تجاذب البنيوية والدلالة في النص البلاغي: أثر (ما) الكافة في قصر الحصر وصيانة الأثر الإعرابي
استعظام
الأوصاف وخفاء الأسباب: الأحكام النحوية والدلالية لـ (ما) التعجبية
التامة
يمثل أسلوب التعجب في
العربية مظهراً لغوياً فريداً يُستعمل للتعبير عن انفعال النفس واستعظامها لصفة
بارزة في الذات المستبهمة، وخاصة عند خفاء الأسباب المنشئة لها. وتتصدر “ما”
التامة صيغة التعجب القياسية الأولى (ما أفعله)،
مثيرةً نقاشاً معرفياً واسعاً بين النحاة حول ماهية تركيبها وصلاحية الابتداء بها.
يتناول هذا المقال دراسة توجيهات “ما”
التعجبية في الشواهد القرآنية والقراءات، مبيناً الفروق الجوهرية بين مذهبي سيبويه
والأخفش، وموضحاً كيفية صرف دلالة العجب إلى المخلوقين تنزيهاً لعلم الباري
سبحانه.
مواضع ورود صيغة
التعجب القياسية في القرآن الكريم
جاءت “ما”
التعجبية مقترنة بصيغة الفعل الماضي الجامد (ما
أفعله) في موضعين محكمين مجمع على قراءتهما في كتاب الله عز وجل:
الموضع
الأول (سورة البقرة): في قوله تعالى حكاية عن حال
الضالين:
﴿فَمَا
أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾
الموضع الثاني (سورة
عبس):
في معرض ذم جحود الإنسان ونكرانه:
﴿قُتِلَ
الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾
وثمة موضع ثالث ورد
على سبيـل القراءة الشاذة التي نُقلت عن الإمام سعيد بن جبير، حيث قرأ: “ما
أَغَرَّكَ بِرَبِّكَ” بصيغة التعجب والجر، منزاحةً عن القراءة المتواترة
والمشهورة التي انعقد الإجماع عليها بالاستفهام الإنكاري في سورة الانفطار: ﴿مَا
غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾[1].
التوجيه العقدي والدلالي للتعجب الإلهي
يعرّف
علماء اللسان التعجب بأنه “استعظام زيادة في وصف الفاعل، شريطة أن يكون السبب
المنشئ لهذا الوصف خفياً مستوراً”، كما قيل في الأثر النظري المستقر:
“إذا ظهر السبب بطل العجب”[2].
وانطلاقاً
من هذا التقعيد المعرفي، قرر علماء العقيدة وأصول النحو أنه لا يجوز بحال من
الأحوال صدور التعجب الحقيقي من ذات الله جل ثناؤه؛ والعلة في ذلك أن العجب مبني
على الجهل بالسبب السابق، والله سبحانه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا
في الأرض، وعلمه محيط بالكليات والجزئيات أزلاً وأبداً.
بناءً
على ذلك، وجب صرف التراكيب التي ظاهرها التعجب من الله إلى فضاء “المخاطَبين
والمخلوقين”. ويصبح التوجيه الدلالي على نحوين[3]:
فمعنى
﴿فَمَا
أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾:
أن الله تبارك وتعالى يُعجّب عباده المؤمنين من مدى جرأة هؤلاء الكفار وإقدامهم
على اقتراف المعاصي والآثام التي تسوقهم سوقاً إلى لظى، أو أنهم صاروا في حالة من
السوء والتبجح تستحق أن يتعجب منها كل راءٍ.
وكذلك
الشأن في آية عبس ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ أي: إنه بلغ حداً من الكفر والعتو يجعله محلاً لتعجب المخلوقين واستعظامهم
لجحوده بعد كثرة النعم المنزلة عليه.
السجال الصناعي حول إعراب صيغة (ما أفعله) بين سيبويه والأخفش
انقسم
أئمة المذهب البصري في تكييف البنية الإعرابية لـ “ما” التعجبية إلى
رأيين شهيرين غيرت ملامح التقدير:
مذهب
سيبويه وجمهور النحاة المعتمد:
يرى
الخليل وسيبويه ومن تبعهما أن “ما” في هذا التركيب (نحو: ما أحسنَ عبدَ الله) هي نكرة تامة مجردة
من الصفة والصلة بالكلية، وهي مبنية في محل رفع مبتدأ[4]. ويعرب الفعل (أحسنَ) فعلاً ماضياً جامداً مبنياً على الفتح،
والاسم المنصوب بعدها (عبد الله)
مفعولاً به. أما الفاعل فهو ضمير مستتر وجوباً يعود على “ما”. والجملة
الفعلية المكونة من الفعل والفاعل والمفعول تكون في محل رفع خبر المبتدأ، والتقدير
الكلي عندهم: “شيءٌ عظيم جعل عبد الله حسناً”[4].
مذهب
الأخفش الأوسط البديل:
خالف
الأخفش الجمهور مجيزاً في “ما” وجهين تركيبين مغايرين[5]:
الوجه الأول: أن
تكون “ما” اسماً موصولاً، والجملة الفعلية الواقعة بعدها (أحسنَ عبدَ الله) هي صلة الموصول لا محل لها،
بينما يكون خبر المبتدأ محذوفاً وجوباً لعظم الأمر، والتقدير: “الذي أحسنَ
عبدَ الله شيءٌ عظيم”.
الوجه الثاني: أن تكون
“ما” نكرة موصوفة، والجملة الفعلية صفتها، والخبر محذوف أيضاً،
والتقدير: “شيءٌ أحسنَ عبدَ الله عظيمٌ”.
ترجيح المذاهب وحجج المتنازعين
انتصر
جمهور النحويين لمذهب سيبويه، مدفوعين بعلة بلاغية قوية؛ وهي أن التعجب يتطلب
الإبهام والعموم التام في الذات المستعظمة لتذهب النفس فيه كل مذهب، وهو ما يماثل
أسلوبي الشرط والاستفهام في لزوم الإبهام الصداري. وجعل “ما” موصولة أو
موصوفة عند الأخفش يخرجها من هذا الإبهام؛ لأن الصلة توضح الموصول، والصفة تكشف
الموصوف، والبيان يطرد خفاء السبب الذي هو عماد التعجب وجوهره[6].
ورغم
رد الجمهور، دافع أنصار الأخفش عن رأيه محتجين بأن بقاء الخبر محذوفاً وجوباً كافٍ
في حفظ الإبهام المطلوب في التعجب[7]. بل إن بعض شراح المتأخرين رأوا مذهب الأخفش
أقرب قياساً لقواعد العربية العامة؛ نظراً لأن الابتداء بالنكرة التامة المجردة في
مذهب سيبويه فيه خرق للأصل النحوي المستوجب للافادة، في حين أن حذف الأخبار شاسع
ومطرد في لغة العرب[8].
أما
الفراء (ت: 207هـ)، فقد نظر إلى الصيغة
نظرة دلالية تجمع بين التعجب والاستفهام الإنكاري، فأجاز في آية البقرة وجهين:
“فما الذي صبّرهم على النار؟” (استفهام)
أو “ما أجرأهم على النار” (تعجب).
وبالمثل في آية عبس حيث أشار إلى أن التوجيه الدلالي التفسيري المأثور يحتمل بقوة
معنى: “ما الذي أكفره؟” أي أيُّ شيء دعاه إلى الكفر بعد خلق الله له من
نطفة وتيسير السبيل أمامه[9].
——————-
[1] ابن جني، المحتسب
في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، 2/ 345؛ الزمخشري، الكشاف، 4/ 701.
[2] ابن يعيش، شرح
المفصل، 3/ 34؛ الرضي، شرح كافية ابن الحاجب، 2/ 180.
[3] الزجاج، معاني
القرآن وإعرابه، 1/ 245؛ الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، 6/ 82؛ القرطبي، الجامع
لأحكام القرآن، 2/ 241.
[4] سيبويه، الكتاب، 1/
45؛ ابن السراج، الأصول في النحو، 1/ 120؛ ابن الأنباري، أسرار العربية، ص 150.
[5] أبو حيان، البحر
المحيط في التفسير، 1/ 510؛ ابن هشام، مغني اللبيب، 1/ 311.
[6] ابن جني، الخصائص،
2/ 210؛ ابن الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف، المسألة 15 (خلاف سيبويه والأخفش
في التعجب).
[7] المبرد، المقتضب،
4/ 90.
[8] السيوطي، همع
الهوامع، 2/ 45.
[9] الفراء، معاني
القرآن، 1/ 105، و 3/ 232.
