اسْمُ الفَاعِلِ المَصُوغُ مِنَ العَدَدِ

أ. د. محمد عبدالله سعادة

إذا بُنِيَ اسْمُ الفَاعِلِ مِنَ الواحدِ إلى العَشَرَةِ، كان للمُذَكَّرِ بغَيْرِ تاءٍ، وللمُؤَنَّثِ بالتاءِ، نَحْوُ: واحدٌ وواحدةٌ، وثانٍ وثانيةٌ، وثالثٌ وثالثةٌ .. إلى عَاشِرٍ وعاشرةٍ، أما (واحدٌ) فلا يَجُوزُ إضافتُه أصلًا، لا يُقالُ: واحدُ رجلٍ[173]، وما عَدَاه يَجُوزُ إضافتُه إلى العَدَدِ الذي أُخِذَ منه، وكذلك “ثانٍ” لا يَجُوزُ إضافتُه إلى واحدٍ؛ فلا يُقالُ: ثاني واحدٍ، وقد أَجَازَه بعضُهم[174]، ونَقَلَه عنِ العَرَبِ، ورَجَّحَه الدَّمَامِينِيُّ[175] بأنَّ مَعْناه: مَصِيرُ الواحدِ اثنينِ بنَفْسِهِ، ولا مانِعَ منه.

و(فَاعِل) المَصوغُ منَ العَدَدِ، إمّا أن يُفْرَدَ، فيُقالَ: ثانٍ وثانيةٌ، وثالثٌ وثالثةٌ، وإمّا أن يُضَافَ، فإن كان مضافًا إلى العَدَدِ الذي أُخِذَ منه لم يَجُزْ فيه إلا الإضافةُ، نَحْوُ:هذا ثاني اثنينِ، وثالثُ ثلاثةٍ، وكذا إلى عَشَرَةٍ، فلا يَجُوزُ فيه العَمَلُ والنَّصْبُ.

قال الفَرَّاءُ[176]: “ثالثُ ثلاثةٍ” يَكونُ مُضافًا، ولا يَجُوزُ التَّنْوِينُ في “ثالث”، فتَنْصِبَ “ثلاثة”؛ ألَا تَرَى أنه لا يَكونُ ثالثًا لنَفْسِهِ”.

قال ابنُ عَقِيلٍ[177]: “وهذا هو المشهورُ، وهو مَبْنِيٌّ على أن العَرَبَ لم تَقُلْ: ثَنَّيْتُ الِاثْنَينِ، ولا ثَلَثْتُ الثلاثةَ، وكذا الباقي”.

وهذه الإضافةُ تُفِيدُ أن الموصوفَ بعضُ ما اشْتُقَّ منه، فإذا قُلْنا: خامِسُ خَمْسَةٍ، أي: بعضُ جماعةٍ مُنْحَصِرَةٍ في خَمْسَةٍ، أي: واحدٌ منها، ويَجِبُ حينئذٍ إضافتُه لأَصْلِه، كما يَجِبُ إضافةُ البَعْضِ لكُلِّه، فلا يَنْصِبُ ما بعدَه؛ قال تعالى: ﴿إِذْ أَخَرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَينِ وقَالَ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: 72].

وزَعَمَ الْأَخْفَشُ[178] وقُطْرُبٌ والْكِسَائِيُّ وثَعْلَبٌ أنه يَجُوزُ الإضافةُ والنَّصْبُ كما يَجُوزُ في “ضاربُ زيدٍ”، وهو اختيارُ ابْنِ مَالِكٍ.

وإذا أُضِيفَ إلى ما ليسَ[179] منه أَرادَ به جَعْلَ الأَقَلِّ مُساويًا لِما فَوْقَه؛ كثالثِ اثنينِ، ورابعِ ثلاثةٍ، وفي ذلك تَجُوزُ الإضافةُ، ويَجُوزُ التَّنْوِينُ والنَّصْبُ، يُقالُ: رابعُ ثلاثةٍ، ورابعٌ ثلاثةً؛ لأنه بمَعْنَى: صَيَّرَ الثلاثةَ أربعةً؛ قال ابنُ عُصْفُورٍ[180]: “وهذا يَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِه؛ لأنه قد سُمِعَ استعمالُ الفِعْلِ مِن ثلاثةٍ، حُكِيَ مِن كلامِهم “ثَلَثْتُ الرجلَينِ، ورَبَعْتُ الثلاثةَ”، وفي “المِصْبَاحِ المُنِيرِ”[181]: “ثَلَثْتُهم صِرْتُ ثالثَهم، وكذلك إلى العَشَرَةِ”.

ومِن ذلك قولُه تعالى[182]: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إلّا هُوَ رَابِعُهُمْ ولَا خَمْسَةٍ إلّا هُوَ سَادِسُهُمْ.

ولا يُقالُ[183]: رابعُ اثنينِ، أي: لا يُضَافُ إلّا لِما هو أقلُّ منه بدَرَجَةٍ واحدةٍ فَقَطْ.

خاتـمة:

اسْمُ الفَاعِلِ ليس فِعْلًا، وإنما يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ، والعَمَلُ سببُه رائحةٌ مِنَ الفِعْلِ، بالإضافةِ إلى قَبُولِهِ علاماتِ الاسْمِيَّةِ؛ مِن تعريفٍ بأل، والإضافةِ، وقَبولِ التَّنْوِينِ، وقبولِه للتَّصْغِيرِ والوَصْفِ والتَّثْنِيَةِ والجَمْعِ خلافًا للفِعْلِ، وهناك فروقٌ أُخَرُ بينَ اسْمِ الفَاعِلِ والفِعْلِ، نُجْمِلُها فيما يلي[184]:

أولاً: يَجُوزُ إضافةُ اسْمِ الفَاعِلِ لمعمولِه، بخلافِ الفِعْلِ.

ثانيًا: اسْمُ الفَاعِلِ يَتَعَدَّى بنفْسِه وبحَرْفِ الجَرِّ، خلافًا للفِعْلِ، نَحْوُ: أنا ضاربٌ زيدًا، وضاربٌ لزيد، ونَحْوُ قولِه تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: 16].

ويُسْتَثْنَي مِن ذَلِكَ أفعالٌ سُمِعَتْ عنِ العَرَبِ بوجْهَينِ، نَحْوُ: سَمِعَه، وسَمِعَ له، ونَصَحَه ونَصَحَ له، وشَكَرَه، وشَكَرَ له.

ثالثًا: قال ابنُ الحاجِبِ[185]: “لم يَخْتَلِفْ أحدٌ في أن اسمَ الفَاعِلِ ليس جُمْلَةً مع ضَمِيرِ المَرْفُوعِ به، في مثلِ قولِكَ: “زيدٌ قائمٌ”، فقائمٌ مُفْرَدٌ باتِّفاقٍ، وإن كان لابدَّ له مِن مرفوعٍ غَيْرِ المُبْتَدَأِ، وسببُ ذلك أن الجملةَ هي التي تَسْتَقِلُّ بالإفادةِ باعتبارِ المنسوبِ والمنسوبِ إليه، وهذه ليستْ كذلك؛ فوَجَبَ ألّا تكونَ جُمْلَةً.

المصدر: مجلة جامعة الإمام – عدد15 – السنة: 1416هـ – ص125-154.

مراجع البحث:

1-              إتحاف فضلاء البشر للدمياطي، القاهرة 1359هـ.

2-              أصول النحو لابْنِ السَّرَّاجِ، ت د/ عبدالمحسن القتلى ط أول 1985م.

3-              أمالي بن الحاجب النحوية، ت هادي حسن حمودي، بيروت ط أولى 1985م.

4-              إملاء ما من به الرحمن للعكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى 1399هـ.

5-              البحر المحيط لأبي حيان، ط السعادة، القاهرة 1328هـ.

6-              تذكرة النحاة لأبي حيان، ت د/ عفيفي عبدالرحمن، ط أولى 1986م.

7-              التسهيل لابْنِ مَالِكٍ، ت محمد كامل بركات، 1967م.

8-              التصريح على التوضيح، عيسى الحلبي، دار إحياء الكتب العربية.

9-              التهذيب للأزهري، ت عبدالسلام هارون وآخرين، القاهرة 1964م.

10-        حاشية الأمير على المغني، دار إحياء الكتب العربية القاهرة.

11-        حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لألفية ابْنُ مَالِكٍ.

12-        حاشية الصبان على شرح الأشموني، ط صبيح 1344هـ.

13-        حاشية يس على التصريح ـ دار إحياء الكتب العربية.

14-        حاشية يس على شرح الفاكهي لقطر الندى، مطبعة مصطفى الحلبي 1353هـ.

15-        الحجة ،لأبي علي الفارسي، ت د/ عبدالفتاح شلبي وآخرين، دار الكاتب العربي.

16-        خزانة الأدب، للبغدادي، ت عبدالسلام هارون القاهرة.

17-        دلائل الإعجاز، للإمام عبدالقاهر الجرجاني، ت محمد عبدالمنعم خفاجي.

18-        شرح الأشموني على ألفية ابْنِ مَالِكٍ، ط صبيح 1344هـ.

19-        شرح ألفية ابْنُ مَالِكٍ لابن الناظم، ت د/ عبدالحميد السيد بيروت.

20-        شرح الجمل، لابن عصفور، ت د/ صاحب أبو جناح، العراق 1980م.

21-        شرح الشافية للرَّضِيِّ، ت محمد الزفزاف وآخرين، القاهرة 1356هـ.

22-        شرح الكافية للرضي، 1275هـ.

23-        شرح المرادي للألفية، ت د عبدالرحمن علي سليمان جامعة الأزهر.

24-        شرح المفصل، لابن يعيش، إدارة الطباعة المنيرية.

25-        ضياء السالك إلى أوضح المسالك، لابْنِ هِشَامٍ، ت محمد عبدالعزيز النجار.

26-        قطر الندى وبل الصدى، لابْنِ هِشَامٍ، تأليف محمد محيي الدين عبدالحميد.

27-        كتاب سِيبَوَيْهِ، ت عبدالسلام هارون.

28-        الكشاف، للزمخشري، الطبعة الثانية 1343هـ.

29-        لسان العرب، لابن منظور، بيروت ت 1955م.

30-        مجالس العلماء، للزجاجي، ت عبدالسلام هارون، الكويت 1962

31-        المحتسب، لابن جني، علي النجدي ناصف وآخرين، طبعة ثانية 1986م.

32-        المسائل البصريات، للفارسي، ت د/ محمد الشاطر 1985م.

33-        المساعد على تسهيل الفوائد، لابن عقيل، ت د/ محمد كامل بركات 1984م.

34-        معاني القرآن للفراء، ت عبدالفتاح شلبي، محمد علي النجار.

35-        مغني اللبيب، لابْنِ هِشَامٍ، دار إحياء الكتب العربية.

36-        المقتضب، للمبرد، ت محمد عبدالخالق عضيمة، القاهرة.

37-        نتائج الفكر، للسهيلي، ت د/ محمد البنا، دار الاعتصام، الطبعة الثانية.

38-        النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، بيروت.

39-        همع الهوامع، للسيوطي، ت د/ عبدالعال مكرم، الكويت 1975م.

 

________________________________________

[173]   ضياء السالك 4/95، وواحد اسم فاعل من وحد يحد، إذا انفرد، فالواحد بمَعْنَى المنفرد.

[174]   هو الْكِسَائِيُّ: انظر ضياء السالك 4/115. المساعد 2/98.

[175]   حاشية الخضري 2/139.

[176]   معاني الفراء 1/317.

[177]   المساعد على تسهيل الفوائد 2/95.

[178]   ضياء السالك 4/113.

[179]   الكتاب 2/172 والمقتضب 2/181.

[180]   شرح الجمل 2/39.

[181]   المصباح 944.

[182]   المجادلة (7).

[183]   حاشية الخضري 2/139.

[184]   حاشية الصبان 2/292.

[185]   أمالي ابن الحاجب 4/29 وانظر حاشية الخضري على ابن عقيل 1/197.

 

ترك تعليق