المنادى المبهم

المنادى المبهم

والمنادى المبهم شيئان أيّ واسم الإشارة. فأيّ يوصف بشيئين بما فيه الألف واللام مقحمة بينهما كلمة التنبيه، وباسم الإشارة، كقولك يا أيها الرجل، ويا أيهذا. قال ذو الرمة:

ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ** لشيء نحته عن يديه المقادر[1]

واسم الإشارة لا يوصف إلا بما فيه الألف واللام كقولك يا هذا الرجل ويا هؤلاء الرجال. وأنشد سيبويه لخزز بن لوذان:

يا صاح يا ذا الضامر العنس[2]

ولعبيد ابن الأبرص:

يا ذا المخوّفنا بمقتل شيخه ** حجر تمنّي صاحب الأحلام[3]

 

وتقول في غير الصفة يا هذا زيد وزيدا ويا هذان زيد وعمرو وزيدا وعمرا وتقول يا هذا ذا الجمّة على البدل. 



[1] هو لذي الرمة غيلان من قصيدة يمدح بها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أولها:

لمية أطلال بحزوى دوأثر ** عفتها السوافي بعدنا والمواطر

اللغة الباخع من قولهم بخع نفسه يبخعها قتلها غما أو غيظا. وفي القرآن الكريم (فلعلك باخع نفسك) أي مهلكها. ونحته بالتخفيف والتشديد بمعنى باعدته. والمقادر الأقدار أصله المقادير فحذف الياء ضرورة.

الاعراب إلا حرف استفتاح يراد به تنبيه المخاطب على ما سيأتي بعده من الكلام. وأي منادى بحرف نداء مقدر مبني على الضم. وهذا في محل رفع صفته. والباخع صفة أخرى. وال فيه موصولة بمعنى الذي. والوجد فاعل اسم الفاعل وهو باخع. ونفسه مفعوله. هذا على رواية الوجد بالرفع وعلى روايته بالنصب ففاعل الباخع ضمير فيه تقديره هو. ونفسه مفعول. والوجد مفعول لأجله ولشيء جار ومجرور متعلق بالباخع. ونحته فعل ماض والضمير فيه مفعوله. والمقادر فاعله وعن يديه متعلق بنحته. والجملة في محل جر صفة لشيء (والشاهد فيه) إنه وصف المنادى المبهم وهو أي باسم الاشارة وهو هنا (والمعني) يا من قتل الوجد نفسه غما لشيء عاقته عنه عوائق الأقدار أن ذلك ليس بمغن عنك.

[2] نسبه هنا إلى خزز بن لوذان السدوسي ونسبه أبو الفرج في الأغاني لخالد بن المهاجر وأنشده هكذا:

يا صاح يا ذا الضامر العنس ** والرحل ذي الأنساع والحلس

تسري النهار ولست تاركه ** وتجد سيرا كلما تمسي

اللغة الضامر من ضمر الحيوان وغيره من باب قعد دق وقل لحمه. والعنس الناقة الصلبة الشديدة. والرحل كل ما يعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن والمراد هنا برذعة البعير. والانساع جمع نسعة بكسر النون وهي جلدة تنسج عريضة فتكون على صدر البعير. والحلس كساء يجعل على ظهر البعير تحت رحله.

الاعراب يا حرف نداء وصاح منادى مرخم صاحب أو صاحبي وهو شاذ على الوجهين. وذا اسم اشارة. والضامر مرفوع صفته. والعنس مضاف إليه. ورواه الكوفيون بجر الضامر. على أن ذا بمعنى صاحب. واعتلوا لذلك بوجوه منها أن صفة المنادى إذا كانت مضافة كانت منصوبة فلم رفعت ها هنا ومنها أن قوله بعده والرحل ذي الانساع والحلس معطوف على العنس الموصوف بالضمور وهما لا يوصفان بذلك والجواب عن الأول أن آل في الضامر بمعنى الذي لأن تقديره يا ذا الذي ضمرت عنسه. والموصول مع صلته بمنزلة المفرد وعن الثاني بان العطف من باب علفتها تبنا وماء باردا. وقول الشاعر:

يا ليت زوجك قد غدا **متقلدا سيفا ورمحا

بان يحمل الثاني على ما يليق به ولا يخرج عن مقصد الأول فيكون معنى الضامر المتغير. والرحل محمول عليه كإنه قال المتغير العنس والرحل ولا امتناع في وصف الرحل بالتغير. (والشاهد فيه) مجيء ذي اللام وهو الضامر وصفا للاشارة.

[3] كان من سبب قول عبيد هذا الشعر أن بني أسد قوم عبيد بن الأبرص قتلوا حجرا أبا امرىء القيس وهو ابن أم قطام فتوعدهم امرؤ القيس بقوله:

والله لا يذهب شيخي باطلا**حتى أبيد مالكا وكاهلا

 ومالك وكاهل حيان من أسد. فقال عبيد بن الأبرص هذا الشعر يكذب وعيده ويبين أن ما تمناه فيهم غير واقع وإنه كأضغاث الأحلام وبعد هذا البيت.

لا تبكنا سفها ولا ساداتنا**واجعل بكاءك لابن أم قطام.

اللغة شيخه أراد به أباه حجرا. والأحلام ما يراه النائم في نومه جمع حلم.

الاعراب يا حرف نداء. وذا منادى مبني على السكون في محل رفع. والمخوف صفة المنادى. ونا مضاف إليه في محل نصب مفعول به. وال في المخوف بمعنى الذي أي يا ذا الذي خوفنا. وبمقتل متعلق بالمخوف. وشيخه مضاف إليه من اضافة المصدر إلى مفعوله أي بسبب قتلنا شيخه. وحجر بدل من شيخه أو عطف بيان له. وقوله تمني منصوب على إنه مصدر حذف عامله أي تمنيت تمني. وصاحب مضاف إليه. والأحلام مضاف إلى صاحب. (والشاهد فيه) وقوع المخوف وهو معرف بأل صفة لاسم الاشارة المنادى لإنه في معنى مفرد مثله وان كان في اللفظ مضافا إلى مفعوله. (والمعنى) انك لا تقدر على الانتقام منا وتحقيق ما توعدتنا به من ابادة قبائلنا.

ترك تعليق