المنادى

الفصل الثالث: المنادى

تعريفه:

ومن المنصوب باللازم إضماره المنادى لأنك إذا قلت يا عبد الله فكأنك قلت يا أريد أو أعني عبد الله. ولكنه حذف لكثرة الإستعمال وصاريا بدلا منه.

ولا يخلو من أن ينتصب لفظا أو محلا. فانتصابه لفظا إذا كان مضافا كعبد الله أو مضارعا له كقولك يا خيرا من زيد ويا ضاربا زيدا ويا مضروبا غلامه ويا حسنا وجه الأخ ويا ثلاثة وثلاثين. أو نكرة كقوله:

فيا راكبا إمّا عرضت فبلغا ** نداماي من نجران ألّا تلاقيا[1]

وانتصابه محلا إذا كان مفردا معرفة كقولك يا زيد ويا غلام ويا أيها الرجل.

أو داخلة عليه لام الإستغاثة أو لام التعجب كقوله:

يا لعطّافنا ويا للرياح ** وأبي الحشرج الفتى النفّاح[2]

وقولهم يا للماء ويا للدواهي. أو مندوبا كقولك يا زيداه.

حكم توابع المنادى:

توابع المنادى المضموم غير المبهم إذا أفردت حملت على لفظه ومحله كقولك يا زيد الطويل والطويل، ويا تميم أجمعون وأجمعين، ويا غلام بشر وبشرا، ويا عمرو الحارث والحارث، وقرىء والطير رفعا ونصبا إلا البدل، ونحو زيد وعمرو من المعطوفات فإن حكمهما حكم المنادى بعينه، تقول يا زيد زيد ويا زيد وعمرو بالضم لا غير وكذلك يا زيد أو عمرو يا زيد لا عمرو أو إذا أضيفت فانصب كقولك يا زيد ذا الجمّة وقوله:

أزيد أخا ورقاء كنت ثائرا ** فقد عرضت أحناء أمر فخاصم[3]

ويا خالد نفيسه، ويا تميم كلّهم، ويا بشر صاحب عمرو، ويا غلام أبا عبد الله ويا زيد عبد الله.

والوصف بابن وابنة كالوصف بغيرهما إذا لم يقعا بين علمين فإن وقعا أتبعت حركة الأول حركة الثاني كما فعلوا في ابن وامرىء تقول يا زيد ابن أخينا ويا هند ابنة عمنا ويا زيد بن عمرو ويا هند ابنة عاصم. وقالوا في غير النداء أيضا إذا وصفوا هذا زيد بن أخينا وهند ابنة عمنا، وهذا زيد ابن عمرو، وهند ابنة عاصم، وكذلك النصب والجر.

فإذا لم يصفوا فالتنوين لا غير وقد جوزوا في الوصف التنوين في ضرورة الشعر كقوله:

جارية من قيس بن ثعلبه[4]

المنادى المبهم:

والمنادى المبهم شيئان أيّ واسم الإشارة. فأيّ يوصف بشيئين بما فيه الألف واللام مقحمة بينهما كلمة التنبيه، وباسم الإشارة، كقولك يا أيها الرجل، ويا أيهذا. قال ذو الرمة:

ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ** لشيء نحته عن يديه المقادر[5]

واسم الإشارة لا يوصف إلا بما فيه الألف واللام كقولك يا هذا الرجل ويا هؤلاء الرجال. وأنشد سيبويه لخزز بن لوذان:

يا صاح يا ذا الضامر العنس[6]

ولعبيد ابن الأبرص:

يا ذا المخوّفنا بمقتل شيخه ** حجر تمنّي صاحب الأحلام[7]

 

وتقول في غير الصفة يا هذا زيد وزيدا ويا هذان زيد وعمرو وزيدا وعمرا وتقول يا هذا ذا الجمّة على البدل.

 



[1] البيت من قصيدة عدتها عشرون بيتا لعبد يغوث الحارثي اليمني قالها بعد أن أسر في يوم الكلاب الثاني كلاب تيم واليمن وقتل أسيرا. ولمالك بن الرّيب قصيدة على هذا الوزن والروي فيها بيت يشبه بيت الشاهد وهو:

فيا صاحبي إمّا عرضت فبلغن ** بني مازن والريب أن لا تلاقيا

وهذا غير ذاك فقول شراح أبيات سيبويه في البيت الشاهد انه لعبد يغوث ويروى لمالك ابن الرّيب غير جيّد وأول القصيدة التي منها الشاهد:

ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا**فما لكما في اللوم خير ولا ليا

اللغة الراكب راكب الإبل ولا تسمى العرب راكبا على الاطلاق إلا راكب البعير أو الناقة وجمعه ركبان وأما ركب فهو اسم جمع عند سيبويه وجمع راكب عند غيره. وعرضت من عرض الرجل إذا أتى العروض وهي مكة والمدينة شرفهما الله وما حولهما. وقال شراح أبيات سيبويه عرضت بمعنى تعرضت وظهرت وقيل معناه بلغت العرض وهي جبال نجد وكلاهما غير سديد. فإن قوله فبلغن نداماي من نجران يدل على الأول لأن نجران كما في معجم ما استعجم مدينة بالحجاز من شق اليمن. والندامى جمع ندمان بالفتح بمعنى نديم وهو المشارب وقد يقال للمجالس ولو على غير شراب.

الاعراب أيا حرف نداء مثل يا إلا أنها لا تستعمل إلا والمنادى مذكور ويروى فيا راكبا. وراكبا منادى منصوب لأنه نكرة غير مضافة ولا شبيهة بالمضاف. وقوله إما أصله إن ما فان حرف شرط وما زائدة أدغمت النون في الميم لقربهما في المخرج وعرضت جملة من الفعل والفاعل جواب الشرط والمفعول محذوف أي إن عرضت العروض أي بلغتها. وقوله فبلغن الفاء للجزاء وبلغن فعل أمر. وفاعله ضمير المخاطب. والنون نون التوكيد الخفيفة. وقوله نداماي كلام اضافي منصوب تقديرا على أنه مفعول بلغن. ومن نجران في محل نصب صفة نداماي أو حال منه. وقوله ألا أصله أن لا أدغمت النون في اللام لقرب المخرج. وأن مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن. ولا نافية للجنس. وتلاقيا اسمها. وخبرها محذوف. أي لنا. وجملة لا تلاقي في محل رفع خبر أن المخففة. وجملة أن لا تلاقيا في محل نصب على أنه مفعول ثان لبلغن. ويصح أن تكون أن المدغمة في لا زائدة (والشاهد فيه) أنه نصب راكبا لأنه منادى نكرة إذ لم يقصد به راكبا بعينه انما التمس راكبا من الركبان يبلغ خبره لقومه ولو أراد راكبا بعينه لبناه على الضم. وقال أبو عبيدة أراد يا راكباه وللندبة فحذف الهاء كقوله تعالى (يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ). وهو غريب فان الثقات رووه بالنصب والتنوين، إلا الأصمعي فانه كان ينشده بلا تنوين. كذا ذكره ابن الانباري في شرح المفضليات. لا يقال إن حرف النداء للتعريف فكيف يدخل على المفرد النكرة ويبقى على تنكيره لانا نقول المنادى يبقى على تنكيره بعد دخول حرف النداء، كما أن تعريفه يزيل تعريف العلمية في مثل يا زيد وإلا لزم تحصيل الحاصل. ومعنى قولهم حرف النداء يفيد التعريف أنه لا يعارضه.

(والمعنى) ينادي راكبا أنه إذا بلغ العروض وانتهى إليها فليبلغ نداماه من تلك البلد أنه قد قتل ولم يبق أمل في التلاقي.

[2] أنشده سيبويه ولم يعزه لأحد.

اللغة عطاف ورياح وأبو الحشرج أسماء رجال. والنفاح كثير العطاء يقال نفحه بشيء إذا أعطاه.

الاعراب يا حرف نداء ولعطافنا منادى ولامه مفتوحة لأنها داخلة على المستغاث به.

وقوله ويا لرياح عطف عليه واللام فيه أيضا مفتوحة وانما تكسر اللام في المعطوف إذا لم يكرر حرف النداء. وأبي الحشرج عطف على ما قبله وتقديره ويا لأبي الحشرج. والفتى بدل من أبي الحشرج. والنفاح صفته (والشاهد) دخول لام الاستغاثة على المنادى المستغاث به. (والمعنى) أن الشاعر يرثي رجالا من قومه: يقول ذهب هؤلاء الرجال ولم يبق للعلا والمساعي من يقوم بها بعدهم.

[3] هو من الأبيات التي لم يعرف لها قائل.

اللغة الثائر الذي لا يبقى على شيء حتى يدرك ثأره. واحناء الأمور ما تشابه منها.

الاعراب الهمزة للنداء. وزيد منادى مبني على الضم. وأخا منصوب على أنه صفة المنادى. وهو زيد، لا يجوز فيه غير هذا. وورقاء مضاف إليه. وإن حرف شرط جازم. وكنت فعل ناقص فعل الشرط. والتاء اسمها. وثائرا خبرها. وقوله فقد الفاء جواب الشرط. وقد حرف تحقيق. عرضت فعل ماض. وأحناء فاعله. وأمر جر بالاضافة إليه. وقوله فخاصم عطف على جملة فقد عرضت (والشاهد) فيه ان أخا لما كان وصفا للمنادى المفرد ومضافا كان منصوبا حتما. (والمعنى) قد ظهر من الأمور المشكلة ما يوجب الخصام والنزاع فإن كنت مصرا على الطلب بثأرك فقم فخاصم.

 

[4] هذا صدر البيت وتمامه، كريمة أخوالها والعصبة. وهو مطلع قصيدة للأغلب العجلي الراجز وبعده:

قباء ذات سرة مقعبة **كأنها حقة مسك مذهبه

اللغة جارية أراد بها امرأة من العرب اسمها كلبه كان بينهما مهاجاة. وقيس قبيلة. وقباء ضامرة البطن. والمقعبة الصرة التي قد دخلت في البطن وعلا ما حولها حتى كأنها القعب وهو القدح من الخشب.

الاعراب جارية خبر مبتدإ محذوف أي هذه. ومن قيس جار ومجرور صفة جارية. وابن صفة لقيس. وثعلبة مضاف إليه. وكريمة صفة جارية. (والشاهد فيه) أن تنوين قيس شاذ لأن ابن وقع بين علمين مستجمع الشرائط فكان القياس حذف تنوين قيس واضافته إليه إلا أنه نونه لضرورة الشعر. وهذا على أن ابن صفة قيس. وذكر ابن جني أنه بدل منه فلا شاهد فيه حينئذ لكن البدلية بعيدة والظاهر الوصفية.

[5] هو لذي الرمة غيلان من قصيدة يمدح بها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أولها:

لمية أطلال بحزوى دواثر ** عفتها السوافي بعدنا والمواطر

اللغة الباخع من قولهم بخع نفسه يبخعها قتلها غما أو غيظا. وفي القرآن الكريم (فلعلك باخع نفسك) أي مهلكها. ونحته بالتخفيف والتشديد بمعنى باعدته. والمقادر الأقدار أصله المقادير فحذف الياء ضرورة.

الاعراب ألا حرف استفتاح يراد به تنبيه المخاطب على ما سيأتي بعده من الكلام. وأي منادى بحرف نداء مقدر مبني على الضم. وهذا في محل رفع صفته. والباخع صفة أخرى. وال فيه موصولة بمعنى الذي. والوجد فاعل اسم الفاعل وهو باخع. ونفسه مفعوله. هذا على رواية الوجد بالرفع وعلى روايته بالنصب ففاعل الباخع ضمير فيه تقديره هو. ونفسه مفعول. والوجد مفعول لأجله ولشيء جار ومجرور متعلق بالباخع. ونحته فعل ماض والضمير فيه مفعوله. والمقادر فاعله وعن يديه متعلق بنحته. والجملة في محل جر صفة لشيء (والشاهد فيه) إنه وصف المنادى المبهم وهو أي باسم الاشارة وهو هنا (والمعني) يا من قتل الوجد نفسه غما لشيء عاقته عنه عوائق الأقدار إن ذلك ليس بمغن عنك.

[6] نسبه هنا إلى خزز بن لوذان السدوسي ونسبه أبو الفرج في الأغاني لخالد بن المهاجر وأنشده هكذا:

يا صاح يا ذا الضامر العنس ** والرحل ذي الأنساع والحلس

تسري النهار ولست تاركه ** وتجد سيرا كلما تمسي

اللغة الضامر من ضمر الحيوان وغيره من باب قعد دق وقل لحمه. والعنس الناقة الصلبة الشديدة. والرحل كل ما يعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن والمراد هنا برذعة البعير. والانساع جمع نسعة بكسر النون وهي جلدة تنسج عريضة فتكون على صدر البعير. والحلس كساء يجعل على ظهر البعير تحت رحله.

الاعراب يا حرف نداء وصاح منادى مرخم صاحب أو صاحبي وهو شاذ على الوجهين. وذا اسم اشارة. والضامر مرفوع صفته. والعنس مضاف إليه. ورواه الكوفيون بجر الضامر. على أن ذا بمعنى صاحب. واعتلوا لذلك بوجوه منها أن صفة المنادى إذا كانت مضافة كانت منصوبة فلم رفعت ها هنا ومنها أن قوله بعده والرحل ذي الانساع والحلس معطوف على العنس الموصوف بالضمور وهما لا يوصفان بذلك والجواب عن الأول أن آل في الضامر بمعنى الذي لأن تقديره يا ذا الذي ضمرت عنسه. والموصول مع صلته بمنزلة المفرد وعن الثاني بان العطف من باب علفتها تبنا وماء باردا. وقول الشاعر:

يا ليت زوجك قد غدا **متقلدا سيفا ورمحا

بان يحمل الثاني على ما يليق به ولا يخرج عن مقصد الأول فيكون معنى الضامر المتغير. والرحل محمول عليه كأنه قال المتغير العنس والرحل ولا امتناع في وصف الرحل بالتغير. (والشاهد فيه) مجيء ذي اللام وهو الضامر وصفا للاشارة.

[7] كان من سبب قول عبيد هذا الشعر ان بني أسد قوم عبيد بن الأبرص قتلوا حجرا أبا امرىء القيس وهو ابن أم قطام فتوعدهم امرؤ القيس بقوله:

والله لا يذهب شيخي باطلا**حتى أبيد مالكا وكاهلا

 ومالك وكاهل حيان من أسد. فقال عبيد بن الأبرص هذا الشعر يكذب وعيده ويبين ان ما تمناه فيهم غير واقع وانه كأضغاث الأحلام وبعد هذا البيت.

لا تبكنا سفها ولا ساداتنا**واجعل بكاءك لابن أم قطام.

اللغة شيخه أراد به أباه حجرا. والأحلام ما يراه النائم في نومه جمع حلم.

الاعراب يا حرف نداء. وذا منادى مبني على السكون في محل رفع. والمخوف صفة المنادى. ونا مضاف إليه في محل نصب مفعول به. وال في المخوف بمعنى الذي أي يا ذا الذي خوفنا. وبمقتل متعلق بالمخوف. وشيخه مضاف إليه من اضافة المصدر إلى مفعوله أي بسبب قتلنا شيخه. وحجر بدل من شيخه أو عطف بيان له. وقوله تمني منصوب على انه مصدر حذف عامله أي تمنيت تمني. وصاحب مضاف إليه. والأحلام مضاف إلى صاحب. (والشاهد فيه) وقوع المخوف وهو معرف بأل صفة لاسم الاشارة المنادى لأنه في معنى مفرد مثله وان كان في اللفظ مضافا إلى مفعوله. (والمعنى) انك لا تقدر على الانتقام منا وتحقيق ما توعدتنا به من ابادة قبائلنا.

ترك تعليق