البنية والوظيفة في أدوات الجزم: أحكام (مهما) بين الاسمية والحرفية ودلالتها على الاستغراق والشرط
البنية المقطوعة والموصولة في رسم المصحف: الأحكام النحوية والدلالية
لـ (كل ما) بين عموم الاستغراق وخصوص السياق
يمثل رسم المصحف العثماني ظاهرة لغوية وتوقيفية فريدة، حيث يرتبط
تباين خط الكلمات بوجوه التفسير الإشاراتي والتوجيه النحوي. ومن أبرز الكلمات التي
يدور فيها الرسم بين “القطع” (كل ما)
و”الوصل” (كلّما)، هذه الأداة المركبة من الظرف الشامل والاسم المبهم. يتتبع هذا
المقال الأحكام النحوية المترتبة على رسم (كل ما) مقطوعة
أو موصولة في الآيات القرآنية، مستقصياً أثر القطع والوصل في إفادة عموم التكرار
أو خصوصية الحادثة والوقت.
التأصيل النحوي والدلالي للتركيب البنيوي
تنقسم كلمة (كل ما) في الاستعمال العربي إلى صورتين رئيسيتين تختلفان في الوظيفة
التركيبية والأثر الدلالي:
الصورة الأولى (الاسمية
المقطوعة): أن تكون “كل” اسماً دالاً على الاستغراق والعموم، وهو
مضاف، وتكون “ما” التي تليها اسماً موصولاً بمعنى (الذي) أو نكرة
موصوفة في محل جر بالإضافة. وفي هذه الحالة، يُرسم اللفظان في الخط منفصلين (كل ما)، وتخضع
“كل” للعوامل الإعرابية رفعاً ونصباً وجراً، ولا تفيد الجملة بالضرورة
تكرار الفعل صراحة بل شمول المحتوى[1].
الصورة الثانية (الشرطية
الموصولة): أن تُركب “كل” مع “ما” المصدرية التوقيتية،
فتصبح كلمة واحدة موصولة في الرسم (كلّما)، وتتحول دلالياً إلى أداة شرط غير جازمة تفيد التكرار والاستغراق
الزماني، والتركيب كله في محل نصب على الظرفية الزمانية، ولا تدخل إلا على الفعل
الماضي لفظاً أو معنى[2].
مواضع القطع والوصل المطرد في القرآن الكريم
وضعت كتب الرسم والمصاحف العتيقة قواعد لضبط سياقات ورود هذا
اللفظ، حيث اتفقت المصاحف على قطع الكلمة في موضع واحد، وعلى وصلها في مواضع
عديدة، في حين وقع الخلاف بين المصاحف في مواضع أخرى[3].
أولاً: الموضع المقطوع اتفاقاً:
وهو قوله سبحانه في سورة إبراهيم:
﴿وَآتَاكُمْ
مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾
كُتبت هنا (مِنْ
كُلِّ مَا) بالقطع (أي بفصل “كل” عن “ما”). والتوجيه النحوي الدلالي لهذا القطع يقتضي أن “ما” اسم
موصول، والمعنى: وآتاكم من سؤلكم ومن جميع الأشياء التي طلبتهموها والتي لم
تطلبوها وتقتضيها حاجتكم[4]. ولم تُكتب موصولة (كلما) لأنها
هنا لا تفيد معنى الشرط والتكرار الزماني (أي ليس المعنى: كلما سألتموه أتاكم)، بل المعنى منصب على تعداد أصناف النعم الممنوحة.
ثانياً: المواضع الموصولة اتفاقاً:
وهي المواضع التي تمخضت فيها الكلمة لشرطية التكرار الزماني،
ومنها:
قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿كُلَّمَا
دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً﴾؛
أي في كل وقت تكرر فيه الدخول وجد الرزق[5].
قوله سبحانه في سورة البقرة عن البرق: ﴿كُلَّمَا
أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾[6].
المواضع المختلفة فيها بين القطع والوصل
ثمة أربعة مواضع في القرآن الكريم
ترددت فيها المصاحف والأقوال بين القطع والوصل بناءً على التنازع الدلالي بين
الاسستغراق التكراري أو شمول الذات[7]:
قوله تعالى في سورة النساء:
﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾
وجه القطع: أن “ما” موصولة،
والتقدير: كل الشيء أو كل جماعة رُدوا إلى الفتنة عادوا إليها، فالقصد إحصاء
الأشخاص والذوات الحاضرة في المشهد[8].
وجه الوصل: وهو العمل المطرد في
المصحف الإمام، لأن السياق يبرز تكرار وقوعهم في الفتنة كلما سنحت لهم الفرصة
الزمانية[8].
قوله جل وعلا في سورة الأعراف:
﴿كُلَّ مَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ
لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾
قُرئت بالوصل في أكثر المصاحف؛ لأن لعن
الأمم اللاحقة للسابقة يتكرر بتكرر دخول الفوج تلو الفوج في طبقات الجحيم[9].
قوله عز وجل في سورة المؤمنون:
﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً
رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾
الوصل هنا هو الأرجح لما فيه من بيان
سنة التكذيب المطردة المتكررة عبر العصور والقرون الخالية مع كل نبي مبعوث[10].
قوله سبحانه في سورة الملك:
﴿كُلَّ مَا أُلْقِيَ فِيهَا
فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾
حيث يتأرجح التوجيه بين قصر السؤال على
الذوات الملقاة (قطع)، أو تكرار السؤال مع كل إلقاء زماني متعاقب (وصل)[11].
القيمة البلاغية لتباين
الرسم
أشار أئمة التفسير والبيان إلى أن
تباين رسم (كل ما) بالقطع والوصل ليس عفواً، بل يعكس دقة المعنى المراد؛ فالقطع يوجه
ذهن القارئ إلى استحضار “المحتوى والشيئية” (الذوات والأعيان)،
في حين أن الوصل يمحض الكلمة للدلالة على “الاستمرار والتتابع الزماني
الحتمي”[12].
——————-
[1] الداني، المقنع في
معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار، ص 73؛ ابن يعيش، شرح المفصل، 3/ 52.
[2] سيبويه، الكتاب، 1/ 460؛ ابن هشام، مغني اللبيب، 1/ 163.
[3] سليمان بن نجاح، التبيين لهجاء التنزيل، 2/ 140.
[4] الطبري، جامع البيان، 13/ 712؛ الزمخشري، الكشاف، 2/ 552.
[5] أبو حيان، البحر المحيط، 2/ 467.
[6] العكبري، مشكل إعراب القرآن، 1/ 32.
[7] الجعبري، جميلة أرباب المراصد في شرح عقيلة أتراب القصائد، ص
210.
[8] النحاس، إعراب القرآن، 1/ 472؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن،
5/ 310.
[9] الطبرسي، مجمع البيان، 4/ 241.
[10] ابن خالويه، إعراب ثلاثين سورة، ص 188.
[11] المارغني، دليل الحيران على مورد الظمآن، ص 165.
[12] ابن القيم، بدائع الفوائد، 2/ 412.
العنوان: البنية والوظيفة في أدوات الجزم: أحكام (مهما) بين الاسمية
والحرفية ودلالتها على الاستغراق والشرط
تعتبر الأدوات الجازمة في العربية من أهم الروابط التركيبية التي
توثق الصلة بين جملتي الشرط والجزاء. وتأتي الأداة “مهما” في مقدمة
الأدوات التي تثير جدلاً بنيوياً واسعاً بين النحاة في محاولة تحديد هويتها
اللفظية وأصل وضعها الصرفي. فبينما يتمسك الجمهور باسميتها دلالةً وصناعة، يجنح
بعض الكبار إلى القول بحرفيتها قياساً على “إنْ” الشرطية. يدرس هذا
المقال الأحكام النحوية والدلالية لـ “مهما” مستدلاً بالشواهد الفصيحة،
ومفككاً بنية الكلمة وآراء المدارس النحوية فيها.
الهوية اللفظية لأداة الشرط (مهما)
وضع أئمة النحو “مهما” ضمن الأدوات التي تجزم فعلين؛
الأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه. بيد أن الخلاف استعر بينهم في تكييف
ماهيتها على مذهبين رئيسيين[1]:
مذهب الجمهور (اسمية
الأداة): وهو الرأي المعتمد عند
سيبويه وجمهور البصريين والكوفيين، حيث ذهبوا إلى أن “مهما” اسم شرط جازم
يدل على غير العاقل، ومنزلته منزلة “مَنْ” الدالة على العاقل
و”ما” الشرطية[1]. والدليل القاطع لديهم على اسميتها هو عود الضمير
إليها من جملة الشرط، والضمائر لا تعود إلا على الأسماء؛ كقوله تعالى في سورة
الأعراف: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾،
فالهاء المجرورة بالباء في “به” تعود مباشرة على “مهما”[2].
مذهب الحرفية (السهيلي
وابن يسعون): ذهب أبو القاسم السهيلي وتبعه ابن يسعون إلى أن “مهما”
حرف شرط لا محل له من الإعراب بمنزلة “إنْ” الشرطية تماماً[3]. واحتجوا
لصحة مذهبهم بقول الشاعر الجاهلي (زهير
بن أبي سلمى):
حيث وجهوا البيت بأن “خليقة” اسم (تكن) المؤخر،
و”عنده” خبرها المقدم، فبقيت “مهما” بلا موقع إعرابي داخل
جملة الفعل الناقص، فدل ذلك على حرفيتها[4]. ورد الجمهور على هذا الاحتجاج بأن
“مهما” في البيت هي اسم (تكن) في محل رفع، و”من خليقة” تبيين وتأكيد للنكرة، والخبر
هو الظرف “عنده”، وبذلك تسقط حجة الحرفية[5].
التفكيك الصرفي لأصل وضع “مهما”
التفت النحاة إلى البنية الصوتية والصرفية لـ “مهما”،
واختلفوا في كيفية تركيبها وتولدها على ثلاثة أقوال شهيرة[6]:
القول الأول (الجمهور): أنها مركبة من “ما” الشرطية المكررة للتوكيد والتفخيم،
فالتقت “ما” بـ “ما”، فاستقبحوا تكرار اللفظين المتماثلين،
فقلبوا الألف الأولى هاءً لتقارب المخرجين الصوتين، فصارت “مهما”[6].
القول الثاني (الخليل
والفراء): أنها مركبة من “مَهْ” التي هي اسم فعل أمر مبني بمعنى (اكْفُفْ)، وضمت
إليها “ما” الشرطية، فامتزجتا وصارتا أداة واحدة جازمة تفيد معنى
الإيقاف والاشتراط[7].
القول الثالث: أنها
كلمة بسيطة وُضعت في أصل اللغة على أربعة أحرف (م-هـ-م-ا) دون
تركيب مسبق، وهو قول ضعفه المحققون لقلة الأصول الرباعية في الأدوات[8].
الأحكام الإعرابية لـ “مهما” في الجملة
بناءً على القول باِسمية “مهما”، فإن لها محلاً من
الإعراب لا تفارقه، ويتحدد موقعها بحسب طبيعة الفعل الواقع بعدها في جملة الشرط
على ثلاثة أحوال[9]:
أولاً: في محل رفع مبتدأ: وذلك إذا كان فعل
الشرط فعلاً لازماً (نحو:
مهما يحدثْ أتحملْه)، أو كان
فعلاً متعدياً استوفى مفعوله (نحو:
مهما تصنعْه أصنعْه)[9].
ثانياً: في محل نصب مفعول به مقدم: ويكون ذلك إذا كان فعل الشرط فعلاً متعدياً لم يستوفِ مفعوله
الظاهر أو المضمر، كقوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ﴾
في وجه عند بعض النحاة الذين لم يجعلوا الجار والمجرور متعلقاً بالفعل على وجه
النيابة عن المفعول[10].
ثالثاً: في محل نصب مفعول مطلق
أو ظرف: إذا كانت مكدة لمصدر أو
زمان مضاف[11].
دلالة “مهما”
البلاغية والفرق بينها وبين “ما”
تتميز “مهما” في السياق
البلاغي بقدرتها العالية على إفادة “الاستغراق والشمول المطلق لتفاصيل غير
العاقل”، مع إضفاء طابع من الإبهام والتهويل والتعميم البالغ الذي لا تحققه
“ما” الشرطية المفردة[12]. ففي آية سورة الأعراف حكاية عن عناد قوم
فرعون:
﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا
بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
جاء استعمال “مهما”
ليبين أنهم وطنوا أنفسهم على الجحود المطلق والرفض الحاسم لكل ما يمكن أن يأتي به
موسى عليه السلام من الخوارق والمعجزات، كائنة ما كانت تلك الآية وفي أي وقت ظهرت،
فـ “مهما” استوعبت بجبروتها اللفظي كل التقديرات الممكنة والمستحيلة في
ظنهم[12].
——————-
[1]
سيبويه، الكتاب، 2/ 62؛ المبرد، المقتضب، 2/ 48؛ ابن الأنباري، أسرار العربية، ص
201.
[2]
الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، 2/ 368؛ العكبري، التبيان في إعراب القرآن، 2/ 580.
[3]
السهيلي، نتائج الفكر في النحو، ص 114؛ ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، 1/
318.
[4]
ثعلب، شرح ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 42؛ ابن جني، اللمع في العربية، ص 89.
[5]
ابن يعيش، شرح المفصل، 4/ 102؛ الرضي، شرح كافية ابن الحاجب، 2/ 230.
[6]
ابن عصفور، المقرب، ص 210؛ السيوطي، همع الهوامع، 1/ 285.
[7]
الفراء، معاني القرآن، 1/ 390؛ أبو حيان، البحر المحيط، 4/ 382.
[8]
المالقي، رصف المباني في شرح حروف المعاني، ص 362.
[9]
ابن عقيل، شرح ألفية ابن مالك، 2/ 144؛ الخضري، حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، 2/
85.
[10]
النحاس، إعراب القرآن، 2/ 115.
[11]
المرادي، الجنى الداني في حروف المعاني، ص 530.
[12]
الزمخشري، الكشاف، 2/ 146؛ ابن القيم، بدائع الفوائد، 1/ 299.
