صرخة الضاد في عصر الفضاء الرقمي: وعي اللسان وعجمة البيان عند متصدري الدعوة

صرخة الضاد في عصر الفضاء الرقمي: وعي اللسان وعجمة البيان عند متصدري الدعوة

يشهد العصر الراهن ثورة تكنولوجية هائلة أعادت صياغة قنوات التواصل الإنساني والمعرفي، ففتحت آفاقاً رحبة أمام انتشار الأفكار الدعوية والثقافية عبر الفضائيات والشبكات الرقمية. بيد أن هذا الانفتاح المتسارع حمل في طياته تحدياً لغوياً خطيراً تمثل في شيوع العجمة واللحن على ألسنة الكثير من المتصدرين للخطاب العام. وصارت لغة الضاد تعاني في عقر دارها من إهمال قواعدها، مما يستوجب وقفة تصحيحية جادة تستلهم تراث السلف الصالح وتحمي الهوية الثقافية للأمة من عواصف التغريب والسطحية المعرفية.

لقد كان ظهور الأشرطة السمعية في القرن الماضي آية زمانها، كما قال أحد العلماء مادحاً:

لكل زمان مضى آية… وآية هذا الزمان الشريط

أما اليوم، فإن آية هذا الزمان بلا منازع هي القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية (الإنترنت) والتقنيات الفائقة للاتصالات والذكاء الاصطناعي. هذه الوسائل انتشرت وسرت في ربوع الأرض سريان النار في الهشيم. ورغم محاولات استغلالها من قبل أطراف شتى لإطفاء نور الحق، إلا أن المخلصين تسابقوا لتوظيف هذه المعطيات لخدمة الدين الباقي والمحفوظ بحفظ الله؛ مصداقاً للحديث النبوي الشريف: «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ»[1]، وتصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف: 8].

وانبرى الصادقون لتدشين الفضائيات الإسلامية والمواقع الهادفة لتتكافأ الفرص في فضاء البلاغ، وحتى لا يحتكر الرويبضات والمأجورون منابر التأثير[2]. وكما قال ابن المبارك قديماً واصفاً آفات التلقي:

وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ… وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها

عتاب واجب: اللحن في لغة البيان

بيد أن هذا التمدد الدعوي يواجه ثغرة مأساوية تستدعي العتاب والتواصي بالحق؛ ونعني بها العُجمة الفاشية واللحن المتكرر على ألسنة كثير من المتصدرين للمشهد الدعوي عبر الشاشات والمواقع. فلا تكاد تجد -إلا من رحم الله- من يقيم العربية إلقاءً وكتابة وتحدثاً. وتصطدم الآذان بأخطاء جليّة لا تندرج تحت المسائل الخلافية المشكلة، بل تطال الواضحات، فيُنصب الفاعل ويُجر المفعول، بل قد يصل اللحن إلى آيات كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ، مما يؤول إلى تحريف المعاني والكذب غير العمد على مقام النبوة.

إن الأذن المعتادة على جمال الضاد وحلاوتها لا يمكنها الاصغاء بإنصات أو تحصيل فائدة إذا ما كُسرت القواعد. وتبرير هذا اللحن الفاضح بأن المتحدث “واعظ يخاطب العوام” أو “داعية يقرب النصيحة” هو مبرر قاصر؛ فاللحن لا يقرب المعنى أبداً بل يزيده تعمية وغموضاً. وتعود هذه الفوضى العلمية إلى تصدر المبتدئين وتزببهم قبل أن يتحصرموا، وتأهلهم للفتوى قبل اكتمال الأدوات. وكما قال الفالي قديماً في بيته المشهور:

تَصَدَّرَ للتَّدريسِ كُلُّ مُهَوّسٍ… بَليدٍ تَسَمَّى بِالفَقيهِ الْمُدَرِّسِ

لَقَدْ هُزِلَتْ حتى بَدا مِنْ هُزَالِها… كُلاها وحتى سامَها كُلُّ مُفْلِسِ[5].

وقد تضافر هذا مع مقولة الإمام الشافعي: «إذا تصدَّر الحَدَثُ فاتَه علمٌ كثيرٌ»[6].

القيمة الاستراتيجية للغة العربية ومخططات الهدم

إن تعلّم العربية لمن يتصدر للشأن العام والعلوم الشرعية فرض واجب، إذ كيف يُفهم الكتاب والسنة وهما عربيان ممن لا يملك أدوات اللسان؟ ومن هنا نطرح التساؤلات الاستراتيجية التالية:

أليست العربية لغة التنزيل القرآني اللساني الخالد؟

أليست هي السفينة الثقافية التي نقلت العلوم والحضارة لأوروبا وأخرجتها من ظلمات جهلها؟

ألا تمثل اللغة العربية المكون الأساسي والصلب لهويتنا الثقافية والسياسية؟

إن الحرب الحقيقية التي يقودها الخصوم تستهدف تبغيض اللغة إلى أهلها عبر وصمها بالصعوبة والثقل، والسخرية من معلميها في الوسائل الإعلامية والدرامية، والدعوة إلى “التحرر” من قيود النحو والبلاغة (المعاني والبيان والبديع) تحت مسمى الحداثة والشعر الحر التائه عن الوزن والقافية. ويؤكد الأستاذ سالم مبارك الفلق أن هذه الدعوات الحداثية تهدف لتحويل العربية لركام من التراكيب الهلامية بذريعة “العصرنة والخروج عن المألوف”[7].

عبقرية الإعراب والمرونة اللغوية

تتميز العربية عن غيرها من اللغات (كالإنجليزية مثلاً) بنظام الإعراب المرن. فاللغة الإنجليزية تلزم المتحدث بترتيب جامد (فاعل + فعل + مفعول)، ولا يمكن تغيير هذا الترتيب دون الإخلال بالمعنى. أما في العربية، فبفضل علامات الإعراب، يمكنك تدوير الجملة بمرونة فائقة: (أكل زيدٌ طعاماً / طعاماً أكل زيدٌ… إلخ)[8]. وبالمثل، فإن جملة واحدة مثل “ما أحسن زيد” تتغير دلالتها كلياً بين الاستفهام والتعجب والذم بمجرد تغيير الحركة الإعرابية الأخيرة.

وليس من التطور في شيء أن نتحدث الإنجليزية بطلاقة ونهجر لغة القرآن، أو أن يتشدق البعض بمصطلحات أعجمية ليوحي بالتحضر والعمق الثقافي، بل إن النهضة والصحوة الحقيقية لن تقوم إلا بالرجوع لعلوم الآلة وفهم مصادر عزنا الشريفة.

شواهد تاريخية: عزة العلم وهيبة اللسان

لقد كان الخلفاء والأمراء والعلماء عبر التاريخ يعظمون شأن اللفظة والشَّكلة، ويرون اللحن عيباً وشناعة:

قصة النضر بن شميل مع المأمون: دخل النضر على الخليفة المأمون، وتناقشا في حديث نبوي لفظه المأمون بفتح السين: “سَداد من عوز”، فصوبه النضر بكسر السين “سِداد”، موضحاً أن السَّداد بالفتح هو القصد في الدين، والـسِّداد بالكسر هو البلغة وكل ما تسد به الخلل. واستشهد ببيت العرجي: (أضاعوني وأي فتى أضاعوا… ليوم كريهة وسداد ثغر). فما كان من المأمون إلا أن استوى معظماً للأدب، وكافأ النضر بآلاف الدراهم مستفيدة من حركة إعرابية واحدة[9]!

قصة المازني مع جارية الواثق: رفض المازني مائة دينار من يهودي ليعلمه كتاب سيبويه صيانةً لآيات القرآن فيه، فعوضه الله بأضعافها عندما استدعاه الخليفة الواثق ليفصل في إعراب بيت شعري عجز عنه النحاة: (أظلومُ إن مُصابَكم رجلًا…). فأثبت المازني نصب “رجلاً” على أنه مفعول به للمصدر “مصابكم”، فنال حظوة وثلاثين ألف درهم[10].

أبو الأسود الدؤلي وابنته: عندما لحنت ابنته وقالت: “ما أحسنُ السماءِ؟” (مستفهمة وهير تريد التعجب)، صوبها قائلاً: “قولي: ما أحسنَ السماءَ!”، ومن هنا وضع أسس النحو بأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه[11].

الحجاج بن يوسف ويحيى بن يعمر: سأل الحجاج يحيى: “أتجدني ألحن؟”، فقال له بجرأة: “نعم، في كتاب الله؛ ترفع (أحبُّ) في آية سورة التوبة وهي منصوبة (أحبَّ إليكم)“، فما كان من الحجاج إلا أن نفاه لشدة وقع شناعة اللحن عليه[12].

وصايا السلف والأكاديميين

لقد تواترت أقوال الصحابة والأئمة في وجوب رعاية اللسان العربي؛ فكتب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: «تفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن؛ فإنه عربيٌّ»[13]، وقال أيضاً: «تعلموا العربية؛ فإنها تزيد في المروءة»[14]. وقال الشافعي إن على الخاصة الاجتهاد في تعلم لسان العرب لإزالة الشبه الداخلة من ذوي الأهواء[17]. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن: «نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجبٌ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»[20]. وحذر مصطفى صادق الرافعي من خطورة الاستعمار اللغوي قائلاً: «ما ذلّت لغة شعبٍ إلاّ ذلَّ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ»[25].

وحتى المستشرقون بهرهم هذا الجمال؛ فقال الألماني يوهان فك: «إن العربية الفصحى قامت رمزاً لغوياً لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية»[27]. وقالت هونكه مبهورة: «كيف يستطيع الإنسان أن يقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم وسحرها الفريد؟!»[29].

لذلك، يجب على طلاب العلم المبتدئين عدم التهيب من النحو، والبدء الفوري بدراسة المتون الميسرة؛ ونرشح لهم في البداية كتاب «التحفة السنية شرح المقدمة الآجرومية» للشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، ثم الترقي بعده لكتاب «قطر الندى وبل الصدى» لابن هشام، مراعين التطبيق العملي المستمر في الخطاب والكتابة.

______________________

 [1] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر.

[2] ينظر: وسائل الاتصال الحديثة وأثرها على الدعوة الإسلامية، دراسات معاصرة، ص 45.

[3] ديوان عبد الله بن المبارك، جمع وتحقيق، دار صادر، ص 89.

[4] ينظر: ظاهرة الرويبضة في الخطاب الدعوي الفضائي، قراءة نقدية.

[5] ينظر: ديوان الفالي، وترجمته في شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي.

[6] سير أعلام النبلاء للذهبي، ترجمة الإمام الشافعي، دار الحديث.

[7] سالم مبارك الفلق، “الحداثة اللغوية وهدم التراث”، مقال منشور، ص 12-14.

[8] ينظر: ابن باز، فتاوى ومقالات متنوعة في حماية اللغة العربية وتبسيط النحو.

[9] وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان، ترجمة النضر بن شميل.

[10] مرآة الجنان وعبرة اليقظان لليافعي، حوادث سنة 248 هـ (قصة المازني مع الواثق).

[11] أخبار النحويين البصريين للسيرافي، ص 15.

[12] إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي 4/ 12.

[13] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الأدب.

[14] المصنف لابن أبي شيبة، المرجع نفسه.

[15] ينظر: الآداب الشرعية لابن مفلح المقدسي 2/ 210.

[16] ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية 1/ 460.

[17] الرسالة للإمام الشافعي، تحقيق أحمد شاكر، ص 45-48.

[18] اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 1/ 461.

[19] المرجع نفسه 1/ 462.

[20] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 32/ 252.

[21] المرجع نفسه، سياق حفظ القانون العربي.

[22] ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، مقدمة الكتاب في فضل البيان.

[23] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي 1/ 190.

[24] حلية طالب العلم للعلامة بكر أبو زيد، ص 34.

[25] وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي 3/ 23.

[26] عبد الكريم جرمانوس، “أضواء على خلود اللغة العربية”، مجلة المجمع العلمي، ص 11.

[27] يوهان فك، “العربية: دراسات في اللغة واللهجات والأساليب”، ترجمة د. رمضان عبد التواب، ص 8.

[28] جوستاف جرونيباوم، “حضارة الإسلام”، دراسات في التاريخ والثقافة، ص 142.

[29] زيغريد هونكه، “شمس العرب تسطع على الغرب”، ترجمة فاروق أمين، دار الآفاق الجديدة، ص 53.

[30] كارل بروكلمان، “تاريخ الشعوب الإسلامية”، ترجمة نبيه أمين وفارس يعقوب، ص 34.

ترك تعليق