إشكالية مجيء الحال من النكرة في النص القرآني: تهافت المسوغات الصناعية والحل البياني عبر بوابة المعية

إشكالية مجيء الحال من النكرة في النص القرآني: تهافت المسوغات الصناعية والحل البياني عبر بوابة المعية

يعد شرط تعريف “صاحب الحال” أحد الثوابت اللفظية التي تواضع عليها جمهور النحاة، مما جعل وقوع النكرات المحضة أصحاباً للأحوال معضلة بنيوية كبرى في التوجيه الإعرابي. ويتناول هذا المقال بالتحليل مناورات النحاة والمفسرين في التماس مسوغات لمجيء الحال من النكرة، مستعرضاً شواهد من الذكر الحكيم كآيتي سورتي البقرة والحجر.

 ويكشف البحث كيف أدى الهروب من فكرة الفصل بين الصفة والموصوف بالواو إلى الوقوع في فساد المعنى البلاغي، طارحاً المفعول معه الجملي كمخرج أصولي مستقيم.

أولاً: تهافت المسوغات النحوية لمجيء الحال من النكرة

أعربت طائفة من المتقدمين الجملة الاسمية المرتبطة بالواو بعد النكرة نحو: (أقبل رجل وهو يضحك) صفة للنكرة[1]. بيد أن جمهور النحويين منعوا ذلك منعاً باتاً، واستقر رأيهم على جعل الواو حالية والجملة بعدها في محل نصب حال[1]. وهنا وجد الجمهور أنفسهم أمام مأزق صناعي كبير، وهو: مجيء الحال من النكرة المحضة، والأصل المستقر في قواعدهم أن صاحب الحال لا يكون نكرة إلا بمسوغ يخرجه عن محض التنكير[2]. وأمام هذا المأزق، انبرى العلماء لتوليد مسوغات شتى يتكلفها القياس؛ فمنهم من جعل المسوغ “كون صاحب الحال عاماً”، ومنهم من جعله وقوعه في سياق “النفي”، ومنهم من جعل “الواو نفسها” هي المسوغ الحامل للحال، ومنهم من جمع بين مسوغي الواو والنفي معاً[2][3][4].

إلا أن المحققين من النحاة لم يقتنعوا بجدوى هذه المسوغات الضعيفة، ووجدوا أنفسهم محاصرين بين مشكلتين متناظرتين:

المشكلة الأولى: إن هم أعربوا الجملة الاسمية المرتبطة بالواو صفةً للنكرة، واجهوا مشكلة “فصل الصفة عن موصوفها بالواو”، وهو أمر غير جائز في المستقر من أحكام التوابع.

المشكلة الثانية: إن هم أعربوها حالاً من تلك النكرة، اصطدموا بالقاعدة النحوية التي تمنع مجيء الحال من النكرة المحضة بلا مسوغ يعتد به القياس[5].

ثانياً: التأويل المستكره في التوجيه القرآني (آيتا البقرة والحجر)

تبدى هذا الاضطراب النظري بوضوح عند معالجة الآيات القرآنية؛ ففي قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا

وفي قوله سبحانه في سورة الحجر: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ

تكلّف المعربون هرباً من الإشكالين؛ ففي آية سورة الحجر، زعم بعضهم أن (قرية) في حكم الموصوفة، والتقدير: “وما أهلكنا قرية من القرى”[5]. ونقل أبو السعود هذا التوجيه زاعماً جواز إعراب الجملة صفةً، ولكن لا للقرية المذكورة لفظاً، بل لقرية أخرى مقدرة تكون بدلاً منها، ليصير التقدير المطول المستكره: “وما أهلكنا قرية من القرى إلا قريةً لها كتاب معلوم”[6].

أما في آية سورة البقرة ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ، فقد فرَّ المعربون من إعراب الجملة صفة لقرية (لئلا تفصل الواو)، وفروا من إعرابها حالاً منها (لكونها نكرة محضة)، فجعلوا الجملة حالاً من الفاعل المستتر في الفعل (مَرَّ)[7]. ولقد رتبوا حكماً غريباً بناء على هذا التوجيه، فأوجبوا ربط الجملة بالواو علةً لخلوها من ضمير يعود على المار! والتحقيق الإنسي والبلاغي يكشف تهافت هذا الصنيع؛ فجملة (وهي خاوية) تعود دلالةً وإحساساً إلى “القرية” (وهي بيت المقدس)، بينما الفاعل المستتر في (مر) يعود على المار بها (وهو العزير عليه السلام)[8]. فبأي قانون في اللغة أو إحساس بالبيان يصح جعل جملة الخراب والخواء صفة أو حالاً من “الرجل المار”، ليكون المعنى: مر العزير في حالة كونه هو نفسه قرية خاوية؟!

ونظير هذا التكلف ما صنعه العكبري في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ؛ حيث فر من إعراب (وهم معرضون) حالاً من (فريق) لنكارته، ومن جعلها صفة للواو الفاصلة، فأعربها حالاً من الضمير المجرور (هم) في (منهم)[9]. وهذا إعراب يفسد المعنى البلاغي بالكلية؛ لأن الآية مسوقة لدمغ “الفريق التولي” بالإعراض، لا لوصف عامة اليهود والمشركين بالإعراض في ذلك الآن المشهود. ومثاله في التداول: (امتحن طلابي، ثم يخيب فريق منهم وهم يبكون)، فالبكاء هنا لصيق بالفريق الخائب لوعته، وليس حالاً للطلاب جميعهم الذين دخلوا الامتحان.

ثالثاً: المفعول معه الجملي كعلاج حاسم للاضطراب

إن العلاج الوحيد الحاسم لتعديل هذه المسألة، وتخليص القواعد من هذه العقد المتشابكة، يكمن في إدخال هذين الإشكالين ضمن باب المفعول معه الجملة. عندئذ تستقيم الأحكام البيانية تماماً؛ لأن المفعول معه اسم أو جملة مقترنة بزمن الفعل ومصاحبة له، ولا علاقة له البتة بتنكير مصاحبه أو تعريفه، ولا بوجوب عود الضمير إليه من عدمه، لكونه ليس صفة تابعة ولا حالاً واصفة للهيئة[3].

فالواو التي سماها النحاة واو الحال، لو سميت واو المعية وأعرب ما بعدها مفعولاً معه، لسلمنا من ادعاء الصفية والفصل بالواو، وسلمنا من ادعاء الحالية والمجيء من النكرة المحضة، وسلمنا -وهو الأهم- من الفرار إلى أحوال تفسد معاني الوحي الإلهي.

 

———————

[1] ابن جني، الخصائص، 2/ 410؛ ابن الأنباري، أسرار العربية، ص 167.

[2] الرضي الاستراباذي، شرح كافية ابن الحاجب، 2/ 102.

[3] ابن عقيل، شرح ألفية ابن مالك، 1/ 638؛ ابن هشام، المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية، 3/ 225؛ الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، 4/ 273-274.

[4] ابن الصائغ، الإقليد في شرح المفصل (مخطوط)، ورقة 51؛ السيوطي، شرح عقود الجمان، 1/ 226؛ الأشموني، شرح الأشموني على الألفية، 3/ 38؛ ابن بونة، ألفية ابن بونة في النحو، ص 155.

[5] الخضري، حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، 1/ 215.

[6] النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، 2/ 268-269؛ أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، 3/ 141.

[7] أبو حيان، البحر المحيط، 2/ 291؛ ابن هشام السمينات، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (مخطوط)، ج2، ورقة 6؛ الثعالبي، الجواهر الحسان في تفسير القرآن، 1/ 205؛ أبو السعود، التفسير، 1/ 192؛ الجمل، حاشية الجمل على شروح الجلالين، 1/ 212؛ الآلوسي، روح المعاني، 1/ 475.

[8] ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، 1/ 309.

[9] العكبري، التبيان في إعراب القرآن، 1/ 249.

ترك تعليق