الاستعارة المرشحة والمجردة والمطلقة: أسرار التزيين البلاغي
“الاستعارة المرشحة والمجردة والمطلقة: أسرار التزيين البلاغي”
الاستعارة المرشحة والمجردة والمطلقة:
لا يكتفي الأديب البليغ بذكر أركان الاستعارة الأساسية، بل يمضي إلى أبعد من ذلك، فيزيد في كلامه ما يتصل بالمشبه أو المشبه به، أو بهما معاً، ليخلق لوحة فنية متكاملة تترك أثراً عميقاً في نفس السامع. وهذا التزيين الإضافي هو ما يُعرف في علم البديع بـ “الترشيح” و”التجريد”، وهما المعياران الأساسيان لتقسيم الاستعارة إلى ثلاثة أنواع: مرشحة، ومجردة، ومطلقة. ففي الاستعارة المرشحة، يُذكر من لوازم المشبه به ما يُعزز الوهم بأن المستعار له هو عين المستعار منه، مما يزيد المبالغة ويجعل التصوير أكثر إقناعاً. أما في المجردة، فيُذكر من لوازم المشبه ما يُذكّر السامع بالمعنى الأصلي ويُبعده عن الخيال المحض. وأما المطلقة، فهي التي تخلو من هذين، أو تجمع بينهما في تناغم عجيب. إن فهم هذه الأنواع يُعين المتلقي على تقدير درجات الإبداع البلاغي، ويكشف عن عبقرية الأديب في اختيار الزيادات التي تناسب المعنى والمقام. وفي هذا المقال، سنتتبع هذه الأنواع الثلاثة، ونضرب لكل منها الأمثلة الواضحة من القرآن والشعر، لنصل إلى تمييز دقيق بين مراتب البلاغة وجمالياتها.
مقدمة في التقسيم: لماذا نُرشِّح أو نُجَرِّد؟
عندما يستخدم الأديب استعارة، فإنه قد يُضيف إليها عناصر إضافية لا تتصل بالمعنى الأساسي، ولكنها تخدم الغرض البلاغي. فإذا أضاف ما يناسب المشبه به، فهذا “ترشيح”، وإذا أضاف ما يناسب المشبه، فهذا “تجريد”، وإذا جمع بينهما أو تركهما معاً، فهذا “إطلاق”. ولكل درجة من هذه الدرجات أثرها الخاص في الكلام.
أنواع الاستعارة الثلاثة بالتفصيل
“1. الاستعارة المرشحة: تعزيز وهم المشبه به”
وهي التي يُذكر فيها ما يناسب المشبه به (المستعار منه)، ليقوي في ذهن السامع أن المشبه هو المشبه به حقيقة.
◘ “مثال في التصريحية:” “رأيت أسداً يَزأر له لِبدة” فقد ذُكر فيها ما يناسب الأسد (يزأر وله لبدة).
◘ “مثال في المكنية:” “رأيت المقاتل يزأر كاشراً أنيابَه” فقد ذُكر فيها ما يلائم الأسد (يزأر وكاشراً أنيابه).
“2. الاستعارة المجردة: التذكير بالمشبه الأصلي”
وهي التي يُذكر فيها ما يناسب المشبه (المستعار له)، ليبقي السامع على صلة بالمعنى الأصلي.
◘ “مثال في التصريحية:” “رأيت أسداً في المعركة يُشهر سيفَه” حيث ذُكر ما يناسب الرجل (يُشهر سيفه).
◘ “مثال في المكنية:” “رأيت أحدهم يزأر يؤدب صاحبه” حيث ذُكر ما يناسب الرجل (يؤدب صاحبه).
“3. الاستعارة المطلقة: الإطلاق أو الجمع بين النوعين”
وهي التي تخلو مما يناسب المشبه أو المشبه به، أو التي تجمع بينهما معاً.
◘ “مثال خالية منهما (تصريحية):” “بَرَزَتْ الشمسُ من خِدرها” حيث شبهت المرأة بالشمس، ولم يُذكر ما يناسب أياً منهما.
◘ “مثال خالية منهما (مكنية):” “مات الأملُ” حيث شبه فقدان الأمل بموت إنسان، ولم يُذكر ما يناسب المشبه أو المشبه به.
◘ “مثال تجمع بينهما (تصريحية):” “رأيت أسداً يزأر يُشهِر سيفَه” فقد ذكر فيها ما يناسب المشبه به (يزأر)، وما يناسب المشبه (يشهر سيفه).
مراتب البلاغة: أيهما أبلغ؟
يجمع البلاغيون على أن الترشيح هو الأبلغ، لأنه يحقق أقصى درجات المبالغة بادعاء أن المستعار له هو عين المستعار منه. ويأتي بعده الإطلاق، ثم التجريد. ولكن من المهم الانتباه إلى أن اعتبار الترشيح والتجريد يكون بعد استيفاء الاستعارة قرينتها، فلا تعد قرينة التصريحية تجريداً، ولا قرينة المكنية ترشيحاً، بل الزائد على ذلك فقط.
