الاستطراف والتفصيل في التشبيه البلاغي
الاستطراف والتفصيل في التشبيه البلاغي
مقدمة المقال
يُعدّ التفصيل من الوسائل التي تزيد التشبيه دقة وسحرًا واستطرافًا، خاصة إذا جاء في الهيئات التي تقع عليها الحركات. والتشبيه بين المتباعدات لا بد أن يقوم على رابطة يقرها العقل، وترضاها النفس، فإذا توافر ذلك، كان التشبيه أدعى إلى الاستطراف والقبول. ويهدف هذا المقال إلى بيان العلاقة بين الاستطراف والتفصيل، وإبراز دور التفصيل في زيادة التشبيه دقة وسحرًا، مع الاستشهاد بنماذج شعرية من الشعر العربي وتحليلها تحليلًا بلاغيًا دقيقًا.
أولاً: التشبيه في هيئات الحركة
إن التشبيه بين المتباعدات لا بد أن يقوم علـى رابطة يقرها العقل، وترضاها النفس، وإن مما يزداد به التشبيه دقة وسحرًا أن يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركات، كما في قول جبار بن جزء بن ضرار ابن أخ الشماخ:
وَالشَّمْسُ كَالْمِرْآةِ فِي كَفِّ الأَشَلِّ
ويُحَلِّل عبدالقاهر هذا التشبيه تحليلاً يصف مدلوله وصفًا بالغًا في الدِّقَّة، يقول في ذلك:
“أراد أن يريك مع الشكل الذي هو الاستدارة، ومع الإشراق والتلألؤ علـى الجملة، الحركة التي تراها للشمس إذا أنعمت التأمل، ثم ما يحصل في نورها من أجل تلك الحركة، وذلك أن للشمس حركة متصلة دائمة في غاية السرعة، ولنورها بسبب تلك الحركة تموج واضطراب عجيب، ولا يتحصل هذا الشبه إلا بأن تكون المرآة في يد الأَشَل؛ لأن حركته تدور وتتَّصل، ويكون فيها سرعة وقلق شديد، حتـى ترى المرآة لا تقر في العَيْن، وبدوام الحركة وشدة القلق فيها، يتموج نور المرآة، ويقع الاضطراب الذي كأنه يسحر الطرف، وتلك حال الشمس بعينها حين تحد النظر، وتُنفذ البصر، حتـى تتبين الحركة العجيبة في جرمها وضوئها، فإنك ترى شعاعها كأنه يهمُّ بأن ينبسط حتـى يفيض من جوانبها، ثم يبدو له فيرجع من الانبساط الذي بدأه إلـى انقباض، كأنه يجمعه من جوانب الدائرة إلـى الوسط، وحقيقة حالها في ذلك مما لا يكمل البصر لتقريره وتصويره في النفس، فضلاً عن أن تكمل العبارة لتأديته، ويبلغ البيان كنه صورته”[45].
وهذا التحليل وَصَفَ حركةَ الشمس وتموجَها وصفًا أدقَّ من وصف الشاعر، ويظهر من خلال هذا التحليل سبب إعجاب عبدالقاهر بهذا البيت، وكأنه ينظر إليه من زاوية اقتداره علـى وصف الشيء وصفًا كاشفًا مستوعبًا، لا يدع فيه لمحة ولا حركة ولا خاطرة إلا أشار إليها بما يكشفها، وذلك إنما يكون مع صحة الفطرة، وصدق الملكة، وقوة الخيال، فالإدراك الذي لا يفلت منه شيء في المدرك إدراكٌ صحيحٌ، ومثل ذلك الإدراك أمر “لا يكمل البصر لتقريره وتصويره في النفس، فضلاً عن أن تكمل العبارة لتأديته، ويبلغ البيان صورته”[46]؛ لأن وصف الحركة من أصعب أبواب الوصف؛ لأن تصويرها بالكلمات حتـى تكون فيها كما تراها العين تجول وتضطرب، عمل لا ينهض به إلا ذوو المواهب الفذة[47].
ثانيًا: نموذج ابن الرومي في وصف الخباز
ومما جاء من ذلك ولطف وعرف، لما فيه من التفصيل والتركيب مع اهتمام بالغ بوصف الحركة قول ابن الرومـي يصف “الخباز”، وهو يدحو الرقاقة:
إِنْ أَنْسَ لاَ أَنْسَ خَبَّازًا مَرَرْتُ بِهِ=يَدْحُو الرُّقَاقَةَ وَشْكَ اللَّمْحِ بِالبَصَرِ
مَا بَيْنَ رُؤْيَتِهَا فِي كَفِّهِ كُرَةً=وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا قَوْرَاءَ كَالقَمَرِ
إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا تَنْدَاحُ دَائِرَةٌ=فِي لُجَّةِ المَاءِ يَرْمِي فِيهِ بِالحَجَرِ
هنا استخدم الشاعر الخيال التصويري لرسْم صورة الخباز وهو يدحو الرقاقة، مستعينًا بموهبته الفطرية، وأدواته الفنية، ودقَّة مُلاحظته، فقدم لنا صورة تشبيهية تثير الدهشة والعجب في نفس قارئها، فالخباز يتناول كرة العجين في يده، فيبسطها بسرعة، ويمطها بحركة سريعة، فتزداد استدارتها بالتدريج، وهكذا تتتابع الحركات في مهارة وسرعة في بسط العجينة ومطها حتـى تصير قوراء كالقمر.
ثم ربط الشاعر هذا المشهد في خياله المحلق بما يتشكل في صفحة الماء الساكن حين يلقي فيه بالحجر، فتتوالد دوائر متتالية متتابعة في سرعة تزداد اتساعًا بالتدريج حيث تبدأ كل منها صغيرة عند المركز ثم تتسع وتنداح شيئًا فشيئًا.
ومما يلفت النظر في هذه الصورة التي تكشف عن موهبة ابن الرومـي الأصيلة في هذا التصوير، هو التركيز علـى استخدام التشبيه، مقترنًا بكلِّ ما يخاطب حاسة العين، وكلا الأمرين موصول بالآخر وصل المفردات البصرية بما يؤكد تشخيص الجماد، وبث الحياة والمشاعر في حضوره الذي يغدو حضورًا إنسانيًّا.
ويلفت الانتباه في المشهد – ثانيا – أن المشاعر الإنسانية المنسربة فيه لا تتجلـى إلا بمشابهات بصرية، تعمل ترابطاتها علـى إثارة تداعيات شعورية، تدعم الحالة الوجدانية التي يؤديها المشهد، ويجسدها في الوقت نفسه، وهـي مشابهات لا تخلو من عنصر المفاجأة الناتج عن الجمع بين ما لا يجتمع عادة في الوعـي، والوصل بين المتباعدات التي تتقارب علـى نحو مباغت في اتجاه شعوري بعينه، أقصد إلـى دهشة العقول من صنعة الفن في هذا التشبيه المستطرف الذي بقـي يغالب الزمن، ويشهد ببراعة ابن الرومـي الشاعر.
ما أجمل الصورة! وما أروع التعبير عنها! كيف استطاع الشاعرُ اقتناص وجه الشبه على هذه الدرجة من البعد والغرابة؟!
“إن أصدق الصور ما كانت ممكنة في الواقع، إن لم تنتزع منه فعلاً”[48]، تأمل الأبيات مرة أخرى، ترَ براعة التصوير الحسي لدى ابن الرومي في وصف صانع الرقاق لتصويره في أوضاعه المتلاحقة، واستيعاب المشهد بكل جزئياته وحركاته وتحوُّلاته في هذه الصورة التمثيلية النادرة النظير، فهي من المشابهات الخفية التي يدق المسلك إليها؛ لأن الطرفين مختلفان في الجنس أشد الاختلاف، وقد استطاع الشاعر بمهارته أن يوجد بينهما اتفاقًا كأحسن ما يكون الاتفاق وأتمه، “فبمجموع الأمرين – شدة ائتلاف في شدة اختلاف – حلا وحسن وراق وفتن”[49].
تأمَّل الأبيات مرة أخرى تر أن حواس الشاعر كلها تشترك اشتراكًا حيًّا في الوصف، وأنت أمام مشهد حي متحرك تراه بعينيك، وتنفعل له كما ينفعل له الشاعر، فهو لم يكتف برسم الخطوط العامة للصورة، وإنما يعمد لرسم التفاصيل وتصوير الظلال في غاية الانتباه والدقة حتـى يستقيم واقع الصورة كما يراها ويحسها.
إن عين الشاعر هنا توصف بأنها عين رائية، بمعنـى أنها ترى الأشياء وتتغلغل في باطنها، لا مجرد النظر إليها، لذلك لا تحاكـي صور الشاعر عناصر الطبيعة كما هـي، وإنما تقدمها معدلة بفعل اندماجها في علاقات شعورية جديدة، هـي علاقات لغوية، لا نرى معها عناصر الطبيعة في ذاتها، وإنما نراها من خلال الشاعر لها وإحساسه بها.
هكذا استطاع ابن الرومي بشاعريته الفذة أن ينقل المعنـى بهذا البيان المقتدر في هذه الصورة الديناميكية إلـى عالم الشعر بقوة إحساسه ورحابة خياله، ودقة ملحه، لتظل علـى الأيام تشهد للشعر بقوة السحر، وتثبت جملة ما للبيان من القدرة والقدر.
إن العقاد كان علـى حق في اعترافه ببراعة ابن الرومي في هذا النمط التصويري حين قال: “إنه ينظر إلـى الأشياء بعين مصور صناع، لا يفوتها لون من الألوان التي تنسجها خيوط الشمس في ائتلاف أو اختلاف، وفي سطوع أو خفوت، فإذا أضفت إلى ذلك مقدرته في تصويره الحُدُب، والصلع، والقصار، وأصحاب اللّحـى الكثيفة، والأنوف الغليظة، أمكنك أن تقول أيضًا: ولا يفوتها شكل من الأشكال، فهو فنان، لا تنقصه إلا الريشة واللوحة، بل لا تنقصه هاتان؛ لأنه استعاض عن الريشة بالقلم، وعن اللوحة بالقرطاس، فاكتفى بهما، وأثبت في النظم البديع ما لا تثبته الألوان”[50].
وفي إدراكي أن الجاحظ هو الذي خطط لهذا التفكير الجمالي حين ذهب إلـى أن “الشعر صناعة وضرب من النسج، وجنس من التصوير”[51]؛ لأن الشعر – عنده – مقصور على تلك العبقرية التصويرية التي يفتقد الشعر بافتقادها أعظم عناصر فاعليته وتأثيره.
وقد ذكرنا قَبْلُ أن وصف الحركة من الصعوبة بمكان، لا يتأتَّـى إلا لمن أوتي خيالاً رحبًا، ولغة طيِّعة ومهارة في الوصْف، والدليل علـى ذلك “إذا أراد المرءُ أن يثبت هذا “المشهد الحركي” بالرسم علـى اللوحة احتاج أن يصنع فيها صورًا كثيرة تمثل كل منها واحدًا، ولكنه بعد أن يفعل ذلك لا يكون قد صنع شيئًا علـى الحقيقة، ولم يمكنا من النظر إلـى جملتها كما فعل ابن الرومي في أبياته الثلاثة”[52].
وبقدر ما تكثر التفاصيل في التشبيه، وتعظم بنيته التركيبية تعظم قيمته البلاغية، لما يشـي به ذلك من ملاحظة أدق، ورؤية أعمق لمظاهر الاشتراك بين الطرفين، واقتراب أكثر من حالة تطابق بينهما، وإلـى ذلك أشار عبدالقاهر بقوله: “وجملة القول: إنك متـى زدت في التشبيه علـى مراعاة وصف واحد أو جهة واحدة، فقد دخلت في التفصيل والتركيب، وفتحت باب التفاضل ثم تختلف المنازل في الفضل، بحسب الصورة في استنفادك الاستقصاء، أو رضاك بالعفو دون الجهد”[53].
ثالثًا: التشبيه في هيئات السكون
وكما تعتبر هيئة الحركة في التشبيه، كذلك تعتبر هيئة السكون علـى الجملة وبحسب اختلافه، نحو هيئة المضطجع، وهيئة الجالس، فإذا وقع في شيء من هيئات الجسم في سكونه تركيب وتفصيل، لطف التشبيه وحسن[54]؛ كقول الأخيطل في وصف مصلوب:
كَأَنَّهُ عَاشِقٌ قَدْ مَدَّ صَفْحَتَهُ=يَوْمَ الوَدَاعِ إِلَى تَوْدِيعِ مُرْتَحِلِ
أَوْ قَائِمٌ مِنْ نُعاسٍ فِيهِ لُوثَتُهُ=مُوَاصِلٌ لِتَمَطِّيهِ مِنَ الكَسَلِ
لقد أورد المبرد هذين البيتين في “الكامل”[55]، وبين أن التصوير في البيتين ينص علـى “ابتكارية” خيال الشاعر، من حيث بُعد العلاقة في صورة البيت الأول بين العاشق الذي ينبض قلبه بالحياة والحب، والمصلوب الذي خمدت فيه جذوة الحياة، ومن حيث بُعد العلاقة أيضًا في صورة البيت الثاني بين المصلوب الموشك علـى الموت، والشخص القائم من نومه يدفع عن نفسه الكسل بتنشيط جسمه، فيعمد إلـى مدِّ ذراعيه وفتح عينيه ليبدأ يومًا جديدًا، فهذا البُعد الماثل بين طرفي الصورة في كل من البيتين دليلٌ علـى قدرة التخيل الابتكاري الذي يثير في نفس المتلقي أحاسيس التعجب والدهشة والإعجاب، والذي يوفق ويؤلف “بين الصفات المتضادة أو المتعارضة بين المتشابه والمختلف، بين المجرد والمحسوس، بين الفكرة والصورة، بين الفردي والعام، وهي التي تجمع بين الإحساس بالجدة والرؤية المباشرة، والموضوعات القديمة المألوفة، وبين حالة غير عادية من الانفعال ودرجة عالية من النظام”[56].
ويتوقَّف عبدالقاهر في شرح هذا التشبيه المركب والذي يعتبره من التشبيه المستطرف لكثرة التفصيل فيه فيقول: “ولَم يلطف إلا لكثرة ما فيه من التفصيل، ولو قال “كأنه متمطٍّ من نعاس” واقتصر عليه، كان قريب المتناول؛ لأن الشبه إلـى هذا القدر يقع في نفس الرائي للمصلوب ابتداءً لكونه من باب الجملة، فأما بهذا الشرط وعلـى هذا التقييد الذي يفيد استدامة تلك الهيئة، فلا يحضر إلا مع سفر من الخاطر، وقوة من التأمل، وذلك لحاجته إلـى أن ينظر إلـى غير جهة، فيقول: “هو كالتمطي”، ولكن المتمطي يمد ظهره ويديه مدة، ثم يعود إلـى حالته فيزيد فيه أنه مواصل لذلك التمطي، ثم أراد طلب علته وهي قيام اللوثة والكسل في القائم من النعاس[57].
وفي البيت الأول اعتبر هيئة سكون عنقه وصفحته في حال امتدادها، واعتبر مع ذلك السكون صفة اصفرار الوجه بالموت؛ لأن تلك الهيئة موجودة في العاشق المادِّ عنقه وصفحته لوداع المعشوق، في هيئة أضيف إلى السكون فيها غيره من أوصاف الجسم[58].
وهذا أصل فيما يزيد به التفصيل، وهو أن يثبت في الوصف أمر زائد علـى المعلوم المتعارف ثم يطلب له علة وسبب[59]، فالمستفاد من الصورة هو صورة التمطي والكسل، وهيئته الخاصة وزيادة معنـى وهو بلوغ الصفة غاية ما يمكن أن تكون عليها، إضافة إلـى الاستقصاء الموجود في البيتَيْن.
إن النظرة المفصَّلة تتأمل الأشياء، وتتعمق التفاصيل الدقيقة، والفروق الخاصة بين الأشياء، ومن ثم إدراك النادر الذي لا يقع ذكره بالخاطر دائمًا، ومع أن التفصيل والاستقصاء والدقة أمور ضرورية في الشعر، إلا أن مهمتها لا تقتصر علـى مساعدة القارئ علـى تفهم المعنـى منفصلاً عن غيره من انفعالات الشاعر، فهو لا يربط بين الصورة والشعور أو الفكرة، بل يميل إلـى العناية في التشبيه بالشكل والتمثيل الحسـي والبصري خصوصًا للمعنـى، ويبنـي استحسانه علـى الندرة وبعد ما بين جنسـي المشبه به والمشبه، مهما يكنْ موقع الصورة من الفكرة والشعور[60]، ولا يصح الوقوف عند مجرد التشابه الحسـي القائم علـى مجرد الحصر المنطقـي لكل أجزاء المشابهة دون ربط هذا التشابه بالشعور المسيطر علـى الشاعر في نقل تجربته، والوقوف عند مُجَرد التشابه في الصور البيانية دون اعتبار للانفعالات والمشاعر الإنسانية.
فبراعة التشبيه تَتَمَثَّل في قدرته علـى إيقاع الائتلاف بين الأشياء المختلفة، مع وجود مشابهة لها أصل في العقل، بيد أنها خفية لا يستطيع أن يصل إليها إلا المهَرة في الفنون، ومن كان عميق الإحساس والذوق، ولا يهمل دور الانفعالات والمشاعر الإنسانية في قيمة التشبيه.
———————————
[45] “أسرار البلاغة” 165.
[46] “أسرار البلاغة” صـ 165.
[47] “التصوير البياني” صـ 155.
[48] “في الميزان الجديد” صـ 77.
[49] “أسرار البلاغة” صـ 262.
[50] “مراجعات في الأدب والفنون” صـ 159.
[51] الجاحظ، “الحيوان” 3/131.
[52] “حصاد الهشيم” صـ 137، 138.
[53] “أسرار البلاغة” 164.
[54] “أسرار البلاغة” 170.
[55] “الكامل” 2/52.
[56] مصطفـى بدوي؛ “كولردج” صـ 93، راجع: “الخطاب النفسـي” في النقد العربـي القديم صـ 127.
[57] “الأسرار” 171.
[58] “فن التشبيه” 2/81.
[59] “الأسرار” 171.
[60] “النقد الأدبـي الحديث” 445، 446، وراجع: “الصورة الفنية” صـ 199 وما بعدها.
