو الذي يرى الصورة غير المرئية، ويصوغها في مخيلته، والابتكار لا يستمد عناصره من المنظور فقط، بل من المتصور والمفروض أيضًا[100]، والشاعر لا يصور الواقع تصويرًا حرفيًّا، ولكنه يضفي على هذا الواقع من إحساسه وخياله وتجاربه، فيعيد إبداعه على نحو خاص تتضح فيه تجربته الذاتية ورؤيته الخاصة، ولقد سبق السكاكي في إحدى ومَضاته الذكية التي لم يلتفت إليها، “فكم من صور تتعانق في الخيال وهي في آخر ليست تتراءى! وكم من صور لا تلوح في الخيال وهي في غيره نار على علم”[101].
ويقول العقاد في هذا السياق: “فالمسألة عظيمة جدًّا بين شاعر يصف لك ما رآه، كما قد تراه المرآة، أو المصورة الشمسيَّة، وشاعر يصف لك ما رآه وشعر به، وتخيله وأجاله في روعه، وجعله جزءًا من حياته، وليس يعنيك أنت أن يكون الشاعر صحيح العين، مطلعًا على المرئيات المتشابهة، ليتصل ما بينك وبينه، ويقترب وجدانك من وجدانه، ولكنه يعنيك منه أن يكون إنسانًا حيًّا يشعر بالدُّنيا، ويزيد حظك من الشعور بها”[102].
الابتكار بقلب المعنى: علي بن جبلة وأبو العتاهية
“وعلى الحقيقة فإن في زوايا الأفكار خبايا، وفي أبكار الخواطر سبايا”[103]، فإذا أخذ شاعر معنى من المعاني عن شاعر آخر تقدمه، وأتى بالمعنى معكوسًا أو مناقضًا في فحواه لقول آخر، وأبرزه في معرض من تأليفه عُدَّ ابتداعًا واقتدارًا على تناول المعاني والتصرُّف فيها.
فمن ذلك قول علي بن جبلة[104]:
دِجْلَةُ تَسْقِي وَأَبُو غَانِمٍ=يُطْعِمُ مَنْ تَسْقي مِنَ النَّاسِ
يَرْتُقُ مَا يَفْتُقُ أَعْدَاؤُهُ=وَلَيْسَ يَأْسُو فَتْقَهُ آسِي
وَالنَّاسُ جِسْمٌ وَإِمَامُ الهُدَى=رَأْسٌ وَأَنْتَ العَيْنُ فِي الرَّاسِ
فالجمال هنا يرجع إلى جَمْع البيت بين ثلاثة أشياء مترابطة في ثلاثة تشبيهات يضمها نسيج واحد، ثم وضع كل ممدوح في التشبيه الذي يُلائم منزلته، وتلك براعة الصنعة، وفعل الموهبة؛ فالناس كالجسم، وأثمن ما في الجسم الرأس، وأثمن ما في الرأس العين، وتلك قمة الترقّي في التصوير والتعبير.
وعلي بن جبلة أخذه من قول أبي العتاهية في الرشيد[105]:
تُسَاسُ مِنَ السَّمَاءِ بِكُلِّ فَضْلٍ=وَأَنْتَ بِهِ تَسُوسُ كَمَا تُسَاسُ
كَأَنَّ الكَوْنَ رُكِّبَ فِيهِ رُوحٌ=لَهُ جَسَدٌ وَأَنْتَ عَلَيْهِ رَاسُ
ولكنه زاد في الشرح والترتيب، وقوة النسج، وبراعة التصوير، فكان له فضل الابتكار والتوليد.
الابتكار بقلب المعنى: أبو الشيص والمتنبي
ومن ذلك أيضًا قول أبي الشيص في الغرام بمحبوبه[106]:
أَجِدُ المَلامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيذَةً=حُبًّا لِذِكْرِكِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَمُ
وهو عكس ما قاله أبو الطيب المتنبي[107]:
أَأُحِبُّهُ وَأُحِبُّ فِيهِ مَلاَمَةً=إِنَّ المَلاَمَةَ فِيهِ مِنْ أَعْدَائِهِ
إن مَن يُدقق النظر في كل معنى ومعكوسه يحس دور الصنعة الشاعرة في جمال الصياغة، وإلباس المعاني أثوابًا جديدة بما اشتملتْ عليه من فن القول، وبديع التصوير.
تجديد البارودي في تشبيه تموجات النهر
والمتصفِّح دواوين الشعراء المعاصرين – وبخاصة المطلعون منهم على آداب الغرب – يرى ألوانًا من التجديد في التشبيه أمدتهم بها المدنية الحديثة التي انبسط ظلُّها على كل شيء، والمعارف الحديثة التي امتد سلطانها حتى على الذَّرِّ في مكامنه السحيقة.
فمن ذلك تشبيهات البارودي في مشهد تموجات صفحة النهر، وهي تشبيهات في غاية الروعة والجمال؛ حيث يشبهها تارة بالدروع، وتارة بصحائف الفضَّة أو الذهب، وتارة بصحف الورق المليئة بالأسطر.
ومن أمثلة تشبيهه تموج صفحة النهر بأحرف الهجاء في الكتابة قوله[108]:
وَالْمَحْ بِطَرْفِكَ مَا وَحَتْهُ يَدُ الصَّبَا=فَوْقَ الغَدِيرِ تَجِدْ حُرُوفَ هِجَاءِ
مِنْ كُلِّ حَرْفٍ فِيهِ مَعْنَى صَبْوَةٍ=تَتْلُو بِهِ الوَرْقَاءُ لَحْنَ غِنَاءِ
ثم يزيد الصورة تفصيلاً في قصيدة أخرى، مُضيفًا إليها مجموعة منَ العناصر الجديدة الطريفة[109]:
وَخَمِيلَةٍ بَكَرَتْ سَمَاوَةُ أَيْكِهَا=تَحْمِي الهَجِيرَ عَنِ النُّفُوسِ وَتَدْرَأُ
……………………=…………………
فَتَحَ الرَّبِيعُ بِهَا مَدَارِسَ بَهْجَةٍ=لِلْعَيْنِ فِيهَا بَهْجَةٌ لاَ تَضْرَأُ
فَالرِّيحُ تَكْتُبُ وَالغَدِيرُ صَحِيفَةٌ=وَالسُّحْبُ تَنْقُطُ وَالحَمَائِمُ تَقْرَأُ
صُورٌ تَدُلُّ عَلَى حَكِيمٍ صَانِعٍ=وَاللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَبْرَأُ
ثم يقدم في قصيدة ثالثة تنويعًا موازيًا من صور الريح التي كتبتْ على صفحة النهر[110]:
وَالرِّيحُ تَمْحُو سُطُورًا ثُمَّ تُثْبِتُهَا=فِي النَّهْرِ لاَ صِحَّةٌ فِيهَا وَلاَ غَلَطُ
ويأتي تنويع رابع فيغدو المطر هو الذي ينقط الحروف المكتوبة، بينما تشبه الأشجار المنعكسة على صفحة النهر أسطر هذه الحروف المكتوبة[111]:
وَأَصْبَحَتِ الغُدْرَانُ يَصْقُلُهَا الصِّبَا=وَيَرْقُمُ مَتْنَيْهَا بِلُؤْلُئِهِ القَطْرُ
تَرِفُّ كَمَا رَفَّتْ صَحَائِفُ فِضَّةٍ=عَلَيْهِنَّ مِنْ لأْلاءِ شَمْسِ الضُّحَى تِبْرُ
كَأَنَّ بَنَاتِ المَاءِ تَقْرأُ مَتْنَهَا صَبَاحًا=وَظِلُّ الغُصْنُ لاَحَ بِهَا سَطْرُ
وتصل براعة الصنعة إلى درجة عالية من الاستطراف في تنويع خامس نقرأ فيه[112]:
إِذَا انْبَعَثَتْ فِيهِ النَّسَائِمُ خِلْتَهَا=تُنِيرُ عَلَى مَتْنِ الغَدِيرِ بِهِ بُرْدَا
كَأَنَّ الصَّبَا تُلْقِي عَلَيْهِ إِذَا جَرَتْ=مَسَائِلَ فِي الأَرْقَامِ أَوْ تَلْعَبُ النَّرْدَا
والمادة الأساسية لكل هذه الصور مادة قديمة، تداولها الشعراء عشرات المرات قبل البارودي، ولكنه جدد فيها بتوليداته، وأضاف إليها بتَنْويعاته، وبرع في الجمع بين أكثر من صورة قديمة في صورة واحدة جديدة، ومثال ذلك التنويع الأخير الذي يمكن أن نعثر على أصله في شعر البحتري قوله[113]:
كَأَنَّمَا غُدْرانُهَا فِي الوَهْدِ=يَلْعَبْنَ مِنْ حَبَابِهَا بِالنَّرْدِ
لكن البارودي أضاف إلى صورة البحتري القديمة “مسائل الأرقام”، التي زاد بها الصورة طرافة وابتكارًا، فتميز عنه، وحقق الإضافة التي يسبق بها اللاحقُ السابقَ بعد أن استحق شرف المنافسة معه.
الخلاصة: التجديد في الصورة التشبيهية
ومعنى هذا: أن الشاعر أو الفنان لا يمكن أن يدعي لنفسه معنى؛ إذ لا بد من وجود صلة قوية بين معانيه ومعاني الشعراء السابقين عليه، وعلى الشاعر أن يعرض هذه المعاني عرضًا جديدًا في صورة جديدة تلائم عصره الذي يعيش فيه، وتعبِّر عن فكره وأهدافه وآماله في الحياة، حتى ولو كان ذلك العرْض الجديد، بقلب المعنى أو عكسه، أو بالخروج على الأعراف اللغوية المضطردة، ما لم تعد في خدمة الأغراض التي يسعى إليها، فهو صاحب التعبير يبث في المادة المعطاة روحًا من أثره عليها، وتصرفه فيها.
ويؤيد هذا ما نقله “حازم” عن “ابن سينا” من تفاصيل هذه الصنعة، وهو أنه “لا يبعد أن نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر بحسب عادة هذا الزمان”[114].
وبناءً على ذلك؛ فلا نقتصر على تشبيه الجميل بالبدر، أو الشجاع بالأسد، أو الكريم بالبحر، وغير ذلك من التعبيرات “التشبيهات” التي فقدت جدتها وبهاءها.
نقول ذلك لأن لكل زمان رجاله، ولكل عصر ثقافته، ولكل بيئة تقاليدها وطباعها، وليس معنى هذا الذي نقول أننا ننادي بالقطيعة مع التراث، كلا، وإنما ندعو إلى الإبداع في إنشاء الصورة والتفنُّن في أسلبتها، والتبرع في تركيبها.
وبناءً على ذلك؛ فإنه يمكن أن يشبه الجميل بشيء مثله أو أجمل منه، وليس شرطًا أن يكون الشمس أو القمر، وإنما يكون حسبما يلتعج في النفس، وتجود به القريحة، وحسبما تلهم الصنعة الشاعر من ألوان في المعاني والكلمات والأنغام، حتى لو كانت مخالفة للشائع والمألوف بين الناس، كهذا التشبيه مثلاً: “إن فتياتنا جميلات كالليل” – وهو لقائل غربي – إنه تشبيه جديد كل الجدة، إنه يَتَمَثَّل جمال المرأة ليلاً بهيمًا، فكأنه ثورة معلنة على التصور الشائع بين الناس من تشبيه الجميل بالشمس أو بالقمر، فإذا هذا الليل بما فيه من ظلمات وأهوال في تمثيل أخيلة الشعراء العرب القدماء (كامرئ القيس والنابغة)، يستحيل إلى مظهر مزدخر بالشعرية والأحلام، ويغتدي مظنه للدعة والجمال والسكون والأمن واللذة والمتاع، ولما كان الليل بعض ذلك أو كله، في تمثل هذا القائل الغربي، فقد عمد إلى تشبيه جمال النساء به.
إن تشبيه الجميلات الفاتنات بالليل ليس عميقًا قشيبًا فحسب، وإنما استطاع أن يقلب موازين الذوق العام المتعارفة، والتقاليد المتآلفة بين النقاد البلاغيين العرب والغربيين جميعًا، والتي كانت تقرر وجود تشبيه المجرد بالمحسوس، أو المحسوس بالمحسوس، فإذا التشبيه هنا ينهض على تشبيه المحسوس بالمجرد، والكائن الحي العاقل بمظهر زمني محضٍ.
هنا يتجلَّى إبداع اللغة، فلا يعجزها أن تنسج لنا من الصور الأدبية والتشبيهات العجيبة القشيبة ما يكون مثارًا للإدهاش، ومدعاة للإبهار، ومهما يكن من شأن، فإن الشعريات والبلاغيات تتضافران معًا من أجل ترقية نسيج الخطاب الأدبي، وإثراء لغته، وتنميق تعبيره، وتوسعة استعمالاته، والتفنُّن في أساليبه؛ لأنَّ الغاية من ذلك كله إبهار المتلقِّي، وأسر ذوقه، وصقْل رؤيته للجمال[115].
———————————–
[84] “فن الأدب” صـ 11.
[85] “فن الأدب” ص 11 وما بعدها.
[86] Vingt Lecons sur Les beaux arts. P.290-293
[87] “ديوان ذي الرمة” 1/578؛ تحقيق: عبدالقدوس أبو صالح.
[88] “ديوان أبي نواس” صـ 27.
[89] “شرح ديوان المتنبي” 2/227.
[90] “فن التشبيه” 2/252.
[91] “ديوان امرئ القيس” صـ 31.
[92] “العمدة” 1/175. (4) “فلسفة الجمال” 118.
[93] “المجمل في فلسفة الفن” صـ 60، 61.
[94] “ديوان عدي بن الرقاع” صـ 83.
[95] “أسرار البلاغة” صـ 140، 141، و”الكامل” 2/109.
[96] “التصوير البياني” صـ 121، 122.
[97] “أسرار البلاغة” صـ 141.
[98] “التعبير البياني” صـ 100.
[99] الصورة الشعرية عند البردوني صـ 126، يقول البردوني: “كنت أقدر مسافة الصوت، وأتنصت إلى حفيف النباتات والأشجار، وإلى أصوات الناس، وأميز المحيطين بي من خلال ذلك، فأعرف الطويل والقصير، وأجد للأصوات ألوانًا كألوان النبات، وكان يشد سمعي حركات الحيوان، وبالأخص الأغنام، إلى أن تألفت هذه الصور في ذهني وبدت في بعض قصائدي”؛ (نفسه صـ 125، 126).
[100] “فن التشبيه” 3/82.
[101] “مفتاح العلوم” صـ 122.
[102] “ابن الرومي حياته من شعره” صـ 308.
[103] “فن التشبيه” 3/82.
[104] “ديوان علي بن جبلة” صـ 74، تحقيق: حسين عطوان، دار المعارف القاهرة، 1982م.
[105] “ديوان أبي العتاهية” صـ 233، طبعة دار صادر 1980م، وجاء في الكامل “كأن الخلق” 2/113.
[106] “الأغاني” 19/142، و”العقد الفريد” 5/374، وللوقوف على شواهد أخرى، انظر: “زهر الآداب” 1/391، 392.
[107] “ديوان المتنبي” 1/29.
[108] “ديوان البارودي” 1/18، 19.
[109] “ديوان البارودي” 1/24 – 26.
[110] “ديوان البارودي” 2/192.
[111] “ديوان البارودي” 2/56، 57.
[112] “ديوان البارودي” 1/221.
[113] “ديوان البحتري” 1/568.
[114] “منهاج البلغاء” ص 69.
[115] انظر مقال “الصورة الأدبية..الماهية والوظيفة”؛ د/ عبدالملك مرتاض، الإصدار الدوري للنقد “علامات” جـ22. م6، شعبان 1417هـ، ديسمبر 1996م، ص 178 – 212.
