الاستعارة الأصلية والتبعية: بين الجمود والاشتقاق

أقسام الاستعارة باعتبار لفظها (الأصلية والتبعية)

الاستعارة الأصلية والتبعية: بين الجمود والاشتقاق

تتنوع الاستعارة في اللغة العربية بتنوع الألفاظ التي تقع فيها، فهي ليست محصورة في الأسماء الجامدة فقط، بل تمتد لتشمل الأفعال والأسماء المشتقة، مما يمنحها مرونة كبيرة وقدرة على التكيف مع مختلف السياقات البلاغية. وهذا التنوع هو ما يقسم الاستعارة – باعتبار لفظها – إلى نوعين أساسيين: استعارة أصلية، واستعارة تبعية. فالأصلية هي ما وقعت في اسم جامد غير مشتق، كالأسماء التي تدل على الذوات والأعيان، وهي الأكثر شيوعاً والأسهل استيعاباً. أما التبعية، فهي ما وقعت في فعل أو اسم مشتق، مما يجعلها أكثر تعقيداً وأعمق أثراً، لأنها تُضفي على المعنى حركة وزمنًا، وتُخرج الصورة من السكون إلى الفعل والتحول. إن التمييز بين هذين النوعين يُعد مفتاحاً لفهم أسرار البلاغة القرآنية، حيث نجد النوعين يتداخلان ليخلقا نسيجاً بيانياً معجزاً. في هذا المقال، سنستعرض هذين النوعين بالتفصيل، مع أمثلة توضيحية من القرآن الكريم والشعر، لنكشف عن الفروق الدقيقة بينهما، ونُبيّن كيف أن اختيار الأديب للفظ الجامد أو المشتق يُحدث فرقاً كبيراً في المعنى والأثر البلاغي.

 التقسيم الأساسي: الاستعارة بين الجمود والاشتقاق

يقسم البلاغيون الاستعارة بحسب لفظها الذي جرت فيه إلى نوعين رئيسيين، يعتمد كل منهما على طبيعة اللفظة المستخدمة:

أولاً: الاستعارة الأصلية

وهي ما كان اللفظ الذي جرت فيه الاستعارة اسماً جامداً غير مشتق، أي اسماً يدل على ذات أو معنى مستقل دون أن يحمل زمناً أو حدثاً.

– مثال في التصريحية: “أقبل البدر يمشي”، حيث شُبه الرجل الجميل بالبدر، واستعير لفظ “البدر” (وهو اسم جامد) للرجل.

– مثال في المكنية: “سمعتُ زَئيرَ الرجل في الحرب”، حيث شبه الرجل الشجاع بأسد، وأشير إلى الأسد المحذوف بلفظ “الزئير” وهو اسم جامد.

ثانياً: الاستعارة التبعية

وهي ما كان اللفظ الذي جرت فيه الاستعارة فعلاً أو اسماً مشتقاً (كاسم الفاعل أو اسم المفعول)، مما يضفي على المعنى صفة الحدوث والزمن.

– مثال في التصريحية: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [الأعراف: 154]، فقد شُبه انتهاء الغضب بالسكوت، واستعير فعل “سكت” للغضب، وهي استعارة تبعية لأنها وقعت في الفعل.

– مثال في المكنية: قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ [القصص: 40]، فقد شبه إلقاء فرعون وجنوده في البحر برمي الشيء، واستعير فعل “نبذ” لهم، وهي استعارة تبعية.

 لماذا يُفرق البلاغيون بين النوعين؟

يكمن السبب في هذا التقسيم في أن الاسم الجامد يُعطي صورة ثابتة، بينما الفعل والمشتق يُعطيان صورة متحركة ومتجسدة. فالاستعارة التبعية تُضفي على المعنى حياة وحركة، وتُخرج الجماد من طور السكون إلى طور الفعل، مما يجعلها أكثر تأثيراً في بعض السياقات.

ترك تعليق