الاستطراف والتمثيل في التشبيه البلاغي
الاستطراف والتمثيل في التشبيه البلاغي
مقدمة المقال
يُعدّ التمثيل من أرقى صور التشبيه البلاغي، لما له من قدرة على إبراز المعاني في صور حسية ملموسة، وإكسابها أبهة وجدة وطرافة. والتمثيل في هذا الشأن له المدى الذي لا يجارى إليه، والباع الذي لا يطاول فيه؛ لأنه يفيد صحة التشبيه، وينفي الريب، ويؤمن صاحبه تكذيب المخالف، وتهجم المنكر. ويهدف هذا المقال إلى بيان العلاقة بين الاستطراف والتمثيل، وإبراز دور التمثيل في زيادة المعاني جدة وطرافة، مع الاستشهاد بنماذج شعرية من الشعر العربي وتحليلها تحليلًا بلاغيًا دقيقًا.
أولاً: التمثيل وزيادة المعاني جدة وطرافة
ومما يزيد المعاني جدة وطرافة إذا أبرزتْ في معرض التمثيل، ونقلتْ عن صورها الأصلية إلـى صورته كساها أبهة، وضاعف من قواها في تحريك النفوس لها، ولا سيما إذا اشتمل التشبيه التمثيلي علـى علة طريفة تجلي المعنـى وتُقربه، وللتمثيل في هذا الشأن المدى الذي لا يجارى إليه، والباع الذي لا يطاول فيه؛ لأنه يفيد صحة التشبيه، وينفي الريب، ويؤمن صاحبه تكذيب المخالف، وتهجم المنكر.
ثانيًا: نماذج تطبيقية من الشعر العربي
نموذج البحتري في مدح أبي الفضل
ومن أمثلة ذلك قول البحتري يمدح أبا الفضل إسماعيل بن إسحاق[35]:
دَانٍ إِلَى أَيْدِي العُفَاةِ وَشَاسِعٌ=عَنْ كُلِّ نِدٍّ فِي النّدَى وَضَرِيبِ
كَالبَدْرِ أَفرَطَ فِي العُلُوِّ وَضَوءُهُ=لِلعُصبَةِ السَّارِينَ جَدُّ قَرِيبِ
يقدم البحتري في هذا التشبيه التمثيلي معنـى رائعًا، لا يستطيع القارئ فهمه بمجرد قراءة البيت الأول، بل لا بد من قراءة البيتين؛ لتدرك ما أراده الشاعر من التناهي في القرب والبعد؛ فالبحتري يدعي في البيت الأول – الجمع بين معنيين متضادين هما: (دانٍ، وشاسع)؛ حيث وصف ممدوحه بأنه قريب بعيد، وهذا في بادئ الأمر يشعر القارئ أنه إزاء معنـى غريب بديع، وهو أمر ترفضه العقول؛ لاستحالة الجمع بين المتضادتين، ولكنه بصنعته الشاعرة وخياله المحلق ما لبث أن أراكهما إلفين متآلفين بوضعه المعنـى في إطار بديع من التمثيل، وجعله بمثابة تعليق لصدق دعواه، فأرانا – عن طريق الحسَّ- ذلك المعنـى في صورة البدْر البعيد في مكانه القريب بضوئه، فلم يسَع العقل – عندئذٍ – إلا أن يقرّ، ولا النفس إلا أن تذعن بما حدث لها من الأنس، نتيجة كشْف الحجاب عن الموصوف المخبر عنه.
إن ما يميز هذا التشبيه التمثيلـي المركب تلاحمه بتداخل المعانـي فيه وائتلافها، فلا يصلح أن يكون أحد طرفيه مُستقلاً عن الآخر، وإن التغيير في صياغته يفقده جماله وتأثيره، وهذا يؤكِّد قول ليبنتز: “إن التصورات المركبة أكثر شاعرية من الأفكار البسيطة”[36].
هكذا استطاع البحتري بشاعريته أن يتجاوز ما يحضر العين إلـى ما يحضر العقل، واستخدم الخيال التصويري، لإيضاح ما لا يستطيع التعبير العادي أن يؤديه، ولرسم صورة إيحائية، أضافتْ جديدًا إلـى المعنـى، وقوة الإيحاء وسيلة يستطيع الشاعر بها أن يضيف إضافات جديدة إلـى المعنـى المصور، بانتقاله من المدلول العادي للألفاظ إلـى المعنـى حين يجمع بين المتضادات، ويصور ما ليس بواقع ولا مشاهد، كأنه واقع مشاهد.
يضاف إلى ذلك ما طالعنا به الشاعر من تعليل مليح ذي علة خيالية، أراد به مدح ابن إسحاق، بأن يدخل عليه السرور، ويؤثر في وجدانه بالتظرف في مدْحه، والتلطُّف في الثناء عليه، فجاء مدحه في ثنايا هذا التشبيه المطوى في التمثيل الرائع، فكان أوقع في نفس الممدوح، وأجلب لسروره، وأوجب شفاعة للمادح.
وتكمن العلة الأخيرة للتمثيل في هزِّ نفس المتلقي، واستثارة أحاسيسه عقب تحصيل المعنـى كاملاً وواضحًا بالتصوير التمثيلي، بعد أن بذلت الجهود الكبيرة طلبًا له، وأملاً في نواله.
قصة أبي تمام مع البحتري
وقالوا: إن أبا تمام لما سمع البحتري ينشد بين يدي محمد بن يوسف قصيدته[37]:
فِيمَ ابْتِدَارُكُمَا المَلامَ وُلُوعَا = أَبَكَيْتَ إِلَّا دِمْنَةً وَرُبُوعَا
وبلغ قوله[38]:
فِي مَنْزِلٍ ضَنْكٍ تَخَالُ بِهِ القَنَا = بَيْنَ الضُّلُوعِ إِذَا انْحَنَيْنَ ضُلُوعَا
نهض أبو تمام فقبل البحتري بين عينيه سرورًا به، وتحفيًا بالطائية، ثم قال أبـى الله إلا أن يكون الشعرُ يمنيًّا[39].
ويشهد عبدالقاهر للبحتري كما شهد له أبو تمام حيث يقول: “وإنك لا تكاد تجد شاعرًا يعطيك في المعاني الدقيقة من التسهيل والتقريب، ورد البعيد الغريب إلـى المألوف القريب، ما يعطي البحتري؛ فإنه ليروض لك المُهرَ الأَرِنَ رياضةَ الماهر حتـى يعنِق من تحتك إعناق القارح المذلل”[40].
وهذا التشبيه الذي استجاش أبا تمام مِن هذا الضرب الذي يستحسنه قدامة؛ لأن الشبه بين القنا التي غرزت في ضلوع الأعداء، ثم انحنت لقوة الطعنة، تصير وهـي في مغرزها، وعلـى حال الانحناء أشبه بالضلوع، فالطرفان متباعدان، ولكن الشاعر كشف ما بينهما من علاقة أدنتهما إلـى حال القرب والاتحاد، والفضل والتقدُّم في التشبيهات التي تلتقط الأشباه بين الأمور المتباعدة[41].
نموذج المتنبي في مخاطبة سيف الدولة
وعلـى هذا إذا قدم الشاعر المعنـى بالنهج التمثيلي، فإن المتلقّي يسهل عليه إدراكه والتأثر به إعجابًا واستحسانًا واستمتاعًا، خاصة أنه قد سبق تعذُّر الإحاطة به، لعُمقه ودقته، ويذكر عبدالقاهر محددًا هذه العلة: “إن المعنـى إذا أتاك ممثلاً فهو في الأكثر ينجلي لك، بعد أن يحوجك إلـى طلبه بالفكرة، وتحريك الخاطر له، والهمة في طلبه، وما كان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، فإذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، فكان موقعه من النفس أجل وألطف، وكانت به أضَنَّ وأشغف”[42].
وكلما غنيت الصورة في التشبيه التمثيلي بالدلالة، كان ذلك أدعى إلى زيادة خفائها، وتبدو عندئذٍ ذات مستويات دلالية، تتوالَى في إثْر بعضها، أو يستدعي بعضها بعضًا، كما في قول المتنبي يخاطب سيف الدولة[43]:
فَوَاعَجَبًا مِنْ دَائِلٍ أَنْتَ سَيْفُهُ = أَمَا يَتَوَقَّى شَفْرَتَيْ مَا تَقَلَّدَا
وَمَنْ يَجْعَلِ الضِّرْغَامَ بَازًا لِصَيْدِهِ = تَصَيَّدَهُ الضِّرْغَامُ فِيمَا تَصَيَّدَا
فسيف الدولة ليس إلا أميرًا من أمراء الخليفة العباسي في بغداد، بيد أنه كان يعدُّه أقواهم بأسًا، وأشدهم سطوة، فكان يعتمد عليه في صدِّ هجمات الأعداء الذين يغيرون على أطراف الدولة وتخومها، ويتعَجَّب المتنبي من هذا المسلك للخليفة، ويتجه بخطابه إلى سيف الدولة قائلاً: ألا يخشي يستمد قوته منك، ويتخذك سلاحًا بتارًا في يده، من أن ترتدَّ إليه، وتفتك به، فيصبح ضحية من ضحاياك.
ثم يبرز هذا المعنى في صورة مادية حسية، هي أن من يتخذ الأسد أداة لاقتناص فرائسه يُمَكِّن الأسد مِنْ نفسه، فلا يكون بمأمن مِنْ غدْره، وتحين الفرَص للانقضاض عليه وافتراسه، ولا نظن أن هذا المعنى يتكشف للمتلقي من القراءة الأولى، بل يحتاج إلـى معاودة القراءة، وإنعام النظر والتفكير.
والدلالة الشعرية السابقة هي الدلالة الظاهرة للتشبيه، وهي بالطبع تحمل معنى الإشادة بشجاعة سيف الدولة، وقوته الضاربة، إلا أنها مبطنة – في الوقت نفسه – بمستويات دلالية أخرى تشعها بطرق الإيحاء، منها ما يمثله ذلك الوضع من خطورة بالغة على سلطة الدولة العليا، وما يستتبعه ذلك من ضرورة يقظتها وحذرها، حتـى لا تؤتَى من مأمنها، ومحط ثقتها، وكأن الخطاب الشعري بهذا الاعتبار، تنبيه لها من طرف خفي، لا يلام عليه الشاعر، ولا يؤاخذ به، ومن تلك الدلالات الإيحائية أيضًا إلقاء ظلال من الشك على ولاء سيف الدولة للخلافة التي يستمد شرعية ولايته وحكمه منها، وقد يذهب الخيال إلـى دلالة أخرى أبعد من ذلك، تتمثل في التشكيك في وفاء سيف الدولة للمقربين منه، ومنهم الشاعر نفسه[44].
إن جودة هذا التشبيه تتمثل في النظر المستقصـى، وقدرة الشاعر علـى التنويه بالقضايا التي تشغله، وهو تشبيه يفضل في سياق المقارنة التشبيهات التي لا تتعمَّق الأشياء ولا تتقصـى أحوالها وأوصافها؛ لأن التشبيهات التي تعتمد النظرة الإجمالية لا تؤدي دورها من حيث التأثير في المتلقـي؛ لأن قيمة التشبيه فيما يحدثه من تفعيل دور المتلقـي، وأخذه إلـى ساحة الفن لإدراك أبعاد التشبيه، والوقوف علـى مضماراته، والكشف عن إيحاءاته وإزالة غموضه، فإذا تحقق هذا بعد عناء النظر وتأمل الفكر، كان موقعه من النفس أجل وألطف.
—————————–
[35] “ديوان البحتري” 1/248، 249، وجاء في الديوان “العلا” بدل “الندى”، وفـي الأسرار “الندى” ص136.
[36] “قصة علم الجمال” صـ 29.
[37] “ديوان البحتري” 2/1253.
[38] نفسه 2/1256.
[39] “الموازنة” 1/8، 9، وانظر: “المثل السائر” 2/137.
[40] “أسرار البلاغة” صـ 134.
[41] يقول عبدالرحمن شكري معبرًا عن هذه الحقيقة في مقدمة ديوانه “زهر الربيع”: إن وظيفة الشاعر في الإبانة عن الصلات التي تربط أعضاء الوجود ومظاهره، والشعر يرجع إلـى طبيعة التأليف بين الحقائق، ومن أجل ذلك ينبغي أن يكون الشاعر بعيد النظرة غير آخذ وراء المظاهر مأخذه نور الحق، فيميز بين معاني الحياة التي تعرفها العامة وأهل الغفلة، وبين معني الحياة التي يوحي إليه بها الأبد، وكل شاعر عبقري خليق بأن يدْعَى متنبئًا، أليس هو الذي يرمي مجاهل الأبد بعين الصقر فيكشف عنها غطاء الظلام، ويرينا من الأسرار الجليلة ما يهابها الناس”؟!
[42] “أسرار البلاغة” 126.
[43] “ديوان المتنبـي” 2/9، 10.
[44] “التعبير البياني” صـ 93، 94.
