الأختصاص والترخيم

 

الاختصاص:

وفي كلامهم ما هو على طريقة النداء ويقصد به الإختصاص لا النداء، وذلك قولهم أما أنا فأفعل كذا أيها الرجل، ونحن نفعل كذا أيها القوم، واللهم اغفر لنا أيتها العصابة. جعلوا أيا مع صفته دليلا على الإختصاص والتوضيح، ولم يعنوا بالرجل والقوم والعصابة إلا انفسهم وما كنوا عنه بأنا ونحن والضمير في لنا. كأنه قيل أما أنا فأفعل كذا متخصصا بذلك من بين الرجال، ونحن نفعل متخصصين من بين الأقوام، واغفر لنا مخصوصين من العصائب. ومما يجري هذا المجرى قولهم إنا معشر العرب نفعل كذا. ونحن آل فلان كرماء. وإنا معشر الصعاليك لا قوة بنا على المروة. إلا أنهم سوغوا دخول اللام ههنا فقالوا نحن العرب أقرى الناس للضيف. وبك الله نرجو الفضل. وسبحانك الله العظيم. ومنه قولهم الحمد لله الحميد. والملك لله أهل الملك. وأتاني زيد الفاسق الخبيث. وقرىء حمالة الحطب. ومررت به المسكين والبائس. وقد جاء نكرة في قول الهذلي:

ويأوي إلى نسوة عطّل ***وشعثا مراضيع مثل السّعالي[1]

وهذا الذي يقال فيه نصب على المدح والشتم والترحم.

الترخيم:

ومن خصائص النداء الترخيم إلا إذا اضطر الشاعر فرحم في غير النداء. وله شرائط إحداهما أن يكون الأسم علما. والثانية أن يكون غير مضاف. والثالثة أن لا يكون مندوبا ولا مستغاثا. والرابعة أن تزيد عدته على ثلاثة أحرف إلا ما كان في آخره تاء تأنيث فإن العلمية والزيادة على الثلاثة فيه غير مشروطتين. يقولون يا عاذل، ويا جاري، لا تستنكري، ويا ثب اقبلي، ويا شا ارجني، وأما قولهم يا صاح وأطرق كرا فمن الشواذ.

والترخيم حذف في آخر الأسم على سبيل الإعتباط. ثم إما أن يكون المحذوف كالثابت في التقدير وهو الكثير، أو يجعل ما بقي كأنه اسم برأسه فيعامل بما تعامل به سائر الأسماء. فيقال على الأول يا حار، ويا هرق، ويا ثمو، ويا بنو في المسمى ببنون. وعلى الثاني يا حار، ويا هرق، ويا ثمى، ويا بني.

ولا يخلو المرخم من أن يكون مفردا أو مركبا فإن كان مفردا فهو على وجهين أحدهما أن يحذف منه حرف واحد كما ذكرت لك. والثاني أن يحذف منه حرفان. وهما على نوعين إما زيادتان في حكم زيادة واحدة كاللتين في أعجاز أسماء ومروان وعثمان وطائفيّ. وإما حرف صحيح ومدة قبله وذلك في نحو منصور وعمار ومسكين. وإن كان مركبا حذف آخر الأسمين بكماله فقيل يا بخت ويا عمرو ويا سيب ويا خمسة في بخت نصّر وعمرويه وسيبويه، والمسمى بخمسة عشر. وأما نحو تأبط شرا وبرق نحره فلا يرخم.

حذف المنادى:

وقد يحذف المنادى فيقال يا بؤس لزيد بمعنى يا قوم بؤس لزيد ومن أبيات الكتاب:

يا لعنة الله والأقوام كلّهم والصّالحون على سمعان من جار[2]

وفي التنزيل (أَلَّا يَسْجُدُوا)


 

 

 



[1] اسمه أبو عائذ والبيت له من قصيدة عدتها ستة وسبعون بيتا أوردها السكري في أشعار الهذليين أولها :

ألا يا لقومي لطيف الخيال  ** يؤرق من نازح دلال

إلا أنه أنشد بيت الشاهد هكذا :

له نسوة عاطلات الصدو ** روعوج مراضع مثل السعالي

اللغة يأوي أي يأتي إلى مأواه ومنزله. وعطل جمع عاطل قال في الصحاح والعطل بالفتح مصدر عطلت المرأة إذا خلا جيدها من القلائد فهي عطل بالضم وعاطل ومعطال. وقد يستعمل في الخلو من الشيء كما هنا يقال عطل الرجل من المال والأدب فهو عطل بضمة وبضمتين. وشعث جمع شعثاء من شعث الشعر من باب تعب تغير وتلبد لقلة تعهده بالغسل والدهن. ومراضيع جمع مرضاع بالكسر وهي التي ترضع كثيرا. والسعالي الغيلان وأحدها سعلى بالكسر للذكر ، وسعلاة للأنثى ويقال هي ساحرة الجن ، وهي من خرافات العرب يزعمون انها تعرض للرجل في المفازة فلا تزال به حتى تغويه عن الطريق فتهلكه ، ويقال انها عرضت مرة لحسان بن ثابت رضي الله عنه في بعض طرق المدينة وهو غلام قبل أن يقول الشعر فبركت على صدره وقالت أنت الذي يرجو قومك أن تكون شاعرهم؟ قال نعم. قالت فقل ثلاثة أبيات على رويّ واحد وإلا قتلتك فقال :

إذا ما ترعرع فينا الغلام ** فما أن يقال له من هوه

إذا لم يسد قبل شد الازا ر **فذلك فينا الذي لاهوه

ولي صاحب من بني الشيصبان ** فحينا أقول وحينا هوه

 الاعراب يأوي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة. وفاعله ضمير يعود إلى الصائد.

وإلى نسوة متعلق به في محل نصب مفعول به. وعطل صفة نسوة. وقوله وشعثا الواو إذا ادخلت بين الصفة والموصوف كانت لتأكيد لحاق الصفة بالموصوف نظيره قول الشاعر.

إلى الملك القرم وابن الهما **م وليث الكتيبة في المزدحم

وشعثا منصوب باضمار فعل لأنه لما قال لنسوة عطل علم انهن شعث فكأنه قال وإذ كرهن شعثا إلا أن هذا فعل لا يظهر لأن ما قبله دل عليه فأغنى عن ذكره. وأنشده سيبويه في مواضع من كتابه بجر شعثا عطفا على عطل ومراضيع. ومثل السعالي صفتان لشعثا (والشاهد فيه) ان شعثا منصوب على الترحم بفعل محذوف (والمعنى) ان هذا الصياد يغيب عن أهله فإذا عاد اليهن رآهن مثل السعالي في سوء الحال.

[2] هو من شواهد الكتاب التي لم يعرف لها قائل.

اللغة سمعان اسم رجل يروى بفتح السين وكسرها وكلاهما قياس فمن فتح فهو كقحطان ومروان ومن كسر فهو كحطان وعمران.

الاعراب يا حرف نداء. والمنادى محذوف أي يا قوم. ولعنة مبتدأ. ولفظ الجلالة مضاف إليه. والأقوام معطوف على لفظ الجلالة. وكلهم تأكيد. والصالحون يروى بالرفع والجر فالرفع على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامة أو على العطف على محل لفظ الجلالة لأنه فاعل في المعنى لا بالعطف على محل الأقوام كما ذكره العيني لأنه وان كان فاعلا في المعنى أيضا إلا أن المعاطيف بالواو إذا تكررت فالعطف على الأول. وعلى سمعان في موضع رفع خبر المبتدإ السابق. وقوله من جار في محل نصب على أنه تمييز عن الجملة (والشاهد فيه) حذف المنادى بيا لأن اللعنة ليست مناداة إذ لو كانت مناداة لنصبها لأنها مضافة (والمعنى) يا قوم لعنة الله والأقوام والصالحين على سمعان من جهة كونه جارا.

 

ترك تعليق