الإيجاز والإطناب والمساواة: فنون التعبير البليغ في اللغة العربية
الإيجاز والإطناب والمساواة: فنون التعبير البليغ في اللغة العربية
تتعدد الأساليب البليغة التي يسلكها المتكلم لتصوير معانيه وتجسيد أفكاره في قالب يلامس القلوب والعقول، وتنحصر هذه الطرق البلاغية الأساسية في ثلاثة فنون جليلة: الإيجاز، الإطناب، المساواة. وكل فن من هذه الفنون يؤدي غرضًا دلاليًا ونفسيًا يتناسب مع المقام وحال المخاطبين.
أولاً: المساواة (الميزان الدقيق بين اللفظ والمعنى)
تُعرف المساواة بأنها التعبير عن المعنى المراد بألفاظ تكافيه تمامًا؛ بحيث لا تكون الألفاظ زائدة عن المعنى فتصبح إطنابًا، ولا ناقصة عنه فتصير إيجازًا. وهي الأصل في التخاطب والتأليف؛ لأنها تضع اللفظ المعيار في مقابلة المعنى المراد دون زيادة أو نقصان.
ثانياً: الإيجاز (جمع المعاني العظيمة في العبارات الموجزة)
مفهومه وجمالياته
يُعرف الإيجاز بأنه جمع المعاني الكثيرة تحت الألفاظ القليلة مع الإبانة والإفصاح؛ بحيث يتدفق المعنى الواسع في قالب لفظي محكم وموجز. ومن أجمل أثلته القرآنية قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: 71]. فلو أراد المرء أن يفصل ويعدد صنوف النعيم والملذات من المطاعم والمشارب والمناظر الفاتنة لعجز عن استقصائها، فجاءت الآية لتطوي كل ذلك في ومضة بيانية فائقة.
أنواع الإيجاز البلاغي
ينقسم الإيجاز في علوم البلاغة إلى قسمين رئيسيين:
1- إيجاز القصر:
هو تضمن العبارات القصيرة معاني واسعة من غير حذف أو تقدير، كقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]. فقد جمعت الآية أصول الوجود كله، حتى رُوي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قرأها فقال: «من بقي له شيء فليطلبه». ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته لكسرى: «أسلم تسلم».
2- إيجاز الحذف:
ويكون بحذف كلمة أو جملة أو أكثر مع وجود قرينة عقلية أو سياقية تدل على المحذوف.
حذف كلمة: كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 37]؛ والتقدير: رجل من إحدى القريتين مكة أو الطائف.
حذف جملة: كقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 213]؛ والتقدير: فاختلفوا فبعث الله النبيين.
حذف جمل متعددة: كقصة الهدهد في سورة النمل: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 28، 29]؛ والتقدير: فذهب الهدهد وألقى الكتاب وقرأته الملكة فقالت ما قالت.
أغراض الإيجاز ومواطن حسنه
يُستعمل الإيجاز لتحقيق مقاصد بليغة عدة، أبرزها:
◘ الاختصار وسرعة الأداء.
◘ تسهيل الحفظ واستظهار النصوص.
◘ مراعاة المقامات المختلفة؛ كضيق الوقت، أو حاجة السامع للبعد عن السآمة والملل.
إضاءة بلاغية:
يحسن الإيجاز وتتألق بواعثه في مواطن التهنئة، والتعزية، وخطابات الإنذار، والعتاب، والاعتذار، ورسائل الملوك، وصياغة الحِكَم والأمثال الخالدة.
(المصدر: كتاب البلاغة الميسرة)
